حكاية كيرا وانزعاجه من اشخير صديقه التونسي

الحلقة الثامنة من سلسلة: أسطورة النكتة في الحي المحمدي (المرحوم كيرا)

بقلم: عبد الله شوكا, كاتب وصحافي – المغرب

كان المرحوم كيرا عاشقا لليل، مؤمنا بأن الساعات التي تعقب غروب الشمس قادرة على غسل تعب النهار، وأن الهموم مهما تثاقل حملها، تذوب أمام جلسة عامرة بالضحك والأنس والأصدقاء. لم يكن يسهر لمجرد السهر، بل كان يجعل من الليل مسرحا مفتوحا، يحول فيه تفاصيل الحياة اليومية إلى مواقف ساخرة، ويصنع من أبسط الأحداث نكاتا تحفظها الذاكرة قبل أن تحفظها الألسن. ولهذا، لم يكن أبناء الحي المحمدي يبحثون عن كيرا لأنه يروي النكات فحسب، بل لأنّ حضوره كان في حد ذاته حدثا استثنائيا. فما إن يجلس بينهم حتى تتحول الجلسة إلى مهرجان للضحك، تتطاير فيه القفشات كما تتطاير الشرارات، ويصبح الضحك المتواصل قدرا لا مفر منه.

وفي إحدى ليالي الصيف، شاءت الصدفة أن تجمعه جلسة سمر بصديق تونسي جاء ليستمتع بما سمع عنه من طرائف “أسطورة النكتة”. أعد الصديقان ما لذ وطاب من طعام وشراب، وامتدت السهرة حتى ساعات متأخرة من اللّيل، غاص خلالها الضيف التونسي في بحر من الضحك، حتى كاد يفقد أنفاسه من شدة القهقهات التي كانت تتوالى مع كل تعليق يطلقه كيرا. وحين أسدل الليل ستاره الأخير، قرر الإثنان أن يخلّدا إلى النّوم، معتقدين أن ما تبقى من الليل سيكون هادئا… لكنّ القدر كان يخبئ لكيرا مفاجأة لم تخطر له على بال.

فما إن استسلم الصديق التونسي للنوم، حتى انطلقت من صدره سيمفونية من الشخير، لكنها لم تكن معزوفة هادئة، بل أقرب إلى هدير محرك ضخم لا يعرف التوقف. امتلأت الغرفة بضجيج متواصل، بينما ظل كيرا يتقلب في فراشه، مرة يضع الوسادة فوق أذنيه، ومرة يغير مكان نومه، ومرة يحدق في سقف الغرفة وكأنه ينتظر معجزة تعيد إليه هدوء الليل. مرت الساعات ثقيلة، ولم يغمض له جفن، إلى أن أشرقت أولى خيوط الفجر، معلنة انتصار الشخير وهزيمة النوم. وفي الصباح، جلس الصديقان إلى مائدة الإفطار. كان الضيف التونسي يتناول فطوره في هدوء، بينما كان كيرا يرمقه بعينين حمراوين من أثر السهر، وقد ارتسمت على وجهه ملامح رجل خرج للتو من معركة خاسرة.

لم يتمالك نفسه، فقال لصديقه بنبرة يشوبها العتاب: “والله ما نمت دقيقة واحدة… شخيرك قلب عليّ الليل!” غير أن الصديق التونسي، بابتسامة الواثق، نفى الأمر جملة وتفصيلا، وأصر على أنه لا يشخر إطلاقا. وهنا، اشتعلت روح كيرا الساخرة، وانفجر برده الذي ظل يتناقله أبناء الحي المحمدي سنوات طويلة. رفع صوته، وقال غاضبا في واحدة من أشهر قفشاته: “إيوا الحمد لله اللي كاينة بيناتنا الجزائر!” ساد صمت قصير، قبل أن تنفجر القاعة بالضحك. ففي منطق كيرا الساخر، لو لم تكن الجزائر تتوسط المغرب وتونس، لوصل شخير صديقه من تونس إلى المغرب، ولما بقي للمغاربة ليل ينامون فيه!

كانت جملة عفوية، لكنها حملت ذلك النوع من الفكاهة الذكية التي تقوم على سرعة البديهة، واستحضار الجغرافيا في قلب النكتة، لتتحول الحدود بين البلدان إلى عنصر كوميدي خالص، بعيدا عن أي إساءة أو تأويل. هكذا كان كيرا… لا يبحث عن النكتة، بل كانت النكتة تبحث عنه. يرى في التفاصيل اليومية مادة خامًا للإبداع، ويصنع من المواقف العابرة حكايات تبقى حية في ذاكرة الناس، وكأن الضحك، بالنسبة إليه، كان لغة ثانية لا تحتاج إلى ترجمة. ولعل هذا هو سر خلود اسمه في ذاكرة الحي المحمدي؛ فقد رحل الرجل، لكن ابتساماته ما زالت تقيم بين الناس، شاهدة على زمن كانت فيه النكتة ابنة الذكاء، والضحكة الصادقة أجمل ما يتركه الإنسان أثرا بعد رحيله.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *