من جغرافيا الصحراء إلى جغرافيا المصالح

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ثمة لحظات في السياسة الدولية لا تحتاج إلى الكثير لكي تكون ذات دلالة. يكفي أن تتغير جملة في بيان، أو أن تتوقف دولة عن استعمال قاموس سياسي اعتادت استعماله، أو أن تنتقل العلاقة من خانة المجاملة الدبلوماسية إلى خانة المصالح المتبادلة. وفي هذه المنطقة الهادئة من السياسة، حيث لا تسمع أصوات المدافع ولا ترى الخرائط وهي تتحرك، تحدث أحيانا تحولات تحتاج السنوات حتى يظهر معناها الكامل. من هذه الزاوية يمكن قراءة التحول الكولومبي الأخير تجاه قضية الصحراء المغربية. فالمسألة، في جوهرها، ليست مجرد مكسب دبلوماسي جديد يضاف إلى رصيد الرباط، ولا مجرد تراجع لدولة عن موقف سابق. الأهم من ذلك أن العلاقة بين المغرب وكولومبيا بدأت تخرج من منطق المواقف المجردة إلى منطق المصالح المتشابكة: التجارة، والاستثمار، والسياحة، والأمن الغذائي، والموانئ، واللوجستيك، والربط الأطلسي، والتعاون السياسي. وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية من الخبر نفسه: ماذا يعني أن تنتقل دولة من التعبير عن موقف سياسي إلى بناء علاقة تقوم على المصالح؟ ذلك أن الاعتراف، مهما كانت قيمته، يظل فعلا سياسيا. أما حين يصبح وراءه اقتصاد واستثمار ومؤسسات وشركات وجامعات وموانئ وحركة بشرية، فإنه يتحول إلى واقع. والواقع، في السياسة الدولية أكثر عمرا

على الخريطة تبدو كولومبيا بعيدة جدا عن المغرب. لكن الخرائط السياسية لا تحدد بالكيلومترات وحدها. هناك خرائط أخرى لا تظهر في الأطالس: خريطة التجارة، وخريطة الطاقة، وخريطة الأمن الغذائي، وخريطة الموانئ، وخريطة سلاسل الإمداد، وخريطة التصويت في المؤسسات الدولية، وخريطة المصالح التي تتقاطع أحيانا بين دول تفصل بينها آلاف الكيلومترات. ومن هذه الزاوية، لا تبدو كولومبيا بعيدة كما توحي الجغرافيا. فالمغرب يملك موقعا فريدا على ملتقى المتوسط والأطلسي وأفريقيا، وكولومبيا تطل على البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، وتشكل واحدة من البوابات المهمة نحو أمريكا اللاتينية. وعندما يلتقي موقعان من هذا النوع، لا تعود المسألة مجرد علاقة بين دولتين. يمكن أن تتحول إلى علاقة بين فضاءين. وهنا بالضبط ينبغي أن ينظر المغرب إلى الحدث. ليس باعتباره شهادة جديدة على موقفه من قضية الصحراء فقط، بل باعتباره فرصة لبناء طريق أطلسي جديد يصل المغرب بأمريكا اللاتينية، ويمنح كولومبيا، في المقابل، منفذا أكثر فاعلية نحو إفريقيا وأوروبا. هذه هي القراءة التي تتجاوز الخبر إلى ما بعد الخبر. فماذا رأت بوغوتا, إذن, في الرباط؟ هذا هو السؤال الذي يستحق التوقف عنده. فالسياسة الخارجية للدول لا تتحرك عادة بسبب عامل واحد. حين تغير دولة موقفها، فإنها لا تنظر إلى ملف واحد فقط، بل تنظر إلى صورة أوسع: موقع الشريك، استقراره، اقتصاده، قدرته على الوصول إلى الأسواق، علاقاته الإقليمية، موقعه الجغرافي، وشبكة المصالح التي يمكن أن تنشأ معه. ولهذا قد يكون من المفيد أن نسأل: هل رأت كولومبيا في المغرب بوابة إلى إفريقيا؟ هل رأت فيه شريكا على الضفة الجنوبية للمتوسط يمكن أن يفتح لها مجالا اقتصاديا جديدا؟ هل رأت في الموانئ المغربية إمكانا للاندماج في شبكات تجارية أوسع؟ هل رأت في التجربة المغربية في بعض المجالات الاقتصادية واللوجستية فرصة للتعاون؟ وهل يمكن أن يكون التحول الكولومبي جزءا من إعادة تعريف أوسع لموقع بوغوتا في النظام الدولي؟ لا نحتاج إلى إجابة متسرعة. فالتحليل الجيد لا يستبدل سؤالا بشعار. بل يترك للسؤال مجاله حتى يكشف الواقع جوابه.

تزداد دلالة الموقف الكولومبي بسبب عضوية كولومبيا الحالية في مجلس الأمن. لكن الحكمة تقتضي هنا أيضا الابتعاد عن المبالغة. فعضوية مجلس الأمن لا تعني أن كولومبيا تستطيع بمفردها حسم النزاع، ولا أن قرارا واحدا يمكن أن يلغي تعقيدات المسار السياسي والقانوني. لكنها تمنح الموقف وزنا إضافيا. فالموقف الذي يصدر في العلاقات الثنائية يمكن أن يجد، في مرحلة لاحقة، طريقه إلى فضاء متعدد الأطراف. وهذه نقطة مهمة بالنسبة إلى المغرب. لأن جزءا أساسيا من العمل الدبلوماسي المغربي خلال السنوات الأخيرة كان يقوم على نقل قضية الصحراء من دائرة الخطاب السياسي العام إلى دائرة الحل الواقعي القابل للتفاوض، مع تثبيت مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها مقترحا مركزيا في المسار السياسي. لكن هنا أيضا يجب أن يكون الخطاب المغربي دقيقا. فالواقعية الدبلوماسية لا تحتاج إلى المبالغة في تفسير كل قرار دولي. بل تحتاج إلى معرفة قيمة القرار، وحدوده، والاتجاه الذي يشير إليه. وهذا النوع من الدقة يزيد الموقف قوة ولا يضعفه.

فمن السهل جدا أن تتحول الوطنية إلى انفعال. لكن الوطنية الأكثر نضجا هي التي تعرف كيف تحب الوطن بعقل بارد وقلب ثابت. هي التي لا تكتفي بالقول إن المغرب قوي، بل تسأل: كيف نجعل المغرب أقوى؟ ولا تكتفي بالاحتفال باعتراف دولة، بل تسأل: كيف نحول هذا الاعتراف إلى استثمار وشراكة ومصلحة مشتركة؟ ولا تكتفي بالقول إن الصحراء مغربية، بل تعمل على جعل الصحراء نفسها فضاء تنمية واستقرار وربط تجاري وقوة اقتصادية. وهنا يصبح الدفاع عن الوحدة الترابية جزءا من مشروع وطني أوسع. مشروع لا يكتفي بالدبلوماسية، بل يستند إلى الاقتصاد. ولا يكتفي بالاقتصاد، بل يستند إلى التنمية. ولا يكتفي بالتنمية، بل يستند إلى التعليم والبحث العلمي والبنية التحتية والثقة المؤسساتية. لأن الدول لا تحمي قضاياها الكبرى بالخطب وحدها. تحميها أيضا بجاذبيتها. قد تكون هذه أهم فكرة ينبغي للمغرب أن يستوعبها في المرحلة المقبلة: الاعتراف مهم، لكن المصلحة أكثر استدامة. فحين تؤيد دولة موقفا سياسيا، يمكن أن يتغير موقفها بتغير الحكومة. أما حين تصبح لها مصالح اقتصادية عميقة مع المغرب، فإن العلاقة تصبح أكثر رسوخا. شركة تستثمر هنا. مؤسسة مالية تمول مشروعا هناك. جامعة تتعاون مع جامعة. ميناء يرتبط بميناء. سلسلة إمداد تتوسع بين بلدين. طلاب يتبادلون الخبرات. سياح يعبرون المسافة. هذه الأشياء الصغيرة في ظاهرها هي التي تصنع، على المدى الطويل، ما يمكن تسميته بالبنية التحتية السياسية للعلاقات الدولية. ولهذا ينبغي أن تكون المرحلة التالية بعد التحول الكولومبي عملية أكثر منها خطابية. ليس المطلوب أن نحتفل بالباب الذي فتحته كولومبيا. المطلوب أن ندخل منه. يمكن للمغرب أن يقترح، مثلا، بناء إطار استراتيجي مغربي كولومبي يركز على خمسة مسارات عملية: التجارة. الاستثمار. الأمن الغذائي. اللوجستيك والموانئ. والتعاون العلمي والتكنولوجي. لماذا لا تصبح طنجة المتوسط بوابة للشركات الكولومبية التي تريد الوصول إلى إفريقيا وأوروبا؟ ولماذا لا تكون الموانئ الكولومبية منصة للمنتجات المغربية نحو أسواق أمريكا اللاتينية؟ لماذا لا يتم إنشاء آلية استثمار مشتركة للمشاريع الزراعية والغذائية؟ لماذا لا تتعاون الخبرات المغربية والكولومبية في تحلية المياه والزراعة الحديثة والطاقات المتجددة؟ ولماذا لا تصبح الجامعات جزءا من هذا المشروع، بدلا من أن تبقى العلاقات الدولية محصورة في وزارات الخارجية؟ هذه ليست تفاصيل ثانوية. إنها الطريقة التي تتحول بها السياسة إلى بنية.

قد يكون الأمن الغذائي واحدا من أكثر الأبواب وعدا في العلاقة الجديدة. فالعالم يدخل مرحلة لا يصبح فيها الغذاء مجرد قضية اقتصادية، بل قضية سيادة واستقرار وأمن قومي. والمغرب، بما يملكه من خبرة في قطاعات زراعية وصناعات الأسمدة وشبكات اقتصادية أفريقية، يستطيع أن يقدم لكولومبيا شراكة لا تقوم على المساعدة، بل على التكامل. وهذه نقطة مهمة. العلاقات الناضجة لا تقوم على أن طرفا يمنح وطرفا يتلقى. بل على أن كل طرف يمتلك شيئا يحتاج إليه الطرف الآخر. وهنا يمكن أن يصبح المغرب جسرا نحو إفريقيا وأوروبا، بينما تصبح كولومبيا جسرا نحو أمريكا اللاتينية. وعندها لا يعود الأطلسي محيطا يفصل بين البلدين. بل يصبح ممرا يجمعهما. في القرن الماضي كان من الممكن أن تقاس القوة بعدد الجنود والطائرات والقواعد. أما اليوم فالمعادلة أكثر تعقيدا. الميناء قوة. وسلسلة الإمداد قوة. والغذاء قوة. والتكنولوجيا قوة. والاستثمار قوة. والجامعة قوة. والقدرة على الوصول إلى الأسواق قوة. بل حتى القدرة على أن تكون الدولة محطة لا يمكن تجاوزها في حركة التجارة العالمية، هي نوع من القوة. ولهذا فإن قوة المغرب الأطلسية لا ينبغي أن تفهم باعتبارها شعارا جغرافيا. يمكن أن تصبح مشروعا اقتصاديا. وهنا يكتسب الموقع المغربي معناه الكامل. المغرب ليس فقط على حافة أفريقيا. إنه قريب من أوروبا، ومفتوح على الأطلسي، ومتصل بالعالم العربي، ومتجذر في إفريقيا. وإذا أحسن استثمار هذه العناصر، فقد يتحول موقعه الجغرافي من مجرد ميزة طبيعية إلى أصل استراتيجي. وهنا يبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق : ماذا بعد كولومبيا؟ هل ستصبح الخطوة الكولومبية حلقة منفردة؟ أم ستتحول إلى بداية لسلسلة من الشراكات الاقتصادية والسياسية والثقافية في أمريكا اللاتينية؟ هل يستطيع المغرب أن يقدم نموذجا للعلاقة مع دول الجنوب لا يقوم على طلب الدعم السياسي فقط، بل على تبادل المصالح؟ هل يمكن أن تنتقل الدبلوماسية المغربية من جمع المواقف إلى صناعة الشبكات؟ وهل نستطيع أن نجعل كل موقف سياسي يتحول إلى مشروع اقتصادي أو علمي أو ثقافي؟

إذا كان الجواب نعم، فإن التحول الكولومبي سيكون أكبر من حجمه الظاهر. أما إذا اكتفينا بالاحتفال به، فسوف يعود إلى حجمه الأول: خبر في صحيفة وبيان في أرشيف. وهنا تحديدا يظهر الفرق بين الدولة التي تلتقط اللحظة، والدولة التي تصنع منها مرحلة. ربما تكون الوطنية المغربية اليوم في حاجة إلى معنى أكثر عمقا. ليس المطلوب أن نردد أن المغرب قوي. بل أن نعمل حتى يصبح قويا بالفعل. ليس المطلوب أن نقول للعالم إن الصحراء مغربية. بل أن نجعل التنمية والاستقرار والبنية التحتية والاستثمار والانفتاح الإفريقي والأطلسي حقائق تجعل هذا الموقف جزءا من الواقع. ليس المطلوب أن نطلب من الآخرين أن يحترموا المغرب. بل أن نبني مغربا يصعب على العالم ألا يحترمه. وهذه ليست لغة تحدّ. إنّها لغة ثقة. الثقة التي لا تحتاج إلى رفع الصوت. الثقة التي تعرف أن الوطن أكبر من رد فعل، وأن القضايا الكبرى لا تبنى في يوم، ولا تحسم بخطاب. ربما لهذا ينبغي أن نقرأ القرار الكولومبي بهدوء. فالمغرب أمام فرصة حقيقية لتوسيع دائرته الأطلسية، وتعميق حضوره في أمريكا اللاتينية، وتحويل موقعه الجغرافي إلى قيمة اقتصادية، وتحويل علاقاته الدبلوماسية إلى شبكات مصالح، وتحويل قضيته الوطنية إلى جزء من رؤية أوسع للاستقرار والتنمية. وإذا نجح في ذلك، فستكون في عدد المشاريع التي تربط الآخرين به, وفي عدد الدول التي تصبح مصلحتها في أن يبقى المغرب قويا ومستقرا وفاعلا.

وهنا تبلغ الوطنية مستوى أكثر نضجا: لا نطلب من العالم أن يحب المغرب. بل أن يكون التعاون مع المغرب مفيدا. أن لا نطلب من العالم أن يردد روايتنا. بل أن نجعل الواقع نفسه شاهدا عليها. أن لا ننظر إلى الصحراء المغربية باعتبارها صفحة ينبغي الدفاع عنها فقط، بل باعتبارها جزءا من مستقبل مغربي إفريقي أطلسي قادر على صناعة القيمة. فالسياسة الدولية لا تغير الخرائط دائما بقرارات كبيرة. أحيانا تغيرها الاستثمارات. وأحيانا الموانئ. وأحيانا الجامعات. وأحيانا الطرق التجارية. وأحيانا شراكة هادئة لا تجد طريقها إلى الصفحات الأولى. ثم يأتي الزمن، وهو المؤرخ الذي لا يجامل أحدا، فينظر إلى كل تلك التفاصيل الصغيرة، ويكتشف أنها لم تكن تفاصيل على الإطلاق. كانت هي الخريطة وهي تتشكل. وفي هذا المعنى، قد لا يكون السؤال الأهم: هل اعترفت كولومبيا بالمغرب؟ بل السؤال الأكثر عمقا: هل يستطيع المغرب أن يجعل من هذا التحول بداية لعالم يصبح فيه الاعتراف نتيجة طبيعية لقوة اقتصادية ودبلوماسية وتنموية متراكمة؟ إذا استطاع، فلن يكون قد ربح موقفا دبلوماسيا فقط. سيكون قد ربح شيئا أكثر أهمية: أن يصبح المستقبل نفسه شريكا في الدفاع عن المغرب.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *