المِحْنة… يوم حاولت الدولة أن تحكم السماء

الجزء الخامس والأخير: المحنة في ميزان التاريخ… حين تصبح قصة القرن الثالث سؤالا عن الإنسان في كل زمان

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

بعد أكثر من ألف عام، تبدو المحنة بعيدة.تبدو كأنها صفحة صفراء في كتاب قديم، مكتوبة بحبرٍ جفّ منذ قرون، بين أسماء خلفاء وعلماء وقضاة ومحدثين. لكن بعض الصفحات لا تشيخ. بعض الأحداث لا تبقى لأنها حدثت في الماضي، بل لأنها كشفت شيئًا لا يزال حاضرًا في الإنسان. والمحنة واحدة من تلك الأحداث. فهي ليست فقط قصة سؤالٍ عقدي في القرن الثالث الهجري. وليست فقط قصة خليفة اختار رأيا، وعالم رفض أن يوافق عليه. إنها قصة أقدم من ذلك كله. قصة العلاقة بين القوة والحقيقة. بين القرار والاقتناع. بين ما تستطيع الدولة أن تفعله، وما لا تستطيع أن تصل إليه. لقد كان المأمون رجلا يحمل تناقضات عصره. كان خليفة فتح أبواب العلم، وشجع حركة الترجمة، وجعل بغداد مركزا من مراكز المعرفة في العالم. لكنه في الوقت نفسه دخل في تجربة أظهرت أن رعاية الفكر شيء، وفرض الفكر شيء آخر. فالعقل لا يزدهر لأنّه يؤمر بالازدهار. ولا تنمو الحقيقة لأنها تُكتب في مرسوم. الحقيقة تحتاج إلى فضاء تتحرك فيه. تحتاج إلى السؤال. تحتاج إلى الاعتراض. تحتاج حتى إلى احتمال الخطأ.ى لأن الفكرة التي لا يسمح لها بأن تختبر، قد تتحول من معرفة إلى عقيدة جامدة.

لقد أراد أن يخدم ما رآه حقا. لكن الطريق الذي اختاره جعل خصومه يرون في الأمر خطرا على استقلال العلم. وهذه ليست مأساة المأمون وحده. إنها مأساة كل من يعتقد أنّ امتلاك القوة يمنحه القدرة على امتلاك الحقيقة. قد نستطيع أن نفتح مدرسة. ونستطيع أن نبني مكتبة. ونستطيع أن نقرب عالما. لكنّنا حين نحاول أن ندخل إلى أعماق الاعتقاد، نواجه منطقة لا تدار بالأوامر. منطقة القلب. وفي الجهة الأخرى، يقف أحمد بن حنبل. وليس من الإنصاف أن نجعله مجرد رمز جامد من الرخام. كان إنسانا. له خوفه. وله ألمه. وله لحظات ضعفه البشري. لكن قيمة الإنسان لا تظهر حين لا يخاف. بل حين يعرف ما يخافه، ثم يختار مع ذلك ما يراه واجبا. لقد أدرك أحمد أن القضية لم تعد مجرد عبارة يمكن قولها أو تركها. بل أصبحت سؤالا عن معنى أن يكون للإنسان ضمير مستقل. ولهذا بقي. لكنّ الدرس الأهم ربما ليس أن طرفا انتصر وطرفا انهزم. فالتاريخ أعقد من ذلك. فالأفكار لا تختفي دائما بموت أصحابها. والمذاهب لا تمحى بمجرد تغير السياسة. والمعتزلة، رغم تراجع نفوذهم بعد المحنة، كانوا جزءا مهما من تاريخ الفكر الإسلامي، وأسهموا في تطوير الجدل العقلي والدفاع الكلامي عن العقيدة. كما أن أهل الحديث لم يكونوا مجرد رافضي عقل، بل كانوا أصحاب تصور خاص لموقع النص وحدود التأويل. إن قراءة التاريخ العظيم تحتاج إلى عدالة تجاه الجميع. فالإنصاف لا يعني أن نتخلى عن الحكم. بل يعني أن نفهم قبل أن نحكم.

لقد كانت المحنة في جوهرها صراعا حول سؤال كبير: من يملك حق تحديد الحقيقة الدينية؟ هل هي الدولة؟ هل هم العلماء؟ هل هو العقل؟ هل هو النص؟ والجواب الذي تركته القرون اللاحقة ليس جوابا بسيطا. لكنها علمتنا شيئا مهما: أن الحقيقة حين تدخل قاعة التعذيب تخرج منها جريحة، حتى لو كان أصحابها يظنون أنهم يحمونها. وأن الإيمان حين يحتاج إلى السوط كي ينتشر، يخسر شيئًا من جماله. ولهذا بقي أحمد بن حنبل في الذاكرة. ليس لأنه كان أقوى من الخليفة. فالخليفة كان أقوى في ميزان الدنيا. لكن التاريخ له ميزان آخر…فهو يحسب مقدار الصدق الذي حمله الإنسان حين كان الثمن غاليا. وهنا نفهم لماذا ارتبط اسم أحمد بالعبارة التي نُسبت إلى علي بن المديني: “أعز الله هذا الدين بأبي بكر يوم الردة، وبأحمد بن حنبل يوم المحنة.” سواء نظر الباحث إليها من زاوية ثبوت الرواية أو من زاوية معناها التاريخي، فإنها تكشف كيف تشكلت صورة الرجل في الوعي الجمعي. فأبو بكر ارتبط بلحظة رأى فيها المسلمون خطر تفكك الجماعة. وأحمد ارتبط بلحظة رأى فيها كثيرون خطر ذوبان استقلال العالم أمام السلطة. لم تكن اللحظتان متشابهتين. لكن الذاكرة جمعت بينهما بسبب معنى واحد: رجل في لحظة اضطراب يختار ما يراه حقا، ولو كان الطريق صعبا.

إن أعظم ما تكشفه المحنة أن الحضارات لا تختبر فقط في ميادين الفتح والعمران. بل تختبر أيضا في قدرتها على إدارة الاختلاف. فالأمة العظيمة ليست الأمة التي لا تختلف. بل الأمة التي تعرف كيف تجعل الاختلاف مصدر حياة لا سببًا للقمع. والعلم العظيم ليس العلم الذي لا يراجع. بل العلم الذي يملك شجاعة المراجعة. والسلطة العظيمة ليست التي تستطيع أن تُسكت الجميع. بل التي لا تخشى أن تسمع. لم يبق من المأمون قصره. ولم يبق من المعتصم سيفه. ولم يبق من القيود إلا صورتها في الكتب. لكن بقي السؤال. السؤال الذي خرج من بغداد قبل ألف عام، وما زال يمشي بين البشر: حين تلتقي القوة بالحقيقة… من الذي يملك الكلمة الأخيرة؟ لقد ظن أصحاب السلطة أن الكلمة الأخيرة تُكتب بالحبر على أوامر الدولة. لكن الزمن كتبها بطريقة أخرى. كتبها في ذاكرة الناس. وكتب أن الإنسان قد يهزم في جسده… لكنّه قد ينتصر في المعنى. فالمحنة لم تكن قصة قرآن فقط. ولم تكن قصة خليفة وعالم فقط. كانت قصة الإنسان حين يقف أمام أعظم اختبار: أن يختار بين راحة الجسد وصدق الروح. وكان ذلك، ولا يزال، أصعب امتحان.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *