دب الغابة والوحش الذي خرج من جيب الإنسان

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

كان الناس قديما يخافون الوحوش التي تخرج من الغابات. أمّا اليوم، فقد أصبحوا يحملون الوحش في جيوبهم، ويبتسمون له عشرات المرات كلّ يوم، حتى إذا خرج دب من بين الأشجار، لم يكن أكثر افتراسا من الشاشة التي كانت قد التهمت انتباههم قبل ذلك بوقت طويل. إنّ الحكاية، في ظاهرها، طريفة تكاد تثير الضحك. سائح يقف على طريق جبلي، يحدق في هاتفه، بينما دب يقترب منه من الخلف، كأن الموت نفسه قرر أن يسير على أطراف أصابعه حتى لا يوقظ رجلا أيقظته الإشعارات وأنامته الحياة. ولكن خلف هذه المفارقة يختبئ سؤال أكبر من الدب، وأثقل من الجبل، وأشد ضراوة من أنياب الوحوش. من الذي افترس الإنسان أولا؟ هل هو الدب الذي خرج من الغابة؟ أم الهاتف الذي خرج من المصنع؟ لقد كان الدب جائعا إلى جسد. أما الهاتف، فأصبح جائعا إلى العمر كله. الدب قد يهاجم مرة واحدة، ثم يعود إلى كهفه. أما الشاشة، فإنها تهاجم كل صباح، وتجلس معك إلى الفطور، وترافقك في الطريق، وتشاركك الطعام، وتنام إلى جوارك، حتى أصبحت أقرب إليك من نبضك، وأشد التصاقا بك من ظلك. إنّها ليست قطعة إلكترونية. إنها مملكة كاملة، استعمرت الزمن من دون أن تطلق رصاصة واحدة.

لقد كانت الملوك قديما ترسل الجيوش لاحتلال المدن. أما اليوم، فإن التطبيق الواحد يحتل ملايين العقول في ليلة واحدة، ويقيم فيها من دون مقاومة. ولعل أعظم خدعة نجحت فيها هذه الأجهزة أنّها لم تسرق الوقت فقط، بل سرقت الإحساس بالوقت. صار الإنسان يسافر آلاف الكيلومترات ليقف أمام أجمل جبل، ثم لا يرى الجبل، لأنه مشغول بتصويره. ويجلس أمام البحر، فلا يسمع هدير الأمواج، لأنه ينتظر صوت الإشعار. ويصافح صديقا، بينما عيناه تبحثان عن وجه آخر يطل من شاشة باردة. لقد أصبح الإنسان سائحا في العالم الحقيقي، ومقيما دائما في العالم الافتراضي.

يا للمفارقة. ذهب الرجل إلى الغابة ليرى الدبّ، فإذا بالهاتف يمنعه من رؤية الغابة والدب معا. كان جسده في رومانيا، لكن وعيه كان يتجول في مكان آخر، لا يعرف الجبال ولا الأشجار ولا رائحة المطر. إن أخطر ما صنعته الهواتف أنها لم تعد تسرق انتباهنا، بل أعادت تشكيله. أقنعت الإنسان بأنّ كل لحظة لا توثق هي لحظة ضائعة، حتى نسي أن أجمل لحظات الحياة هي تلك التي تعاش، لا تلك التي تنشر. لقد تحول الإصبع إلى سيد، والعين إلى خادم. وصارت الرقبة تنحني للشاشة كما كانت الشعوب تنحني للعرش. حتى إنك ترى, قارئي العزيز, في المقاهي عشرات الوجوه الصامتة، يجلس أصحابها حول طاولة واحدة، لكن كل واحد منهم يعيش في قارة أخرى. إنّنا نعيش أغرب عزلة في التاريخ. لم يعد الإنسان وحيدا لأنه لا يجد الناس. بل لأنه لا يجد نفسه.

لقد ازدحم العالم بالأصوات حتى اختفى الصوت الداخلي. وامتلأت الشاشات بالوجوه حتى ضاع الوجه الحقيقي. ولم تعد الغابة هي المكان الذي يسكنه الدب، بل أصبحت الغابة داخل الهاتف نفسه. أشجارها إشعارات، وأغصانها مقاطع لا تنتهي، وثمارها إعجابات سريعة، ووحوشها خوارزميات تعرف عن الإنسان ما لا يعرفه عن نفسه، وتعرف كيف تستدرجه، وكيف تحتجز انتباهه، وكيف تعيده إليها كلما حاول الهرب. إنّها لا تصطاد الأجساد. إنها تصطاد الوعي. ولهذا فهي أخطر من أي مفترس. الدب، مهما بلغت قوته، لا يستطيع أن يبتلع إلا إنسانا واحدا. أما الشاشة، فتستطيع أن تبتلع أمة كاملة وهي تضحك، وتغني، وتظن أنها أكثر اتصالا بالعالم، بينما هي تنقطع عنه قطعة بعد أخرى.

ولعلّ الحضارة لن تتذكر هذا القرن لأنّه صنع هواتف أذكى، بل لأنّها شهدت لأوّل مرّة مخلوقا يمشي بعينين مفتوحتين، لكنّه لا يرى. يسمع كل شيء، لكنه لا ينصت. يلمس العالم بأصابعه، لكنه فقد القدرة على ملامسته بقلبه. ذلك هو الثمن الذي ندفعه حين تصبح الشاشة نافذتنا الوحيدة إلى الحياة. فالعالم لا يختفي لأن الجبال انهارت، ولا لأن الدببة خرجت من أوكارها، بل لأنه يتوارى ببطء خلف مستطيل مضيء، صغير الحجم، هائل النفوذ، استطاع أن يقنع الإنسان بأن الحياة كلها يمكن أن تختصر في شاشة، بينما كانت الحياة، منذ بدء الخليقة، أكبر من أن تسكن جيبا، وأوسع من أن تحتويها قبضة يد.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “دب الغابة والوحش الذي خرج من جيب الإنسان

  1. لغة عصر التقنية والقوة وتلاشي شيءية الأشياء وإنسانية الإنسان وتآكل مفهوم الواقع في صلاحيته المادية، وتوارى الحفيف. الرقمي هو الواقع والعالم الذي الذي لا يصمد إلا بخلق التشابه، إنه العصر وقد اكتسحته التقنية، العصر الذي يجتهد بخلق إنسان بدون ملامح….تختزل ذلك في دراسة بعنوان: التقنية والقوة وحق الكاءن في الإقامة. افريقيا الشرق 2024.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *