بين سارق أغطية المجاري وسارق السلاحف

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

سمع النّاس منذ فجر الحكايات عن سارق الذّهب، لأنّ الذهب يفتن الأبصار. وسمعوا عن سارق اللوحات، لأنّ الفنّ يغري من لا يملك موهبة الخلق فيلجأ إلى سرقة المبدعين. وسمعوا عن سارق القلوب، لأنّ العشق لص قديم لا تعاقبه القوانين. أما أن تستيقظ الدنيا على خبر رجل يسرق السلاحف، فتلك ليست جريمة فحسب، بل نكتة سوداء كتبها عصر فقد القدرة على التفريق بين الكنز والغنيمة. لقد بدأت الحكاية بغطاء مجرى، وانتهت بسلحفاة. وما أبعد المسافة بين الحديد والكائن الحي، وما أقربها في ضمير من يرى الكون مستودعا مفتوحا للبيع. كأن اللص لم يكن يمد يده إلى الأشياء، بل إلى ذاكرة الأرض نفسها. فالسلحفاة ليست حيوانا كسائر الحيوانات، بل مخطوطة تمشي على أربع، كتبت الطبيعة على ظهرها تاريخ الصبر، ثم أطلقتها في الغابات شاهدة على الأزمنة التي كانت الأشجار فيها أعلى من أطماع البشر. لو أن السلاحف تعرف لغة المحاكم، لرفعت دعوى ضد الإنسان كله، لا ضد سارقها وحده. فمنذ قرون وهي تعلمنا أن الوصول لا يحتاج دائما إلى السرعة، بينما نحن لم نتعلم منها إلا كيف نحولها إلى سلعة في سوق سوداء.

إنّ أغرب ما في هذا الخبر أنّ اللّص لم يسرق كائنا سريع الحركة، بل سرق رمزا للبطء. حتى البطء نفسه لم يعد آمنا في هذا العالم. كأن الجشع صار عداء لا يحتمل أن يرى مخلوقا يعيش خارج سباق الأرباح. لقد أصبح الإنسان يمد يده إلى كل شيء. إلى البحر ليستخرج آخر سمكة. وإلى الغابة ليقتلع آخر شجرة. وإلى السماء ليحاصر آخر طائر. ثم يسأل، في دهشة مصطنعة، لماذا أصبحت الأرض أكثر صمتا. إنّ المشكلة لم تعد في اللصوص الذين يقتحمون البيوت، بل في أولئك الذين يقتحمون الطبيعة نفسها. يسرقونها قطعة قطعة، حتى إذا استيقظت الإنسانية ذات صباح، وجدت أنّها تعيش في متحف كبير، تعرض فيه صور الحيوانات التي كانت يوما تمشي إلى جوار الإنسان، قبل أن يحولها إلى ذكرى. ويا للمفارقة. لقد اخترع الإنسان الأقمار الصناعية ليعرف أسرار المجرات، ثم عجز عن أن يفهم حكمة سلحفاة كانت تمشي أمامه منذ ملايين السنين.

أيّ حضارة هذه التي تعرف كيف تبني ناطحة سحاب، لكنّها لا تعرف كيف تحمي غابة. وتتقن صناعة الذكاء الاصطناعي، بينما تفشل في حماية ذكاء الطبيعة. إنّ الجريمة هنا ليست في عدد السلاحف، بل في الفكرة التي تقف خلفها. فحين تتحول الكائنات إلى أرقام في دفتر الأرباح، يبدأ انهيار الأخلاق قبل انهيار البيئة. وحين يصبح الحيوان بضاعة، يصبح الإنسان هو الآخر بضاعة، لأنّ السوق التي لا تعرف حدودا لا تتوقف عند الغابة، بل تصل في النهاية إلى القلب والعقل والضمير. ولذلك فإنّ سارق السلاحف ليس شخصية هامشية في قصة بوليسية، بل هو مرآة مكبرة لعصر فقد احترامه لكل ما لا يحمل بطاقة سعر. إنّه عصر يقيس قيمة الشجرة بعدد الألواح التي يمكن استخراجها منها، ويقيس قيمة النهر بعدد المصانع التي يمكن أن تصب فيه نفاياتها، ويقيس قيمة الحيوان بثمنه في السوق السوداء، لا بدوره في توازن الحياة. وهنا تكمن المأساة الكبرى. فالطبيعة لا تنتقم بالصراخ، بل بالصمت. لا تثور بالخطب، بل بالاختفاء. كل سلحفاة تسرق، هي صفحة تمزق من كتاب التنوع الحيوي. وكل غابة تنهب، هي مكتبة تحترق من دون دخان. وكل نوع ينقرض، هو لغة كاملة تموت، فلا يبقى من مفرداتها إلا صور باهتة في كتب المدارس.

إنّ الحضارة لا تعرف من ارتفاع الأبراج، ولا من سرعة القطارات، ولا من حجم الأسواق المالية. الحضارة الحقيقية تعرف من الطريقة التي يعامل بها الإنسان أضعف الكائنات التي تشاركه هذا الكوكب. فالأمم التي تحمي سلحفاة، تحمي مستقبلها. أما الأمم التي تحول الطبيعة إلى مزاد مفتوح، فإنها تبيع غدها وهي تظن أنها تحقق ربح اليوم. ولعل أكثر ما يدعو إلى السخرية أن اللص ظن أنه اصطاد سلحفاة، بينما الحقيقة أن الجريمة اصطادت عصرا كاملا، وكشفت عورته الأخلاقية أمام العالم. فليس عجيبا أن يوجد سارق للذهب، لأن الذهب معدن. ولا عجيبا أن يوجد سارق للمال، لأن المال شهوة. أما أن يوجد سارق للصبر نفسه، ممثلا في سلحفاة تحمل على ظهرها حكمة ملايين السنين، فتلك شهادة دامغة على أن الإنسان الحديث لم يعد يسرق الأشياء، بل أصبح يسرق المعاني. وحين تبدأ المعاني بالاختفاء، يصبح الخراب أسرع من كل اللصوص، لأنه لا يحتاج إلى كسر الأقفال، بل يكفيه أن يجد ضميرا ترك بابه مفتوحا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *