السياسة التي خرجت من معبد البراءة

من قدسية السياسي إلى قدسية الشبهة

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

كان السياسي، في المخيلة القديمة، كائنا يسكن منطقة مرتفعة قليلا عن البشر. لم يكن قديسا بالمعنى الديني، لكنه كان يستعير من القديسين شيئا من الهيبة. كان يقف خلف منصة، يرفع يده، يتحدث باسم المدينة والوطن والمصلحة العامة، فيبدو للحظة كأنه خرج من كتاب التاريخ لا من شارع عادي. ثم جاء المال. دخل المال إلى السياسة كما يدخل الدخان إلى غرفة مغلقة: في البداية لا يراه أحد، ثم يبدأ الجميع في السعال. ومع توالي الفضائح والاتهامات والتحقيقات، بدأ شيء عميق يتغير في وعي المجتمعات الديمقراطية. لم يعد المواطن ينظر إلى السياسي باعتباره حارسا للمصلحة العامة، بل أصبح يسأل السؤال الذي كان يعتبر يوما من سوء الظن: من يدفع؟ ومن يقبض؟ ومن استفاد؟ ومن كان موجودا عندما كانت الخزينة تفتح أبوابها؟

لكن قضية الشكوى التي تستهدف رئيس بلدية سان دوني، بالي باغايوكو، بسبب شبهات تتعلق خصوصا بالتوظيف الوهمي وتبديد المال العام وتضارب المصالح والمحسوبية، لا تسمح بأي حكم مسبق. فالشكوى التي قدمتها جمعية AC!! Anti-Corruption إلى النيابة المالية الوطنية ليست إدانة، والاشتباه ليس حقيقة قضائية، والاتهام ليس حكما. وهذه المسافة بين الشبهة والحقيقة ليست تفصيلا قانونيا. إنها أحد أعمدة الدولة الديمقراطية. لكن وراء الملف الفردي سؤالا أكبر بكثير من اسم سياسي أو مدينة أو مؤسسة عامة. ماذا حدث لصورة السياسي في القرن الحادي والعشرين؟ ربما لم تكن السياسة بريئة يوما. لكنها كانت بارعة في ارتداء البراءة. كانت السلطة تعرف كيف تضع حول نفسها ستارا من الكلمات النبيلة: الخدمة العامة، المصلحة العامة، التضامن، العدالة، الشعب، الوطن. وكانت الكلمات أحيانا أجمل من الواقع. ثم جاءت الديمقراطية الحديثة بأجهزة الرقابة، والصحافة الاستقصائية، والقضاء المالي، وهيئات مكافحة الفساد، ووسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح السياسي يعيش تحت ضوء أقوى بكثير من الضوء الذي كان يحيط برجال السلطة في الأزمنة السابقة.

لقد تغير المشهد جذريا. لم تعد السلطة غرفة مغلقة. أصبحت غرفة جدرانها من الزجاج. كل توقيع يمكن أن يعود إلى صاحبه. كل راتب يمكن أن يثير سؤالا. كل تعيين يمكن أن يخضع للتدقيق. كل تضارب محتمل يمكن أن يتحول إلى قضية عامة. وهنا تكمن إحدى أعظم مفارقات الديمقراطية: كلما أصبحت المؤسسات أكثر قدرة على مراقبة السلطة، ازداد شعور الناس بأن السلطة فاسدة. ليس بالضرورة لأن الفساد ازداد. بل لأن ما كان مخفيا أصبح قابلا للرؤية. فهل أصبح كل سياسي مشبوها؟ هنا ينبغي الحذر. إذا تحول الشك إلى عقيدة، تحولت الديمقراطية نفسها إلى محكمة بلا قاض. وإذا أصبح كل سياسي متهم الفساد حتى تثبت براءته، فقد انتقلنا من دولة القانون إلى دولة الاشتباه. وهذا أخطر مما يبدو. فالسياسي ليس ملاكا. لكنه ليس مجرما لمجرد أنه سياسي. والمنتخب الذي يتقاضى راتبا أو تعويضا أو يشغل وظيفة عامة ليس بالضرورة فاسدا. والتداخل بين الوظيفة العامة والانتداب السياسي قد يكون قانونيا في حالة، ومخالفا للقانون في حالة أخرى. لذلك لا يجوز أن يحل الانطباع محل التحقيق. ولا أن تتحول الصحافة إلى محكمة. ولا أن تصبح وسائل التواصل الاجتماعي جهازا قضائيا يعمل بلا ملف ولا دفاع ولا قرينة براءة. لكن في المقابل، فإن الديمقراطية التي لا تسأل عن المال تتحول بسرعة إلى مسرح جميل بستائر مخملية يخفي وراءه مستودعا مليئا بالأسرار.

هناك شيء غريب في المال العام. إنه مال لا يشعر المواطن عادة بأنه يملكه، رغم أنه ملكه. يدفعه من راتبه، ومن استهلاكه، ومن ضرائبه، ثم يراه يتحول إلى ميزانية بعيدة، وأرقام في جداول، ورواتب، وتعويضات، وصفقات، وتعيينات. ولذلك فإن الاعتداء على المال العام ليس مجرد مخالفة مالية. إنه اعتداء على الثقة. عندما يشك المواطن في أن شخصا ما حصل على راتب مقابل عمل لم يؤده، أو استفاد من منصب بسبب علاقاته، فإن الجرح لا يصيب الخزينة فقط. إنه يصيب الفكرة نفسها التي تجعل المواطن يقبل الضرائب والقوانين والانتخابات. لأنه يبدأ في التفكير: لماذا ألتزم أنا إذا كان من يدير المال العام لا يلتزم؟ وهنا يبدأ انهيار الدولة من مكان لا تلتقطه أجهزة الرادار. يبدأ في النفس. تكمن أهمية الملف المثار حول بالي باغايوكو، كما عرضته المعطيات الصحفية، في السؤال عن العلاقة بين الوظيفة العامة والعمل الانتخابي، وعن مدى احترام قواعد الجمع بين الأنشطة والوظائف، وعن حقيقة ممارسة الوظيفة، وعن الأساس القانوني للتعويضات. هذه ليست أسئلة صغيرة. لأن الدولة الحديثة لا تكتفي بأن تقول للمسؤول: لا تسرق. إنها تطلب منه شيئا أكثر دقة: ألا يضع نفسه في وضع يمكن أن يجعل الآخرين يشكون في أن المال العام يتحرك وفقا لعلاقات شخصية أو سياسية.

وهنا يظهر مفهوم بالغ الأهمية في الحياة العامة: نزاهة المظهر. ليس المطلوب فقط أن يكون المسؤول نزيها. بل ينبغي أيضا أن تكون بنية القرار العام قادرة على حماية الثقة في نزاهته. قد يكون الفعل قانونيا، لكن ظروفه تخلق شبهة. وقد يكون التعويض مشروعا، لكن غموضه يفتح بابا للشك. وقد يكون الجمع بين وظيفتين مسموحا في حالة محددة، لكن غياب الشفافية يجعل المواطن عاجزا عن فهمه. في السياسة، المظهر ليس دائما زينة. أحيانا يكون جزءا من الحقيقة المؤسسية. فرنسا تحمل علاقة شديدة التعقيد مع السلطة. إنها بلاد الثورة التي أطاحت بالعرش، لكنها لم تتخلص من سحر الدولة. بل ربما أعادت بناء الدولة بصورة أكثر قوة. ولهذا يعيش السياسي الفرنسي داخل مفارقة عجيبة: المواطن يحتاج إلى الدول ، لكنه يشك في رجالها. يحترم المؤسسات، لكنه يراقب القائمين عليها بعين الريبة. ينتخب ممثليه، ثم يبحث عن سبب لإدانة امتيازاتهم. وهذا ليس بالضرورة مرضا ديمقراطيا. قد يكون علامة على أن المجتمع تعلم، عبر التاريخ، ألا يمنح السلطة ثقة مجانية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول عدم الثقة إلى كراهية شاملة. عندها لا يعود المواطن يميز بين السياسي النزيه والسياسي الفاسد. يصبح الجميع في ذهنه وجها واحدا. والجميع، في تلك الحالة، يصبح مذنبا قبل أن يتكلم.

وهنا نصل إلى المفارقة الأكثر غرابة. كان السياسي في الماضي يستفيد من هالة القداسة. واليوم قد يستفيد خصومه من هالة الشبهة. كان السؤال القديم: هل هذا الرجل يستحق ثقتنا؟ أما السؤال الجديد فأصبح: ما الذي يخفيه؟ وبين السؤالين انهارت مساحة كبيرة من البراءة السياسية. لقد أصبح السياسي مطالبا بإثبات نظافته في فضاء لا يكتفي بالدليل، بل يتغذى على الإيحاء. صورة قديمة. راتب مرتفع. تعيين مشكوك فيه. علاقة شخصية. رحلة. عقار. صديق. كل تفصيل يمكن أن يتحول إلى قطعة في رواية اتهام. لكن الرواية ليست الحقيقة. وهذه نقطة يجب أن يتمسك بها المجتمع الديمقراطي كما يتمسك الغريق بحبل: الشك ضروري، لكنه ليس دليلا. الفساد لا يسرق المال فقط. إنه يسرق المعنى. يسرق من المواطن اعتقاده بأن القانون واحد للجميع. يسرق من الموظف النزيه إيمانه بأن العمل الجاد يكفي. يسرق من الناخب اعتقاده بأن صوته يمكن أن يغير شيئا. ولهذا فإن الفساد أخطر من قيمته المالية. قد يكون المبلغ صغيرا، لكن أثره السياسي هائل. لأن المواطن لا يحسب فقط كم اختفى من المال. إنه يسأل: كم اختفى من العدالة؟

هذه هي العملة الحقيقية التي تخسرها الدولة عندما تفشل في حماية المال العام. ثمة وجه آخر للمأساة. حين تصبح مكافحة الفساد صناعة إعلامية، يمكن أن تتحول العدالة نفسها إلى فرجة. اسم سياسي في العنوان. اتهام في الصفحة الأولى. غضب على الشبكات الاجتماعية.ثم يأتي التحقيق بعد ذلك. وهذا ترتيب خطير. لأن الإنسان قد يخرج من التحقيق بريئا، لكن صورته العامة قد تكون ماتت قبل أن يصل الملف إلى المحكمة. وهكذا يمكن أن يتحول شعار مكافحة الفساد إلى ظلم جديد إذا لم تحكمه قواعد الإثبات والموضوعية. الدولة الديمقراطية لا تحتاج إلى قديسين. تحتاج إلى إجراءات. لا تحتاج إلى سياسيين بلا أخطاء. تحتاج إلى مؤسسات قادرة على اكتشاف الخطأ ومحاسبة المسؤول عنه. ولا تحتاج إلى مجتمع يثق بالجميع. تحتاج إلى مجتمع يعرف كيف يشك بطريقة عادلة. سؤال الذي يتجاوز بالي باغايوكو قد يثبت القضاء وجود مخالفة. وقد لا يثبت. قد تنتهي القضية إلى اتهام. وقد تنتهي إلى حفظ. وقد تظهر وقائع جديدة تغير صورة الملف كله. لكن أيا كانت النتيجة، فإن السؤال الذي يهمنا يتجاوز الرجل نفسه. هل نزعت السياسة عباءة القديسين نهائيا؟ ربما. لكن المشكلة ليست في سقوط القداسة. المشكلة في ألا نستبدلها بعبادة الشبهة.

السياسة ليست مجالا للملائكة. إنها مهنة البشر. والبشر يخطئون، ويتنافسون، ويطمعون، ويترددون، ويصيبون ويخطئون. ولهذا اخترعت المجتمعات الديمقراطية شيئا أكثر واقعية من القداسة: المؤسسات. القانون. الشفافية. تضارب المصالح. التدقيق المالي. القضاء المستقل. الصحافة. حق الدفاع. قرينة البراءة. هذه ليست تفاصيل بيروقراطية. إنها الجدران التي تمنع القصر السياسي من التحول إلى قلعة شخصية. ربما تكون نهاية عصر السياسي المقدس خبرا جيدا. فالسياسي الذي يعرف أنه مراقب، وأن راتبه يمكن أن يخضع للتدقيق، وأن تعييناته يمكن أن تراجع، وأن قراراته يمكن أن تصل إلى القضاء، هو سياسي يعيش داخل دولة مؤسسات لا داخل مملكة شخصية. لكن نهاية القداسة لا ينبغي أن تكون بداية عصر الاتهام الدائم. نحن لا نحتاج إلى سياسيين نظن أنهم ملائكة. ولا إلى سياسيين نفترض أنهم لصوص. نحتاج إلى شيء أكثر صعوبة: أن نعامل السياسي كإنسان، ونضعه تحت قانون أقوى من الإنسان. ذلك هو الاختبار الحقيقي للديمقراطية. أن تكون السلطة قابلة للمساءلة دون أن تكون قابلة للتشهير بلا دليل. أن يكون الصحفي جريئا دون أن يصبح قاضيا. أن يكون الناخب يقظا دون أن يصبح جلادا. وأن يكون القضاء صارما دون أن يكون مسرحا.

ليست المشكلة أن السياسيين ليسوا قديسين. المشكلة تبدأ عندما يصبح المجتمع محتاجا إلى القديسين كي يثق بالدولة. الدولة الناضجة لا تبنى على قداسة الأشخاص. تبنى على قداسة القواعد. وحين تكون القواعد قوية، يستطيع المجتمع أن يعيش حتى مع سياسيين من لحم ودم، لهم مصالح وأخطاء وضعف بشري. أما حين تكون القواعد ضعيفة، فإن أجمل الخطب تتحول إلى ستارة، وأرفع الشعارات تتحول إلى قناع، وتصبح خزينة الدولة مثل بيت بلا باب. ولهذا فإن السؤال الأهم في قضية سان دوني ليس فقط: هل هناك مال عام استعمل على نحو غير مشروع؟ بل سؤال أعمق: هل ما زلنا نملك مؤسسات تجعل الحقيقة، لا الشبهة، هي التي تملك الكلمة الأخيرة؟ إذا كانت الإجابة نعم، فالديمقراطية ما زالت حية. أما إذا أصبحت الشبهة حكما، والاتهام حقيقة، والبراءة خبرا لا يقرأه أحد، فحينها لا يكون الفساد وحده قد انتصر. يكون القانون نفسه قد بدأ يفقد ظله.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *