بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
لم تكن النار، في أيّ يوم من أيام التاريخ، مجرّد لهب يلتهم الخشب أو يذيب الحديد. كانت دائما الكائن الوحيد الذي لا يولد حيّا ولا يموت ميّتا. إنها تستعير أجساد الأشياء لكي تعيش، ثم تتركها هياكل من رماد، وتمضي باحثة عن جسد آخر. ولهذا لم يكن الإنسان، منذ أن خرج من الكهف حاملا أول جذوة، يروض النار بقدر ما كان يعقد معها هدنة مؤقتة. كان يدفئ بها ليله، ويخبز بها خبزه، ويصوغ بها معادنه، ثم ينام وهو يعلم، في مكان عميق من ذاكرته، أن هذا الكائن البرتقالي لا يعرف معنى الصداقة. فالنار لا تخون. لأنها لم تعد أحدا بالوفاء. هي فقط تطيع قانونها الأول: كل ما يمكن أن يحترق… سيأتي عليه يوم يحترق.
وربّما لهذا السبب لم تخش الحضارات النّار لأنها قوية. بل لأنّها ذكية. القوة تهدم. أمّا الذكاء فينتظر. النار لا تقتحم المدينة مثل جيش غاضب. إنها تدخل مثل فكرة. تجلس في سلك كهربائي متعب. وتختبئ في محرك أنهكه السفر. وتنام داخل غابة جفت عروقها من العطش. ثم تنتظر. تنتظر الريح. وتنتظر الإهمال. وتنتظر تلك اللحظة الصغيرة التي يسميها البشر مصادفة، بينما تسميها الطبيعة نتيجة. كل حضارة كتبت تاريخها بالحجر. أما النار فكتبت تاريخها بالفراغ. حين احترقت مكتبة الإسكندرية لم تحترق الرفوف. احترقت أعمار كان يمكن أن يعيشها العقل البشري. وحين التهمت النيران مدنا كاملة عبر التاريخ، لم تكن البيوت هي الضحية الكبرى. الضحية كانت الذاكرة. فالمدينة ليست حجارة. المدينة هي ما تتذكره عن نفسها. وحين يتحول الماضي إلى رماد، يصبح المستقبل يتيما.
ومن أغرب مفارقات الإنسان أنّه ظلّ آلاف الأعوام يظنّ أنّ البطولة تكمن في إخماد الحرائق. لكنّه لم يدرك إلا متأخرا أنّ الحضارات ليست بعدد من يركضون نحو النار، بل بعدد الذين يمنعون الشرارة الأولى من أن تولد. هنا بدأ العقل يغير لغته. لم يعد يسأل: كيف نطفئ النار؟ بل صار يسأل: كيف نجعل النار لا تجد طريقها إلينا؟ وهذا السؤال، على بساطته، هو الذي صنع الفرق بين مجتمع يطارد الكوارث، ومجتمع يسبقها بخطوة. فالوقاية ليست تقنية. إنّها فلسفة. إنّها الطريقة التي يفكر بها شعب كامل في الزمن. الأمم التي تعيش داخل يومها، تبني مستشفيات أكثر. أما الأمم التي تعيش داخل غدها، فتبني أسبابا تقلل الحاجة إلى المستشفيات. والأمر نفسه ينطبق على الحرائق. لم يكن الرومان أول من عرف النار. لكنهم كانوا من أوائل الذين فهموا أنّ المدينة لا يحرسها الجنود وحدهم. بعد الحريق العظيم الذي التهم روما، لم تتغير العمارة فقط. تغيرت طريقة التفكير. اتسعت الشوارع. وتبدلت مواد البناء. وأصبح التخطيط العمراني نفسه وسيلة لإطفاء حريق لم يولد بعد. وكان ذلك، في جوهره، انتصارا للفكرة على الكارثة.

وفي الصّين القديمة، حيث كانت المدن الخشبية تتنفس مثل الغابات، لم يكن الخوف من النار أقل من الخوف من الفيضان. ولهذا لم تكن أبراج المراقبة تراقب الأعداء وحدهم. كانت تراقب الدخان. لأنّ أول خيط من الدخان كان يعد جيشا كاملا من الإنذار. فالحكمة القديمة كانت تقول، بمعناها لا بحروفها: إذا رأيت الدخان مبكرا، فقد ربحت نصف المعركة. أما المدن الإسلامية، فقد فهمت مبكرا أن العمران أخلاق قبل أن يكون حجارة. وتخبرنا كتب الحسبة أن المحتسب لم يكن يراقب الموازين والأسعار وحدها. كان يراقب الأفران. ودكاكين الحدادين. ومخازن الزيت. وأماكن إشعال النار. وكان يعرف أن الشرارة لا تفرق بين غني وفقير. وأن الحريق لا يسأل عن مذهب البيت الذي يحترق. ولهذا أصبحت الوقاية جزءا من فقه المدينة. وصار الماء عنصرا من عناصر التخطيط، لا مجرد نعمة للشرب. كانت البرك العامة. والآبار. وقنوات الماء. جزءا من ذاكرة المدينة وهي تستعد لما لا تتمنى أن يقع. وهنا تظهر عبقرية الحضارات. فهي لا تستعد لما سيحدث فقط. بل لما تأمل ألا يحدث أبدا.
اليوم، وبعد ألفي عام من تطور الهندسة، وبعد أن صار الإنسان يرسل مركباته إلى الكواكب، يعود العالم إلى السؤال القديم بثياب جديدة. هل تكفي مطفأة صغيرة في صندوق سيارة لكي تغير مصير غابة كاملة؟ قد يبدو السؤال بسيطا. لكنه في الحقيقة يخفي سؤالا أكبر بكثير. هل نريد أن نحمل أداة لإخماد النار؟ أم نريد أن نبني عقلا يمنعها من الولادة؟ فالمطفأة ليست أسطوانة معدنية. إنها إعلان فلسفي بأن الحضارة بدأت تفهم أن الكارثة لا تبدأ حين نراه . بل تبدأ قبل ذلك بوقت طويل، في لحظة أهمل فيها إنسان صيانة محرك، أو تجاهلت مؤسسة مؤشرا صغيرا، أو تأخر قرار كان يجب أن يصدر بالأمس. ولذلك فإن النقاش الدائر اليوم في فرنسا حول إلزامية وجود مطفأة حريق في السيارات لا يتعلق، في جوهره، بالمطفأة نفسها. إنه يتعلق بالسؤال الأقدم في تاريخ الحضارة:
هل نتعلم بعد كل حريق، أم نكتفي بعد الرماد بإحصاء الخسائر؟ لأنّ الحضارات العظيمة تعرف من خلال قدرتها على رؤية الشرارة وهي لا تزال فكرة، قبل أن تصبح حريقا. لقد تغير تعريف الدولة الحديثة بصمت. في الماضي، كانت الدولة القوية هي التي تمتلك أكبر جيش. ثم أصبحت الدولة القوية هي التي تمتلك أقوى اقتصاد. أمّا اليوم، فإنّ الدولة الأكثر نضجا هي التي تستطيع أن تمنع الكارثة من أن تقع أصلا. وهذا هو الفارق بين إدارة الأزمة وإدارة المستقبل. إدارة الأزمة شجاعة. أما إدارة المستقبل فهي حكمة. والحكمة أقل صخبا من الشجاعة، لكنّها أكثر بقاء. حين يقترح مشرّع فرنسي أن تحمل كل سيارة مطفأة حريق، قد يظن البعض أن الأمر لا يتجاوز تعديلا قانونيا صغيرا. لكن الفلسفة التي تقف خلف هذا الاقتراح أعمق بكثير من حجم الأسطوانة المعدنية التي ستوضع في صندوق السيارة. إنها تعبير عن انتقال العقل السياسي من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة الاستباق. فالسياسة ليست فن الحكم فقط. إنها فن توقع ما لم يحدث بعد. ولهذا فإن أعظم القوانين ليست تلك التي تعاقب الجريمة. بل تلك التي تجعل الجريمة أكثر صعوبة. وأعظم الأنظمة الصحية ليست التي تبني المستشفيات. بل التي تجعل الناس أقل حاجة إليها. وكذلك الأمر مع الحرائق. فالانتصار الحقيقي ليس في عدد سيارات الإطفاء. بل في انخفاض عدد المرات التي تضطر فيها إلى مغادرة مراكزها.

غير أن الفلسفة، مهما بلغت من جمال، لا تعفيها من امتحان الواقع. فالنار لا تقرأ القوانين. ولا تكترث بالنوايا الحسنة. إنها تخضع لقوانين الفيزياء وحدها. وهنا يظهر صوت رجال الإطفاء، الذين يعرفون النار من الداخل، لا من خلف المكاتب. إنهم يعلمون أن مطفأة صغيرة قد توقف حريقا في ثوان إذا ولد الحريق صغيرا. لكنها قد تصبح قطعة معدنية صامتة أمام بطارية سيارة كهربائية تدخل في حالة الانفلات الحراري، أو أمام خزان وقود انفجر، أو أمام ريح حولت شرارة إلى جدار من اللهب. ولهذا فإن الوقاية ليست أداة واحدة. إنها منظومة كاملة. تشبه جسد الإنسان. القلب وحده لا يصنع الحياة. والرئتان وحدهما لا تكفيان. الحياة شبكة من الأعضاء. وكذلك الأمن. لقد علمتنا الطبيعة درسا لم نفهمه إلا متأخرين. الغابة لا تحترق في اليوم الذي نرى فيه اللهب. بل تبدأ بالاحتراق في الأيام التي سبقت ذلك. حين يقل المطر. وحين تزداد الحرارة. وحين يجف العشب. وحين تتعب الأشجار من صيف أطول مما ينبغي. كل تلك الأيام هي الفصل الأول من الحريق. أما اللهب فليس إلا الفصل الأخير الذي يراه الجميع. وهذا هو الخطأ الذي يقع فيه الإنسان دائما. إنه يخلط بين بداية الكارثة ولحظة ظهورها.
ولعل أخطر ما يواجه العالم اليوم ليس ارتفاع درجات الحرارة وحده. بل انخفاض درجات الانتباه. فالمناخ لا يتغير فجأة. والمدن لا تنهار فجأة. والغابات لا تتحول إلى رماد في لحظة واحدة. كل شيء يرسل إشاراته قبل أن يقع. لكن الإنسان، المأخوذ بسرعة حياته، لم يعد يسمع الهمسات. إنه لا ينتبه إلا حين تتحول الهمسة إلى انفجار. في كتب التراث العربي، كان الحكماء يقولون إن العاقل لا ينتظر المرض حتى يبحث عن الدواء. وكان الأطباء يرون أن حفظ الصحة أشرف من علاج العلة. ولم يكن ذلك حكمة طبية فقط. بل رؤية للحياة كلها. فالوقاية ليست اقتصادا في المال. إنها اقتصاد في الألم. إنها الفن الذي يجعل الإنسان لا يحتاج إلى البطولة كل يوم. وربما لهذا السبب يجب ألا ننظر إلى مطفأة الحريق باعتبارها بطلة القصة. البطل الحقيقي هو العقل الذي قرر أن يحملها قبل أن يحتاج إليها. تماما كما لا تنقذ السفينة لأنها صنعت بعد الغرق. بل لأنها صنعت قبل العاصفة.
إن العالم يدخل اليوم مرحلة جديدة من تاريخه. مرحلة لن تقاس فيها قوة الأمم بعدد ما تنتجه من الحديد والإسمنت. بل بعدد الكوارث التي نجحت في منعها. وسوف يصبح الاستثمار في الوقاية أكثر قيمة من إعادة الإعمار. لأن كل مدينة تنجو من الحريق تربح زمنا لا تستطيع الأموال شراءه. وكل غابة لا تحترق تمنح الأرض رئة أخرى تتنفس بها. وكل إنسان ينجو لأن شرارة أطفئت في ثوان، يثبت أن الحكمة كانت، مرة أخرى، أقل ضجيجا من البطولة، لكنها أكثر إنسانية. ولعل النار، بعد آلاف الأعوام من مرافقة الإنسان، لم تكن تريد أن تعلمه كيف يخشاها. كانت تريد أن تعلمه كيف يفكر. لأن الشرارة، في حقيقتها، ليست سوى امتحان صغير لعقل كبير. فإذا انتصر العقل، بقيت النار خادمة للحضارة كما كانت منذ اكتشافها الأول. وإذا غاب العقل، استعادت النار طبيعتها القديمة، وصارت تذكر الإنسان بحقيقة لا يحب سماعها: أن الحضارات لا تموت دائما بالسيوف. أحيانا تموت بعود ثقاب، وبقرار تأخر دقيقة واحدة، وبشرارة لم يجد أحد الشجاعة أو الحكمة ليمنع ولادتها. وعندئذ لا يكون الرماد نهاية الغابة فقط. بل بداية سؤال جديد يطرحه التاريخ على الإنسان في كل عصر: كم مرة ينبغي أن تحترق الأرض، حتى نتعلم أن أعظم انتصار على النار ليس في إخمادها، بل في ألا نعطيها فرصة لكي تولد؟
📲 Partager sur WhatsApp