بقلم: د. عبدالرحمن مكاوي-باريس
في العلاقات الدولية، ليست كل المعارك تقاس بعدد الصواريخ التي تطلق، ولا بعدد الطائرات التي تحلق في السماء، ولا بحجم القوة النارية التي تظهر على شاشات الأخبار. فثمة حروب أكثر هدوءا، لكنها أشد أثرا، لأنها تستهدف الإدراك قبل أن تستهدف الأرض، والهيبة قبل أن تستهدف الجنود، والصورة الذهنية قبل أن تستهدف المنشآت. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة جانب مهم من السلوك الإيراني في مواجهة الولايات المتحدة، لا بوصفه سعيا إلى مواجهة عسكرية شاملة، وإنما بوصفه محاولة مستمرة لإدارة ما يمكن تسميته بالإحراج الاستراتيجي. فالقيادة الإيرانية تدرك أن ميزان القوة العسكرية التقليدية يميل بوضوح لصالح الولايات المتحدة. ومن ثم، فإن الدخول في حرب مفتوحة لا يخدم مصالحها، بل قد يهدد ركائز النظام ذاته. ولذلك، تبدو أكثر ميلا إلى إدارة الصراع عند عتبة محسوبة، تسمح بإبقاء الضغط قائما من دون تجاوز الخط الذي يجعل الحرب الشاملة الخيار الوحيد.
في هذا السياق، يصبح الحرس الثوري، ومعه شبكة الحلفاء الإقليميين، أداة لتنفيذ سياسة تقوم على توسيع هامش المناورة، لا على حسم المعركة. فالضربات المحدودة، والهجمات التي تنسب إلى وكلاء، واستخدام الطائرات المسيرة، أو الصواريخ في نطاق مدروس، تمثل وسائل لإبقاء الخصم تحت ضغط دائم، مع محاولة تجنب مواجهة مباشرة واسعة. إن المنطق هنا يشبه إلى حد بعيد لعبة الشطرنج أكثر من الملاكمة. ففي الملاكمة يسعى كل طرف إلى إسقاط خصمه بضربة قاضية. أما في الشطرنج، فإن الانتصار قد يتحقق عبر إنهاك الخصم، وإجباره على ارتكاب أخطاء متراكمة، وتقليص خياراته السياسية والعسكرية حتى يجد نفسه في موقف دفاعي مستمر.
ومن هذا المنظور، لا يكون الهدف الرئيسي تحقيق نصر عسكري تقليدي، بل فرض معضلات على صانع القرار الأمريكي. فإذا ردت واشنطن بقوة مفرطة، واجهت انتقادات داخلية وخارجية تتعلق بتوسيع دائرة الصراع وتكاليفه السياسية والاقتصادية. وإذا امتنعت عن الرد، أو اكتفت برد محدود، فقد يفسر ذلك من قبل خصومها على أنه تراجع في قوة الردع أو تردد في حماية مصالحها وحلفائها. وهكذا تصبح كل أزمة اختبارا سياسيا بقدر ما هي اختبار عسكري. غير أن هذه القراءة لا تعني أن الولايات المتحدة تجهل طبيعة هذا النمط من الصراع، أو أنها تتحرك دائما بمنطق عسكري صرف. فالسياسات الأمريكية تجمع عادة بين أدوات الردع العسكري، والضغوط الاقتصادية، والعمل الاستخباراتي، وإدارة التحالفات، مع اختلاف واضح في أساليب التطبيق من إدارة إلى أخرى. كما أن صناع القرار في واشنطن يدركون في كثير من الأحيان أن خصومهم يستخدمون أدوات غير تقليدية لفرض معادلات ردع متبادلة.
ومع ذلك، فإن جوهر الإشكال يكمن في اختلاف تصور كل طرف لمعنى النجاح. ففي حين تميل المؤسسات العسكرية الغربية إلى تقييم النتائج من خلال معايير مادية، مثل تدمير القدرات العسكرية أو تقليص التهديد المباشر، فإن الخطاب الاستراتيجي الإيراني يمنح أهمية كبيرة للرمزية، وللصمود، ولإظهار القدرة على تحدي قوة أكبر حجما، حتى وإن كانت المكاسب العسكرية المباشرة محدودة. وهذا التباين في الإدراك قد يفتح الباب أمام أخطر سيناريوهات الصراع، وهو سوء التقدير. ففي العلاقات الدولية، كثيرا ما لا تبدأ الحروب لأن أحد الأطراف أرادها، بل لأن أحدهما أساء تفسير نوايا الآخر، أو بالغ في تقدير قدرته على التحكم في مسار التصعيد. وعندما تتداخل الحسابات العسكرية مع اعتبارات الهيبة والردع، يصبح هامش الخطأ أضيق، بينما تصبح كلفة الخطأ أكبر.
إن الشرق الأوسط اليوم يعيش في منطقة رمادية بين الحرب والسلام، حيث لا توجد مواجهة شاملة، ولا يوجد سلام مستقر. وهذه البيئة تجعل من الأزمات المحدودة وسيلة لإدارة التنافس، لكنها تجعلها أيضا قابلة للتحول إلى مواجهة أوسع إذا فقد أحد الأطراف القدرة على ضبط إيقاع التصعيد. ولذلك، فإن توصيف هذا النمط من التنافس بأنه “شطرنج لا ملاكمة” يحمل قدرا من الدقة بوصفه استعارة تحليلية، لكنه لا ينبغي أن يحجب حقيقة أكثر تعقيدا، وهي أن جميع الأطراف تمزج بين الأدوات العسكرية والسياسية والإعلامية والاقتصادية لتحقيق أهدافها، وأن ديناميات الصراع تتغير تبعا للظروف الإقليمية والدولية. وفي فإن أخطر ما في الأزمات الممتدة ليس كثرة الضربات، بل كثرة الرسائل التي يساء فهمها. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تشتعل دائما بسبب قرار متعمد، بل قد تبدأ عندما يعتقد كل طرف أنه يتحكم في قواعد اللعبة، بينما تكون اللعبة نفسها قد خرجت من بين يديه.
📲 Partager sur WhatsApp