بقلم: جيراردو كريمونا, محلل سياسي – روما
لم يكن خطاب العرش الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس مجرد مناسبة دستورية لتقييم حصيلة سنة من العمل الوطني، بل جاء بمثابة وثيقة استراتيجية ترسم ملامح مغرب جديد، يرسخ مكانته كقوة اقتصادية وصناعية صاعدة عند ملتقى أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، ويؤكد انتقال المملكة من اقتصاد ناشئ إلى فاعل وازن في سلاسل الإنتاج العالمية. فالمؤشرات الاقتصادية التي سجلها المغرب خلال السنوات الأخيرة تعكس دينامية لافتة؛ إذ واصل الاقتصاد الوطني أداءه الإيجابي بمعدل نمو يقارب 4.9 في المائة سنة 2025، مع توقعات باستمرار المنحى نفسه خلال سنة 2026، في وقت ما تزال فيه اقتصادات عديدة في الفضاء المتوسطي تواجه تداعيات التضخم، واضطراب التجارة الدولية، والتقلبات الجيوسياسية.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا الأداء لا تكمن في معدلات النمو فحسب، بل في التحول البنيوي العميق الذي عرفه الاقتصاد المغربي خلال العقد ونصف العقد الأخيرين، حيث نجحت المملكة في تقليص اعتمادها على القطاعات التقليدية، واتجهت بثبات نحو الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، المرتبطة بالتكنولوجيا والابتكار والاندماج في سلاسل القيمة الدولية. وتتجلى أبرز معالم هذا التحول في قطاع صناعة السيارات، الذي أصبح يشكل عنوانا بارزا للنجاح الصناعي المغربي. فقد أضحى المغرب أكبر مصدر للسيارات في القارة الإفريقية، بطاقة إنتاجية تناهز مليون مركبة سنويا، بينما أصبحت صناعتا السيارات والطيران تمثلان أكثر من أربعين في المائة من إجمالي الصادرات الوطنية، متجاوزتين قطاع الفوسفاط الذي ظل لعقود الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني.
ولم يكن هذا الإنجاز وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية ملكية بعيدة المدى، قوامها استقطاب الاستثمارات الأجنبية، وبناء منظومات صناعية متكاملة، وتطوير البنيات التحتية اللوجستية، مع الاستفادة المثلى من الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمملكة على مضيق جبل طارق، بما جعلها منصة إنتاج وتصدير نحو الأسواق الأوروبية والإفريقية. وفي السياق ذاته، أبرز خطاب العرش انطلاق مشاريع صناعية جديدة لإنتاج محركات الطائرات وأنظمة الهبوط، وهو تطور نوعي يعزز تموقع المغرب داخل الصناعات الجوية الدقيقة، وينقله إلى مراتب أعلى في سلاسل القيمة العالمية المرتبطة بقطاع الطيران. كما يواصل المغرب استشراف مستقبل التنقل المستدام عبر الاستثمار في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، مستفيدا من توفر المعادن الاستراتيجية، ومن الخبرة الصناعية المتراكمة، ومن الطلب العالمي المتزايد على هذه المنتجات، بما يؤهله ليصبح أحد أهم المراكز الصناعية المتوسطية في هذا المجال.
أمّا على الصعيد الطاقي، فقد أصبحت الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر ركيزتين أساسيتين في الاستراتيجية الوطنية. فـ«عرض المغرب للهيدروجين الأخضر» لا يهدف فقط إلى مواكبة التحول البيئي العالمي، بل يشكل أيضا رافعة صناعية واقتصادية لاستقطاب الاستثمارات، وخفض كلفة الطاقة، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني في أحد أكثر القطاعات الواعدة خلال العقود المقبلة. وفي القطاع الفلاحي، ساهم تحسن التساقطات المطرية خلال الموسم الأخير في تعزيز الإنتاج الزراعي، وتحسين الأمنين الغذائي والمائي، في ظل رهانات التغيرات المناخية التي تجعل من حسن تدبير الموارد المائية عنصرا أساسياً لتحقيق التنمية المستدامة والاستقرار الاجتماعي.
أما القطاع السياحي، فقد واصل بدوره تحقيق أرقام قياسية، باستقبال نحو عشرين مليون زائر خلال سنة 2025، بما يؤكد المكانة المتنامية للمغرب كوجهة سياحية عالمية، بفضل استثماراته في البنية التحتية، وتطوير شبكات النقل، وتعزيز صورته كبلد ينعم بالاستقرار والأمن. ومن بين الرسائل الاقتصادية المهمة التي حملها خطاب العرش أيضاً، الدعوة إلى تعبئة المنظومة المالية الوطنية، بما في ذلك الأبناك وأسواق الرساميل، من أجل مواكبة الاستثمار المنتج، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتحفيز الابتكار والتصدير، بما يضمن تمويل النمو اعتماداً على الادخار الوطني إلى جانب الاستثمارات الأجنبية.
ولم يغفل الخطاب البعد الاجتماعي، إذ أكد أن تعميم الحماية الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز التنمية الترابية تشكل جميعها ركائز موازية لمسار التصنيع، بما يضمن أن تتحول التنمية الاقتصادية إلى رافعة للتماسك الوطني والعدالة الاجتماعية. وخلاصة القول، فإن خطاب العرش يعكس رؤية استراتيجية متكاملة لمغرب يطمح إلى الانتقال من اقتصاد صناعي ناشئ إلى قوة إقليمية مؤثرة في ميادين الصناعة والابتكار والتكنولوجيا والطاقة النظيفة، مستندا إلى الاستقرار السياسي، والتخطيط بعيد المدى، والانفتاح المدروس على الاقتصاد العالمي، في عالم يشهد إعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية وسلاسل الإنتاج الدولية.
📲 Partager sur WhatsApp