الهجرة تكشف ما تعجز السياسة عن إخفائه

بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاغن – الدنمارك

هناك لحظات في التاريخ لا تصنعها قرارات الحكومات بقدر ما تصنعها حركة الناس. وما شهدته سبتة، ثم مليلية، لم يكن مجرد تدفق لمهاجرين غير نظاميين نحو الحدود الأوروبية، بل كان لحظة سياسية وإنسانية كشفت عمق التحديات التي تواجه الضفة الغربية للبحر الأبيض المتوسط، وأعادت إلى الواجهة ملفا ظل حاضرا في الذاكرة المغربية، وإن بقي مؤجلا في الحسابات الدبلوماسية. ففي الوقت الذي تعتبر فيه إسبانيا سبتة ومليلية جزءا لا يتجزأ من سيادتها، يواصل المغرب اعتبارهما من الأقاليم الخاضعة للاستعمار الإسباني. وهذا التباين في الرؤى ليس جديدا، لكنه ظل، على امتداد عقود، محكوما بإرادة سياسية مشتركة حالت دون تحوله إلى أزمة مفتوحة، انطلاقا من إدراك البلدين أن استقرار علاقتهما يمثل ركيزة أساسية لأمن غرب البحر الأبيض المتوسط، وللتعاون في ملفات الهجرة والأمن والتبادل الاقتصادي.

غير أن الأحداث الأخيرة أثبتت أن القضايا التي تؤجلها السياسة لا يلغيها الزمن. فما إن تتقاطع الضغوط الاجتماعية مع التوترات الإقليمية حتى تعود الملفات التاريخية إلى الواجهة، ليس بوصفها سجالا قانونيا أو دبلوماسيا، وإنما باعتبارها واقعا يفرض نفسه على الأرض. لقد كشفت الأزمة أن الهجرة لم تعد مجرد انتقال أفراد من جنوب المتوسط إلى شماله، بل أصبحت مؤشرا سياسيا يقيس مستوى الثقة داخل المجتمعات، ويعكس حجم الفجوة بين تطلعات الشباب وإمكانات الواقع. فحين يختار آلاف الشباب المجازفة بحياتهم في البحر، فإن الرسالة التي يبعثون بها لا تتعلق فقط بالرغبة في الوصول إلى أوروبا، وإنما تعبر أيضا عن أزمة أمل داخل أوطانهم.

ومن الصعب فهم ما جرى بمعزل عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها جزء من الشباب المغربي. فارتفاع تكاليف المعيشة، واستمرار البطالة، واتساع الشعور بانسداد الأفق، عوامل تجعل الهجرة، بالنسبة إلى كثيرين، مشروعا للحياة أكثر منها مغامرة محفوفة بالمخاطر. وهذه الحقيقة لا تنتقص من مكانة الدولة، بل تفرض عليها مراجعة السياسات العمومية بما يعزز العدالة الاجتماعية ويوسع فرص التنمية. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن التغطية الإعلامية المكثفة ساهمت في رفع منسوب التوتر. ففي عصر الإعلام الفوري، تصبح الصورة أحيانا أكثر تأثيرا من الوقائع، ويتحول الخبر إلى عنصر فاعل في صناعة الحدث لا مجرد ناقل له. ومن هنا تبرز مسؤولية وسائل الإعلام في تقديم رواية دقيقة ومتوازنة، بعيدا عن الإثارة أو الاستثمار السياسي. كما أن ما تعرض له بعض المواطنين المغاربة من اعتداءات خلال تلك الأحداث يظل أمرا مرفوضا من منظور القانون الدولي وحقوق الإنسان. فكرامة الإنسان لا ينبغي أن تكون رهينة الأزمات السياسية، ولا يجوز أن تتحول الخلافات بين الدول إلى مبرر لاستهداف المدنيين أو التحريض ضدهم.

وفي خضم هذه التطورات، برزت تحليلات تربط الأزمة بالتحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة، سواء ما يتعلق بالتنافس على مصادر الطاقة، أو بتداعيات العلاقات الإسبانية الجزائرية، أو بانعكاسات قضية الصحراء المغربية على مواقف بعض العواصم الأوروبية. وهي تحليلات تعكس تعقيد المشهد الإقليمي، لكنها تظل بحاجة إلى أدلة ومعطيات موثقة كلما تعلق الأمر بإسناد أدوار أو مسؤوليات إلى أطراف بعينها. إن ما يحتاجه المغرب وإسبانيا اليوم ليس تبادل الاتهامات، وإنما ترسيخ قناعة مشتركة بأن إدارة الخلاف أكثر حكمة من تعميقه، وأن الحفاظ على جسور الثقة يخدم مصالح البلدين أكثر من أي تصعيد ظرفي. فالعلاقات بين الرباط ومدريد لم تعد شأنا ثنائيا فحسب، بل أصبحت جزءا من معادلة الأمن والاستقرار في الفضاء المتوسطي بأكمله.

أما بالنسبة إلى المغرب، فإن الرسالة الأهم التي أفرزتها هذه الأحداث ليست خارجية بقدر ما هي داخلية. فالدول تعزز حضورها الدولي بقدر ما تنجح في بناء جبهتها الداخلية، وترسيخ دولة القانون، ومحاربة الفساد، وتكريس تكافؤ الفرص، وإقناع الشباب بأن مستقبلهم يمكن أن يصنع داخل وطنهم لا خارجه. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة، تبدو الحاجة أكثر إلحاحا إلى إصلاحات تعزز ثقة المواطن في المؤسسات، وتجعل المشاركة السياسية تعبيرا عن قناعة لا عن واجب، وتؤسس لمرحلة يكون فيها الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي في صدارة الأولويات الوطنية.

لقد أثبت التاريخ أن قوة الدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات عسكرية أو اقتصادية، وإنما أيضا بقدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص للإصلاح. كما أن الدفاع عن القضايا الوطنية يكتسب شرعية أكبر عندما يستند إلى دولة قوية بمؤسساتها، ومجتمع متماسك، واقتصاد يمنح مواطنيه الأمل قبل أن يطالبهم بالصبر. ستظل سبتة ومليلية من القضايا الحاضرة في الوجدان الوطني المغربي، وستظل موضع اختلاف سياسي وقانوني بين الرباط ومدريد. غير أن الطريق إلى المستقبل لا يمر عبر الانفعال، بل عبر بناء دولة أكثر قوة وعدالة، ودبلوماسية أكثر تأثيرا، ورؤية إستراتيجية تدرك أن كسب احترام العالم يبدأ دائما من نجاح الدولة في ترسيخ قوتها الداخلية، قبل أي شيء آخر.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “الهجرة تكشف ما تعجز السياسة عن إخفائه

  1. في حالة نازلة سبتة ومليليا، ليس هناك ما يثير الإستغراب، بما أن الهجرة ارتبطت بالإنسان منذ القديم. الإنسان مشاء ومغامر وباحث عن الفردوس المفقود، فقط هناك ملاحظات: كيف نفهم حركة الأعداد الهائلة من فئة القاصرين؟
    بالنظر للنسبة العالية من المشاركين هم قاصرون ، يتعين النظر إلى نازلة سبتة- مليلية، من زاوية طبيعة نفسية هذه الفئة: العلوم المختصة، تستبعد ذلك الإدراك الواضح لمفهوم انسداد الأفق واليأس من واقع لدى هذه الفئة،. هي فئة هشة ويسهل انقيادها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لأنها وليدة هذه الوسائط وشعبها، ما يشير إلى فشل المنظومة التربوية- التوجيهية. هذا الوضع الهش هو ما تستغله شبكات الاتجار في البشر من خلال إشاعة الإشاعة والكذب. وهو ما وقع مع تأويل معرض القانون الذي صدر في إسبانيا، عرفوا كيف يوظفونه من أجل خلق هذه الحركة.
    كذلك هناك فئة نشطة اقتصاديا، واعية بحاجات الحياة الضرورية، واعية كذلك بأن الجنة لا توجد في أي بلد في العالم، الحياة امست صعبة حتى في دول شمال المتوسط لما تعرفه الظرفية الدولية منذ 2008 إلى اليوم، من أزمة للطاقة أساسا لما لها من تداعيات على الاقتصاد والاجتماعي، فعلا عن الحروب….
    ما حصل هو التاثير الذي مارسه المتاجرون في البشر لما سمعوا بالقانون الذي صوت عليه البرلمان الاسباني، وتم تأويله بشكل مغرض فقط من أجل تأجيج الوضع، ما جعل الحشود تتدفق صوب الشمال من أجل مغامرة مبنية على تصديق تفسير ذلك القانون بشكل شعبوي. ونحن نعرف دور الشعبوية مع تصاعد فكر الأنوار المظلمة……
    فعلا أن كل حركة اجتماعية تذكر ما لم يتم فعله بعد من طرف الدولة، ما يقتضي التقاط الإشارة لمعالجة ما يمكن معالجته قبل فوات الأوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *