الحلقة الثانية عشرة من سلسلة «أسطورة النكتة في الحي المحمدي»-المرحوم كيرا
بقلم عبد الله شوكا، كاتب وصحافي-المغرب
كان كيرا عاشقا للدار البيضاء، وكان الحي المحمدي بالنسبة إليه أكثر من مجرد حيٍّ أقام فيه؛ كان مسرحا للحياة، وفضاء ولدت فيه طرائفه، وانطلقت منه نكاته لتجوب أحياء المدينة دون جواز سفر. ولم يكن كيرا من أولئك الذين يحصرون يومهم في مكان واحد. صحيح أن مقهى سينما السعادة بالحي المحمدي كان محطته الصباحية الأثيرة، وأن وجوه رواده أصبحت جزءًا من يومياته، لكنّه كان، من حين إلى آخر، يشعر برغبة في كسر رتابة المألوف، والانفلات قليلًا من أسر المقاهي والأزقة، بحثا عن مشهد جديد قد يوقظ في داخله ذلك العبقري الساخر الذي كان لا يفارقه.
وذات صباح صيفي، قرر كيرا، رفقة صديقه، أن تكون الوجهة شاطئ عين الذئاب. كان الشاطئ يومها فضاءً يختلف كثيرا عن الحي المحمدي؛ نسيم البحر، زرقة الأفق، ورمال تمتد تحت أقدام المصطافين، فيما كانت عين الذئاب تستقطب آنذاك فئات من علية القوم، من مغاربة وأجانب، في مشهد يعكس شيئا من صورة الدار البيضاء في سبعينيات القرن الماضي. وصل كيرا وصديقه إلى الشاطئ، واستقبلهما نسيم البحر كأنه دعوة إلى نسيان ضجيج المدينة. خلع الرجلان نعليهما، وأخذا يمشيان حافيي القدمين فوق الرمال، تارة يتأملان أمواج البحر، وتارة يسرقان النظر إلى حركة المصطافين ومشاهد الشاطئ.
كان كيرا، في تلك اللحظات، يبدو مستمتعا بالفسحة. ولعلّه كان يقول في نفسه إن تغيير المكان قد يكون تغييرا للمزاج أيضا؛ من مقهى سينما السعادة، بضجيجه ووجوهه المألوفة، إلى شاطئ عين الذئاب، حيث البحر والنسيم والرمال. لكن كيرا لم يكن يعلم أن الشاطئ نفسه يخبئ له مادة نكتة ستعيش أطول من تلك الفسحة. فجأة، اخترق سكون البحر أزيز محركات صاخبة. التفت صديق كيرا إلى الخلف، فإذا بدراجات نارية مخصصة للسير والمسابقة فوق الرمال، تقتحم المشهد وهي تقفز فوق الكثبان الصغيرة، وتهبط ثم تعاود القفز، بينما كانت محركاتها تطلق هديرا متواصلا. قال الصديق، وقد فوجئ بالمشهد: «يا إلهي! ما هذا؟» وأخبر كيرا بما رأى.
كانت الدراجات تقترب منهما شيئا فشيئا، ثم تبتعد، ثم تعود من جديد، كأنها مصممة على مطاردة الهدوء الذي جاء كيرا بحثا عنه. وكلما ارتفع هدير محرك، بدا أن فرصة الرجل في الاستماع إلى البحر تتضاءل. حاول كيرا أن يتجاهل الضجيج. ثم حاول مرة أخرى. لكن الدراجات كانت أكثر إصرارًا منه على إفساد فسحته. تقترب… تقفز… تهبط… ثم تعود من جديد. وهنا بلغ الضيق بكيرا منتهاه. وفي اللحظة التي كان ينتظر فيها الجميع أن يلعن الضجيج أو يحتج على أصحابه، انفجرت عبقريته الساخرة، والتفت إلى صديقه وصاح، بلهجته التي كانت تحول أبسط المشاهد إلى مسرحية كاملة: «وايني مشكلتي مع هاد الطيور أبابيل؟!»
كانت تلك هي الضربة القاضية. لم يحتج صديق كيرا إلى تفسير. انفجر ضاحكا، ضحكا متواصلا، حتى بدا وكأن هدير الدراجات لم يعد يصل إلى أذنيه؛ فقد تحول في لحظة واحدة، بفضل خيال كيرا، من مجرد ضجيج ميكانيكي إلى «طيور أبابيل» تحلق فوق رمال عين الذئاب. وكانت المفارقة أن الجميع على الشاطئ ظلوا يتابعون المشهد بوجوه عادية، بينما كان صديق كيرا يغرق في نوبة ضحك لا تنتهي. ولو أن المصطافين أدركوا الصورة التي رسمها كيرا في ذهنه، لربما تحولت عين الذئاب كلّها إلى مسرح للضحك. فما علاقة الدراجات النارية بطيور أبابيل؟ لا علاقة لها طبعا إلا في قاموس كيرا. وهنا تكمن عبقرية الرجل: لم يكن يحتاج إلى نكتة جاهزة، ولا إلى مناسبة معدّة سلفا؛ كان يلتقط المفارقة من الهواء، ويصنع منها طرفة لا تخطر على بال أحد. الدراجات تقفز فوق الرمال، وكيرا يراها طيورا أبابيل.
ذلك هو كيرا. رجل كان يحمل نكتته معه أينما حلّ وارتحل؛ فإذا غادر الحي المحمدي لم تغادره روح الحي، وإذا ذهب إلى البحر، حمل معه خفة دمه، وإذا صادف مشهدا، أعاده إلى الناس في صورة حكاية تضحكهم وتبقى في ذاكرتهم. لقد كان كيرا، بحق، عبقري النكتة العابرة للأمكنة؛ لا تحبسها مقهى، ولا يحدّها حي، ولا تحتاج إلى مسرح. يكفيه مشهد عابر… وصديق يفهم الإشارة… وخيال لا يشبه خيال الآخرين. وهكذا، تحولت فسحة صيفية عابرة في عين الذياب إلى واحدة من طرائف «أسطورة النكتة في الحي المحمدي»، وبقيت «طيور أبابيل» كيرا تحلق، بعد رحيله، في ذاكرة من عرفوه وضحكوا معه.
📲 Partager sur WhatsApp