الحلقة العاشرة من سلسلة «أسطورة النكتة في الحي المحمدي» المرحوم كيرا… حين كانت الضحكة تعرف طريقها إلى المقهى
بقلم عبد الله شوكا، كاتب وصحافي- المغرب
كان كيرا واحدا من أولئك الرجال الذين لا يدخلون المكان كما يدخل الآخرون. كان يدخل ومعه شيء لا يرى بالعين، لكنه سرعان ما ينتشر بين الناس: الضحكة. كان حضوره كافيا لكي تتغير هندسة المقهى، فتتحرك الكراسي قليلا، وتلتفت الرؤوس، وتبدأ النداءات من كل زاوية، لا رغبة في طلب شيء، بل رغبة في الاقتراب من رجل كانت مواقفه اليومية تتحول، من حيث لا يدري، إلى مادة للفرجة والحكاية. لقد كان كيرا، بالنسبة إلى أبناء الحي المحمدي، أكثر من مجرد شخص طريف. كان مشروعا متنقلا للفرح. وكانت نكته لا تحتاج إلى مسرح، ولا إلى ستارة، ولا إلى جمهور مدفوع التذاكر. كان الشارع مسرحه، والمقهى خشبته، وأبناء الحي جمهوره، والحياة اليومية نصه المفتوح. وكان يحكى أن بعض الفرق المسرحية كانت تلتقط من مواقفه ونكته ما يصلح لفقراتها الكوميدية، فيتحول الرجل، من حيث لا يدري، إلى مؤلف شعبي مجهول، يكتب مشاهده على الأرصفة والمقاهي، ثم يتركها للناس كي يتناقلوها.
كان كيرا شديد التعلق بمقهى سينما السعادة بالحي المحمدي. والاسم، في حالته، لم يكن مجرد لافتة معلقة فوق مقهى. كان أقرب إلى قدر صغير. هناك كان يجد سعادته اليومية: قهوة سوداء، سيجارة متواضعة، وجوه يعرفها وتعرفه، وأحاديث تتقاطع فوق الطاولات، وضجيج مقهى كان يتحول، بمجرد وصوله، إلى خشبة مسرح شعبية. كان يرتشف قهوته السوداء بطمأنينة، وينفث دخان سيجارته، بينما تتوزع حوله العيون التي تنتظر منه شيئا. لا أحد يعرف ماذا سيقول. ولا أحد يعرف متى ستولد النكتة. لكن الجميع كان يعرف أنها ستأتي. وكانت تلك هي جاذبية كيرا. لم يكن يقدم النكتة. كان يعيشها. في صباح حار من صباحات الصيف، استيقظ كيرا في حي سوسيكا، وقصد مقهى سينما السعادة، كما اعتاد.
كان الطريق بين سوسيكا والحي المحمدي بالنسبة إليه أشبه بممر يومي بين جمهور يعرفه وفنان يعرف جمهوره. كلما مر، أوقفه أحد أبناء الحي. هذا يريد أن يمزح معه. وذاك يريد أن يستفزه قليلا. وثالث لا يريد سوى أن يسمع ردة فعله. فلم تكن المسألة في ما يقال لكيرا بقدر ما كانت في ما سيفعله كيرا بما قيل له. كان الرجل يمتلك تلك الموهبة النادرة التي تحول الموقف العادي إلى مشهد لا ينسى. كأن الحياة كانت تعطيه حجرا عاديا، فيعيده إلى الناس قطعة من الذهب الكوميدي. وحين وصل إلى مقهى سينما السعادة، كان النهار قد بدأ يشتد. دخل كيرا، وكعادته، لم يحتج إلى إعلان حضوره. كان حضوره هو الإعلان. توجه إلى قهوته السوداء، أشعل سيجارته، وأخذ مكانه بين رواد المقهى. ثم وقعت عيناه على الكولفازير. وكان المكان، في تلك اللحظة، شبه خال. وهنا لمح كيرا فرصة نادرة. قرر أن يجرب حظه في لعب الكولفازير. ربما أراد أن يختلي قليلا بنفسه. ربما أراد أن يكتشف موهبة جديدة. وربما، وهذا أقرب إلى روحه، أراد فقط أن يقضي فسحة صيفية بعيدا عن المتطفلين الذين كانوا يسرقون منه تركيزه كلما اقتربوا.
أمسك العصا. نظر إلى الكرات. كرات مختلفة الألوان، مصطفة أمامه وكأنها تنتظر أوامره. بدأ اللعب. ضربة هنا. وأخرى هناك. وتركيز شديد. وكان كيرا، الذي اعتاد أن يكون مصدر فرجة الآخرين، قد وجد نفسه هذه المرة في مواجهة لعبة لا تريد منه سوى التركيز. وللمفارقة، كان الرجل الذي يضحك الناس يريد، ولو لدقائق، أن يلعب في صمت. لكن الصمت لم يكن من خصال مقهى سينما السعادة. ولا من خصال كيرا نفسه. فجأة، ظهر رجل ذو بشرة سوداء، يرتدي فوقية صيفية بيضاء. وقف يتفرج على كيرا. في البداية، ربما لم يعره كيرا اهتماما كبيرا. لكن الرجل بقي هناك. ثم بدأ يوجه إليه التعليمات. «كيرا، ضرب الكرة الصفراء.» ثم: «كيرا، ضرب الكرة الخضراء.» وهنا بدأ شيء ما يتغير في ملامح كيرا. كان يريد أن يلعب. والرجل يريد أن يدير له اللعبة. كان كيرا يبحث عن التركيز. والآخر يوزع عليه الأوامر. ثم، شيئا فشيئا، بدأ ذلك البركان الصغير الذي كان يسكن في شخصية كيرا يتحرك تحت الرماد. توقف كيرا. نظر إليه. وكانت تلك النظرة وحدها كافية لكي يعرف من يعرف كيرا أن شيئا ما سيحدث. فجأة، انفجر كيرا بجملته التي تحولت إلى مشهد لا ينسى: «نضرب الصفراء ولا الخضرا؟ واش أنا ساير كنضرب في الهندية؟»
وهنا كانت عبقرية كيرا. فهو لم يرد على الرجل بما يتوقعه أحد. لم يقل له: اتركني ألعب. لم يقل: لا تتدخل. بل قفز بالنكتة إلى مكان آخر تماما. حول ألوان كرات الكولفازير إلى عالم من السخرية، وحول التدخل البسيط في لعبة إلى مشهد شعبي خاطف، فيه منطق كيرا الخاص، ذلك المنطق الذي لا يخضع كثيرا لقواعد المنطق. وكان هذا هو سر الرجل. كان يستطيع أن يأخذ موقفا صغيرا جدا، ثم يدفع به إلى أقصى حدود العبث، حتى يصبح الموقف نفسه أضحوكة. لكن كيرا لم يكن قد أنهى المشهد بعد. حملق جيدا في الرجل، ثم خاطبه بتلك الجدية التي كانت تجعل النكتة أكثر قوة، وقال: «سير بعد مني، انت بحال بولفافة.» وانفجرت الضحكة. لم يكن أحد في حاجة إلى شرح. فكيرا لم يكن يلقي نكتة بالمعنى التقليدي. كان يصنع لحظة. وكانت اللحظة، في عالمه، أهم من النكتة نفسها.
ربما مات كيرا منذ سنوات، لكن بعض الناس لا يموتون بالطريقة التي يموت بها الآخرون. هناك من يختفي جسده، وتبقى صورته. ومن يغيب صوته، وتبقى عباراته. ومن ينتهي عمره، لكن تبدأ بعده حياة أخرى لنكاته. هكذا عاش كيرا في الذاكرة الشعبية للحي المحمدي. ليس بوصفه نجما فوق خشبة. ولا بوصفه كوميديا محترفا يحمل بطاقة مهنية. بل بوصفه واحدا من أبناء المكان الذين امتلكوا قدرة نادرة على تحويل الحياة اليومية إلى مادة للفرح. كان يعرف، بالفطرة، أن الضحكة لا تحتاج إلى مناسبة. وأن الإنسان قد يحمل همومه من البيت إلى المقهى، لكنه قد يعود منها أخف قليلا بسبب جملة واحدة. وهذا ربما هو سر العباقرة الحقيقيين في فن الطرفة. إنهم لا يغيرون العالم. لكنهم يجعلونه، ولو للحظات، أقل ثقلا.
أما مقهى سينما السعادة، فقد كان أكثر من مكان احتسى فيه كيرا قهوته. كان جزءا من ذاكرته.وكان كيرا جزءا من ذاكرة المكان. ثمة مقاه لا تحفظ أسماء زبائنها فقط. تحفظ أصواتهم. ضحكاتهم. خصوماتهم العابرة. عباراتهم. طريقة جلوسهم. حتى صمتهم. وحين يرحل واحد من هؤلاء، يبقى كرسيه للحظة كأنه ينتظر عودته. وربما كان كرسي كيرا واحدا من تلك الكراسي التي لا تجلس عليها الذاكرة، لكنها تتذكر صاحبها. لا تحتاج أسطورة كيرا إلى تمثال. يكفي أن يعيد أحد أبناء الحي رواية من رواياته، فتعود صورته إلى المكان. يكفي أن تذكر «سينما السعادة»، حتى تستدعي الذاكرة قهوته السوداء وسيجارته ومواقفه ونكاته. ويكفي أن تسمع عبارة «واش أنا ساير كنضرب في الهندية؟»، حتى تعرف أن هناك زمنا كان فيه الضحك يخرج من تفاصيل الحياة اليومية، بلا مؤثرات، وبلا كاميرات، وبلا جمهور افتراضي. كان كيرا ابن زمن كانت فيه النكتة وجها لوجه. وكانت الضحكة لها عنوان. وكان للمقهى قلب. وكان للحي ذاكرة.
قد يترك الإنسان مالا. وقد يترك بيتا. وقد يترك كتبا أو مقالات أو صورا. لكن هناك من يترك شيئا أكثر خفة، وأكثر مقاومة للزمن: الضحكة. فالمال يتناقص. والبيوت تتغير. والصور تبهت.لكن النكتة الجيدة تشبه بذرة غريبة؛ قد تدفنها السنوات، ثم تنبت فجأة في مجلس، أو مقهى، أو شارع، فيضحك الناس، دون أن يعرف بعضهم حتى من أين جاءت. وهكذا بقي كيرا. لا في أرشيف رسمي. ولا في كتاب مدرسي. بل في ذاكرة الناس. وهل هناك أرشيف أقوى من ذاكرة مدينة؟ في الحي المحمدي، كانت الحياة تعرف كيف تصنع أبطالها من أبسط الأشياء. وكان كيرا واحدا من هؤلاء. جلس يوما أمام كرات الكولفازير الملونة، يريد فقط أن يلعب. لكن الحي، كعادته، لم يسمح له بأن يكون لاعبا عاديا. فجاءه رجل بالفوقية البيضاء، وأعطاه التعليمات. فأعطانا كيرا، في المقابل، واحدة من تلك اللقطات التي لا تحتاج إلى كاميرا كي تعيش. ضربة بالكرة الصفراء. وضربة بالكرة الخضراء. ثم جملة. ثم ضحكة. ثم ذاكرة. وهكذا، في مقهى اسمه «سينما السعادة»، كان كيرا يصنع السينما من لا شيء. رحم الله كيرا، ورحم زمنا كان فيه الإنسان يستطيع أن يصنع من فنجان قهوة، وسيجارة، وكرة ملونة، وخصام صغير… حكاية تعيش أطول من أصحابها.
📲 Partager sur WhatsApp