مضيق هرمز ومضيق ملقا

بقلم البروفيسور عبد الرحمن مكاوي, أستاذ جامعي-خبير في القضايا الاستراتيجية والعسكرية


لقد أصبح من يملك القدرة على تهديد الممرات، هو من يمتلك ورقة ضغط تتجاوز حدود القوة العسكرية التقليدية لتطال الاقتصاد العالمي بأكمله. وفي هذا السياق، يبرز مضيق هرمز ومضيق ملقا باعتبارهما أهم نقطتي اختناق بحري (Chokepoints) في العالم، حيث يشكل كل منهما ركيزة أساسية في معادلة الأمن الاقتصادي العالمي، وإن اختلفت طبيعة الرهانات الجيوسياسية المرتبطة بكل واحد منهما.

هرمز… بوابة الطاقة العالمية

يقع مضيق هرمز بين إيران وسلطنة عمان، ويعد الشريان الرئيسي لصادرات النفط والغاز القادمة من الخليج العربي نحو الأسواق الدولية. ويعبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة معتبرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال. ولذلك، فإن أي توتر أمني في هذا المضيق ينعكس بشكل شبه فوري على أسعار الطاقة، وأسواق المال، وتوقعات النمو الاقتصادي العالمي. ومنذ عقود، تعتبر إيران مضيق هرمز إحدى أهم أوراقها الاستراتيجية في مواجهة الضغوط الأمريكية والغربية. فهي لا تحتاج إلى إغلاقه فعليا حتى تحقق تأثيرا جيوسياسيا؛ إذ يكفي ارتفاع مستوى التهديد أو وقوع حوادث بحرية محدودة لإثارة قلق الأسواق ورفع كلفة التأمين البحري وإحداث اضطراب في سلاسل الإمداد. إن هرمز، في المنظور الإيراني، ليس مجرد ممر مائي، بل أداة ردع استراتيجية تستخدمها طهران كلما تصاعدت الضغوط السياسية أو العسكرية عليها.

ملقا… شريان الاقتصاد الآسيوي

وعلى بعد آلاف الكيلومترات، يحتل مضيق ملقا موقعًا لا يقل أهمية، إذ يربط المحيط الهندي بالمحيط الهادئ، ويعد البوابة الرئيسية للتجارة البحرية بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. تمر عبر هذا المضيق نسبة كبيرة من التجارة البحرية العالمية، فضلا عن جزء مهم من واردات الطاقة التي تعتمد عليها الاقتصادات الآسيوية الكبرى، وفي مقدمتها الصين واليابان وكوريا الجنوبية. وتنظر بكين إلى مضيق ملقا باعتباره إحدى أبرز نقاط ضعفها الاستراتيجية، لأن اعتمادها الكبير على هذا الممر يجعل أمنها الطاقي رهينا باستقرار هذا الشريان البحري. وقد دفع ذلك الصين إلى تطوير بدائل برية وبحرية، ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، والاستثمار في موانئ وخطوط نقل وأنابيب تقلص من اعتمادها على هذا المضيق. لقد تحول ما يعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ”معضلة ملقا” إلى أحد المحركات الأساسية للعقيدة البحرية الصينية في العقود الأخيرة.

جغرافيا واحدة… وصراعان مختلفان

رغم التشابه بين المضيقين من حيث الأهمية الاستراتيجية، فإن طبيعة الصراع تختلف بينهما. ففي مضيق هرمز، يتمحور التنافس حول المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تتداخل حسابات الردع العسكري مع أمن الطاقة العالمي. أما مضيق ملقا، فيقع في قلب المنافسة الاستراتيجية طويلة الأمد بين الولايات المتحدة والصين، حيث ترتبط السيطرة على طرق الملاحة بحرية التجارة، وحرية الوصول إلى الأسواق، والتوازنات البحرية في منطقة الهندي-الهادئ. وهكذا، يمثل هرمز جبهة ساخنة للصراع الإقليمي، بينما يجسد ملقا أحد أهم مسارح التنافس بين القوى الكبرى على قيادة النظام الدولي.

ماذا لو تعطلت الملاحة؟

تختلف انعكاسات أي اضطراب في المضيقين، لكنها تتقاطع في تأثيرها على الاقتصاد العالمي. فأي تعطيل كبير لحركة الملاحة في مضيق هرمز من شأنه أن يرفع أسعار النفط والغاز بصورة حادة، ويزيد الضغوط التضخمية، ويؤثر على أمن الطاقة في العديد من الدول المستوردة. أما تعطل الملاحة في مضيق ملقا، فستكون آثاره أوسع على سلاسل التوريد العالمية، إذ قد تتوقف مصانع تعتمد على المواد الأولية القادمة من آسيا، وتتأخر حركة البضائع، وتتعرض التجارة الدولية لاختناقات واسعة. وبالتالي، فإن أحد المضيقين يمثل شريان الطاقة، بينما يمثل الآخر شريان التجارة العالمية.

البحر قزوين… حلقة جديدة في معادلة الصراع

في ضوء التطورات الأخيرة في البحر قزوين، وما تردد عن استهداف سفينة إيرانية ضمن سياق الحرب الروسية–الأوكرانية، يبرز احتمال اتساع نطاق التنافس ليشمل الممرات اللوجستية التي تربط روسيا بإيران. وإذا ثبتت هذه التطورات، فإنها تعكس انتقال الصراع من استهداف القدرات العسكرية إلى استهداف شبكات الإمداد والنقل، وهو تطور يعكس الطبيعة الجديدة للحروب الحديثة، حيث أصبحت الموانئ والمضائق وخطوط الملاحة جزءًا لا يتجزأ من ساحات المواجهة الجيوسياسية. غير أن أي ربط مباشر بين هذه التطورات وإمكانية انتقال التوتر إلى مضيق ملقا يظل رهينًا بتفاعلات أوسع بين القوى الكبرى، ولا يرتبط بقدرة إيران وحدها على التأثير في هذا الممر الاستراتيجي.

تؤكد التجارب الحديثة أن السيطرة على الممرات البحرية لم تعد مجرد قضية جغرافية، بل أصبحت معيارًا من معايير القوة الدولية. فمضيق هرمز هو صمام أمن الطاقة العالمي، بينما يمثل مضيق ملقا الشريان الحيوي للتجارة الدولية. ومن هنا، فإن مستقبل التنافس بين الولايات المتحدة والصين، كما بين الولايات المتحدة وإيران، لن يحسم فقط في ساحات القتال أو على طاولات التفاوض، بل أيضًا في البحار والمضائق التي تمر عبرها مصالح العالم الاقتصادية. إن الجغرافيا البحرية لم تعد مجرد إطار للصراع، بل أصبحت أحد أهم محددات موازين القوى في القرن الحادي والعشرين، حيث باتت السيطرة على الممرات الاستراتيجية تعادل في أهميتها امتلاك الجيوش والأساطيل، لأنها تمنح الدول قدرة استثنائية على التأثير في الاقتصاد العالمي وصياغة معادلات الردع والنفوذ.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *