جمهورية الفلاتر…وجوه رهينة للإصلاح الدائم

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

لم تعد أكبر مصانع العالم تصنع الحديد ولا السيارات ولا الطائرات. إنها تصنع الرغبة. تلك السلعة التي لا ترى، لكنها قادرة على أن تدفع إنسانا إلى إعلان الحرب على وجهه، وأن تقنع فتاة في مقتبل العمر بأن الطبيعة أخطأت في رسم ملامحها، وأن خلاصها لا يوجد في مرآة البيت، بل في شاشة هاتف، حيث يجلس كهنة العصر الجديد يوزعون صكوك الجمال بضغطة إصبع. لقد كان الصياد قديما يختبئ خلف شجرة، وينصب شباكه في النهر، وينتظر الطريدة بصبر. أما اليوم، فقد تغير كل شيء. الشجرة أصبحت خوارزمية. والشبكة أصبحت منصة اجتماعية. والطريدة أصبحت عقلا يبحث عن اعتراف، أو قلبا يفتش عن إعجاب، أو نفسا أنهكها شعورها بالنقص.

إنّ شبكات التواصل لم تعد مجرد ساحات للكلام، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى أسواق ضخمة تتاجر بأندر ما يملكه الإنسان: رضاه عن نفسه. إنّها لا تبيع الحقنة وحدها، بل تبيع الحاجة إليها. ولا تسوق عملية التجميل، بل تسوق فكرة أن وجهك ناقص قبل أن ينظر إليه أحد. وهنا تبدأ المأساة. فكلما ازداد الإنسان كرها لملامحه، ازداد السوق حبا له. لأن التجارة لا تزدهر إلا حين يقتنع الزبون بأنه معيب. وهكذا أصبح القلق مادة خام، وأصبح انعدام الثقة بالنفس منجما لا ينضب، وأصبحت الخوارزمية تاجرا لا يبيع منتجا بقدر ما يبيع شعورا دائما بالنقص. إنّها تجارة أشبه بمن يبيع العطش ثم يعرض عليك الماء بثمن مضاعف. ولم يعد المؤثر يقدم نصيحة، بل يقدم حياة مصنوعة داخل مختبر من الزوايا والإضاءة والفلاتر والتعديلات الرقمية. يخرج إلى الناس بوجه لا يعرفونه، ثم يطالبهم بأن يكرهوا وجوههم الحقيقية. إنها مفارقة لا يبتكرها إلا عصر استبدل المرآة بالمسرح، والحقيقة بالمؤثرات.

لقد أصبح الهاتف غرفة عمليات متنقلة. كل تمريرة إصبع مشرط. وكل فلتر مخدر. وكل إعجاب قطرة تدفع الإنسان إلى جرعة جديدة من الوهم. وليس أخطر ما في هذا العالم تلك الإبر التي تدخل تحت الجلد، بل تلك الأفكار التي تدخل تحت الوعي. فالإبرة قد تصيب وجها، أما الفكرة فتصيب جيلا كاملا. كم هو موجع أن تتحول أجساد الشباب إلى حقول تجارب، لأن مقطعا لا يتجاوز ثوان معدودة أقنعهم بأن الجمال يمكن شراؤه كما تشترى الأحذية. وكم هو مرعب أن ينتهي البحث عن القبول الاجتماعي إلى أبواب غرف الإنعاش، أو إلى تشوهات دائمة، أو إلى التهابات لا تمحوها السنوات، أو إلى ندم يعيش أطول من كل صيحات الموضة.

لقد كان الطب رسالة تعيد للإنسان ما سلبه المرض أو الحادث. أمّا حين يتسلل إليه تجار الوهم، فإنه يتحول من فن للشفاء إلى سوق للمبالغة، ومن ميزان للحكمة إلى مزاد للرغبات. إنّ الجراح الحقيقي يحاور الجسد باحترام. أما المحتال، فإنه يحاوره بلغة الطمع. الأول يرى إنسانا. والثّاني يرى محفظة. وهنا يسقط الفرق بين الطب والتجارة، وبين الضمير والإعلان. ولعل أعظم انتصار حققته منصات التواصل أنها لم تجعل الناس يشترون المنتجات، بل جعلتهم يشترون المقاييس نفسها. أقنعتهم بأن الجمال لا يولد من التنوع، بل من التشابه، وأنّ الاختلاف عيب يجب محوه، مع أن الطبيعة لم تكرر وجها واحدا منذ فجر الخليقة، بينما نجحت الخوارزميات في نسخ آلاف الوجوه حتى غدت المدن كأنها مرايا تواجه مرايا.

إنّ الحضارة لا تنهار عندما ينتشر السيليكون تحت الجلد، بل عندما يستقر الوهم داخل العقول. فهناك يبدأ أخطر التشوهات، لأنّه لا يبدل شكلا، بل يبدل نظرة الإنسان إلى ذاته. ومن يفقد احترامه لنفسه، يصبح مستعدا لأن يصدق أي إعلان، وأن يتبع أي مؤثر، وأن يسلم جسده لمن لا يعرف من الطب إلا اسمه. إنّ المستقبل لن يسألنا, قارئي الكريم, كم حقنة حقنتم، ولا كم وجها غيرتم، بل سيسأل: كيف سمحتم للشاشة أن تصبح وصية على الملامح، وللخوارزمية أن تملي على البشر شكل أحلامهم؟ فالجمال الذي يحتاج إلى كذبة كي يعيش ليس جمالا. والوجه الذي لا يجرؤ على مصافحة الشمس من دون فلتر، ليس وجها انتصر، بل وجه هزمته مرآة صغيرة بحجم كف، واتسعت داخلها إمبراطورية كاملة من الوهم. ولعل أخطر نفايات عصرنا ليست البلاستيك الذي يطفو فوق البحار، بل البلاستيك الذي يطفو فوق الوجوه، ولا السيليكون الذي يحقن تحت الجلد، بل ذلك الذي يحقن في الوعي حتى ينسى الإنسان أنّ أجمل ما فيه لم يكن يوما أنفه أو شفتيه أو وجنتيه، بل قدرته على أن ينظر إلى صورته في المرآة فيبتسم، لأنّه يرى إنسانا لا مشروعا دائما للإصلاح.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *