رقصة المصالح فوق حطام القطيعة الدبلوماسية

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

في عالم السياسة لا تسير الدول فوق اليابسة، بل فوق خرائط خفية ترسمها المصالح، وتكتبها الأزمات، وتمحوها الضرورات. وما بدا زيارة عابرة لرئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر، لم يكن في حقيقته سوى فصل جديد من رواية متوسطية لا أبطال فيها، بل حسابات باردة ترتدي أقنعة المجاملة، وتصافح بأيد بينما تخفي في الأخرى موازين القوة. هبطت الطائرة الإسبانية في الجزائر، لكن الذي لامس أرض المطار لم يكن وفدا حكوميا فحسب، بل قافلة من الأسئلة الثقيلة. كان الغاز يجلس في المقعد الأول، وكانت الأنابيب تسبق الوزراء إلى قاعات الاجتماعات، بينما كانت شركات الطاقة تسير خلف الوفد مثل كهنة معبد قديم يحملون مفاتيح خزائن لا تفتح إلا لمن يعرف لغة المصالح.

في السياسة، لا تعود الدول إلى بعضها لأنّها اشتاقت، بل لأنها أدركت أن كلفة القطيعة أصبحت أعلى من كلفة المصافحة. ولهذا لم تأت إسبانيا لتعتذر، ولم تأت الجزائر لتنتصر. كلاهما جاء ليعقد هدنة مع الضرورة، لأنّ التاريخ يعلم أن الضرورة هي الإمبراطور الوحيد الذي لا يخسر معركة. من يتأمل المشهد, قارئي العزيز, يرى أنّ مدريد لم تتحرك بدافع العاطفة، بل بدافع الجغرافيا. فأوروبا التي ترتجف أسواقها مع كل أزمة طاقة، تبحث عن كل منفذ يضمن استمرار تدفق الغاز. والجزائر ما تزال تمتلك أحد أهم المفاتيح في جنوب المتوسط، ولذلك فإن استقرار العلاقة معها ليس ترفا دبلوماسيا، بل جزء من الأمن الإستراتيجي الإسباني والأوروبي.

غير أن المشهد يزداد غرابة حين نعود إلى أصل الحكاية. فمنذ سنوات، قررت إسبانيا دعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل نزاع الصحراء المغربية. كان ذلك القرار كافيا ليحول العلاقات مع الجزائر إلى صحراء سياسية قاحلة. علقت الجزائر معاهدة الصداقة، وجمدت المبادلات التجارية، وسحبت سفيرها، ورفعت سقف المواجهة إلى أقصى مدى. لكن الزمن، ذلك الساحر الذي يغير ملامح الممالك دون أن يلمس حجارتها، عاد اليوم ليكشف مفارقة تكاد تكون أسطورية. فإسبانيا عادت إلى الجزائر، لكنها لم تحمل معها أي تراجع عن موقفها من الصحراء المغربية. بقيت الرسالة كما هي، وبقيت الكلمات كما خرجت أوّل مرة، بينما كانت الجزائر هي التي تعود إلى طاولة الحوار. كأن المشهد يشبه ملكا أغلق أبواب قلعته حتى يعاقب جاره، ثم اكتشف بعد أعوام أن الرياح كانت تدخل البرد إلى قصره قبل أن تصل إلى القصر المقابل.

ستربح الجزائر بلا شك بعض المكاسب المهمة. ستعيد تنشيط تجارتها مع إسبانيا، وستحصل على عقود جديدة في قطاع الطاقة، وستجذب استثمارات تبحث عن الاستقرار في الضفة الجنوبية للمتوسط، كما ستعيد تفعيل قنوات التعاون الأمني والهجرة التي أصبحت بالنسبة إلى أوروبا جزءا من أمنها الداخلي. لكن هذه المكاسب، على أهميتها، لا تعني أن الجزائر استعادت المبادرة السياسية. فالطرف الذي يغير موقعه في نهاية الأزمة ليس دائما هو الطرف المنتصر، خصوصا عندما يبقى الطرف الآخر متمسكا بجميع مواقفه الأساسية. أما إسبانيا، فهي تبدو كمن يسير فوق خيط معلق بين جبلين. فهي تحتاج إلى الغاز الجزائري، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع التفريط في شراكتها الإستراتيجية مع المغرب. لقد أصبحت الرباط بالنسبة إلى مدريد شريكا يتجاوز حدود الجوار، إلى شريك في الأمن، والهجرة، والاستثمار، والربط الطاقي، والتعاون الإقليمي. ولهذا فإن السياسة الإسبانية لا تقوم على استبدال الرباط بالجزائر، بل على بناء توازن يمنع تحول أي علاقة إلى خصومة مع الأخرى. ومن هنا يبرز السؤال الذي يتردد في الأوساط المغربية: هل ينبغي أن ينظر المغرب إلى هذا التقارب بقلق؟

الجواب، إذا ابتعدنا عن الانفعال واقتربنا من منطق الدولة، هو أن السياسة ليست حلبة ملاكمة ينهض فيها طرف ويسقط الآخر. إنها رقعة شطرنج تتحرك فيها القطع جميعها في وقت واحد. قد يقترب خصمان في زاوية من الرقعة، بينما تبقى بقية المواقع على حالها. المغرب اليوم لا يقيس مكانته بعدد التصريحات، بل بصلابة التحالفات التي راكمها خلال السنوات الأخيرة. فقد نجح في ترسيخ حضوره كشريك موثوق لدى قوى دولية وإقليمية، وأصبح رقما أساسيا في معادلات الأمن والهجرة والطاقة والاستثمار، كما أن الاعترافات الدولية المتزايدة بمغربية الصحراء، أو بدعم مبادرة الحكم الذاتي، منحت الدبلوماسية المغربية زخما يصعب تجاهله. أما الجزائر، فتبدو وكأنها تسابق الزمن لاستعادة نفوذ إقليمي تآكل تحت ضغط التحولات الدولية والإقليمية. إنها تراهن على الغاز، بينما يتجه العالم تدريجيا نحو تنويع مصادر الطاقة. وتراهن على الجغرافيا، بينما أصبحت التكنولوجيا تقلص المسافات وتعيد توزيع موازين القوة.

إن الدبلوماسية الجزائرية لا تحتضر بمعنى الغياب الكامل، فالدول لا تموت كما يموت الأفراد، لكنّها تواجه بلا شك مرحلة شديدة الصعوبة، حيث لم تعد أدوات الأمس تكفي لإدارة أزمات اليوم. فالخطاب الثوري الذي كان يفتح الأبواب في القرن الماضي، لم يعد وحده قادرا على صناعة النفوذ في عالم تحكمه الاستثمارات، وسلاسل الإمداد، والتحالفات الاقتصادية، والابتكار. إن أكثر ما يثير الدهشة في هذا المشهد أن البحر الأبيض المتوسط لم يعد بحرا، بل أصبح مرآة سحرية. كل دولة تنظر إليها فترى صورة تختلف عن الصورة التي يراها جيرانها. إسبانيا ترى فيها طريقا إلى أمن الطاقة. الجزائر ترى فيها فرصة لاستعادة دورها. المغرب يراها جسرا نحو أوروبا وإفريقيا. أما البحر نفسه، فيواصل صمته، وكأنه يعرف أن السفن تتغير، لكن الموج يبقى سيد الحكاية.

إنّ زيارة سانشيز إلى الجزائر ليست زلزالا يهدّد المغرب، ولا انتصارا إستراتيجيا يعيد رسم موازين المنطقة. إنّها تعبير عن منطق السياسة الذي لا يعترف بالفراغ، ويكره القطيعة الطويلة، ويبحث دائما عن مساحة يلتقي فيها الخصوم عندما تفرض المصالح كلمتها الأخيرة. وفي عالم يشبه متاهة بورخيس، حيث تتحول الأبواب إلى مرايا، والمرايا إلى ممرات، والممرات إلى أسئلة بلا نهاية، لا تنتصر الدولة التي ترفع صوتها أكثر، بل الدولة التي تجعل الآخرين يعودون إليها دون أن تغير موقعها. وتلك، في نهاية المطاف، هي اللغة التي لا يقرأها إلا الذين يعرفون أن التاريخ لا يكتبه الغضب، وإنما تكتبه موازين القوة.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “رقصة المصالح فوق حطام القطيعة الدبلوماسية

  1. الحضور المتجدد لفرنسا في أرض المغرب من الأسباب التي فتحت قنوات إعادة التواصل، وفي نفس الزمن، بالسرعة اللازمة للخروج من العزلة الطوعية التي سيدها الجار على نفسه. إنه مكر التاريخ. لا عدو دائم ولا صديق دائم، الديمومة هي للظرفية والمصلحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *