بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك مجتمعات لا تسقط فجأة، ولا تنهار تحت صوت المدافع، بل تتآكل في الأماكن التي يفترض أن تكون أكثر أمنا: في المدرسة، في الأسرة، في مراكز الشرطة، في مكاتب النيابة، وفي الملفات التي تنام طويلا داخل الأدراج حتى تفقد أسماء أصحابها وتصبح الجريمة نفسها مجرد رقم شاحب في أرشيف الدولة. حين تكشف مذكرة وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان عن وجود «مخزون شبح» من ملفات الاعتداءات الجنسية على الأطفال، وعن إجراءات لم تصل أصلا إلى النيابة، وملفات بقيت بلا تحقيق لأشهر أو سنوات، وأخرى فقدت أو تعذر تحديد مكانها، فإن المسألة تتجاوز حدود خلل إداري يمكن إصلاحه بتعيين موظفين إضافيين أو شراء حواسيب جديدة. نحن أمام شيء أكثر رعبا: لحظة يصبح فيها عجز المؤسسة عن رؤية الجريمة جزءا من بنية الجريمة نفسها.
في نيم، اكتشف المدعون 1275 إجراء وصف بـ«الشبح»، وفي كاين 905، بينما ظهرت في مدن أخرى ملفات لم تصل إلى النيابة، وإجراءات ظلت معلقة دون تحقيق. وفي بورج اختفت ملفات تماما، وفي باريس تعذر تحديد مكان عشرات الإجراءات. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات باردة. وراء كل رقم طفل قد يكون حمل خوفه وحيدا، وأمضى سنوات وهو ينتظر من الدولة أن تقول له، ولو مرة واحدة: لقد رأينا ما حدث لك. وهنا تبدأ المأساة الحقيقية. فالطفل الذي يتعرض للعنف الجنسي لا يعيش الجريمة في اللحظة التي تقع فيها فقط. علم النفس الحديث يبين أن الاعتداءات الجنسية في الطفولة يمكن أن تترك آثارا طويلة المدى على الشعور بالأمان، والثقة بالآخرين، وتنظيم الانفعالات، والصورة الذاتية، والعلاقات الاجتماعية. وحين تأتي المؤسسة التي يفترض أن تحميه فتتعامل مع شكواه ببطء، أو بأسئلة غير ملائمة، أو بإهمال، أو تجعل الملف يضيع في الممرات الإدارية، فإنها قد تضيف إلى الجرح طبقة ثانية من الألم: ألم أن يكون ما حدث لك غير مرئي في عين الدولة.
الجريمة الأولى يرتكبها المعتدي. أما الجريمة الثانية فقد تبدأ عندما يصير صمت المؤسسة أكثر قوة من صرخة الضحية. وهذه ليست عبارة أدبية فقط. إنها مسألة نفسية وسياسية عميقة. فالطفل يتعلم من العالم من خلال استجابة الكبار له. حين يبكي، هل يأتي أحد؟ حين يقول «حدث لي شيء»، هل يصدقه أحد؟ حين يطلب الحماية، هل يجد بابا مفتوحا أم سلسلة من الأبواب المغلقة؟ الطفل لا يقرأ القانون. إنه يقرأ سلوك الدولة. ومن هنا يمكن فهم خطورة ما تكشفه المذكرة الفرنسية. فالدولة الحديثة لا تقاس فقط بعدد القوانين التي تضعها، بل بقدرتها على جعل المواطن يشعر بأن القانون موجود عندما يحتاج إليه. وإذا كان الطفل، وهو أضعف حلقات المجتمع وأكثرها اعتمادا على حماية الكبار، لا يستطيع أن يصل إلى العدالة، فإن الدولة تكون قد فقدت شيئا من معناها الأخلاقي، مهما كانت مؤسساتها متطورة ومبانيها ضخمة وخطاباتها براقة.
إن ما يسمى «دولة القانون» ليس مبنى قضائيا ولا شعارا دستوريا. إنه وعد. والمشكلة تبدأ عندما يتحول الوعد إلى انتظار. ثم يتحول الانتظار إلى صمت. ثم يتحول الصمت إلى نسيان. ثم يصبح النسيان نفسه جزءا من النظام. هنا تظهر الديكتاتورية الحقيقية للعنف الجنسي ضد الأطفال. إنها ليست ديكتاتورية المعتدي وحده، بل ديكتاتورية الخوف الذي يفرضه المعتدي على الضحية، ثم يمتد إلى الأسرة، ثم إلى المحيط الاجتماعي، ثم إلى المؤسسات، حتى يصبح المجتمع كله يتصرف كما لو أن الجريمة وحش من الأفضل ألا ننظر في عينيه. العنف الجنسي ضد الطفل لا يسرق جسده فقط. إنه يحاول سرقة تعريفه للعالم. يجعل البيت مكانا قابلا للخوف، والثقة قابلة للشك، والسلطة قابلة للرعب، والجسد نفسه غريبا عن صاحبه. ولهذا فإن الجريمة الجنسية ضد الطفل ليست اعتداء على فرد فحسب، بل اعتداء على البنية النفسية التي يتعلم من خلالها الإنسان كيف يكون إنسانا. إنها عملية تخريب للثقة. والثقة هي المادة غير المرئية التي تمسك المجتمع كله.
كل مجتمع يقوم على سلسلة هشة من الافتراضات: أن الابن آمن في مدرسته، وأن الطفل يمكنه أن يخبر والديه، وأن الطبيب سيحميه، وأن المعلم سيلاحظ، وأن الشرطة ستستمع، وأن القضاء سيحقق، وأن الدولة ستتدخل عندما تفشل الأسرة. حين تنهار هذه السلسلة، لا يعود الخوف محصورا في الطفل. ينتشر مثل حبر أسود في ماء صاف. الأم تبدأ في الخوف من المدرسة. الأب يبدأ في الشك في كل بالغ. الطفل يبدأ في الشك في العالم. والمجتمع يبدأ في بناء جدران نفسية حول نفسه. لهذا فإن حماية الأطفال ليست قضية اجتماعية هامشية تضاف إلى جدول أعمال الحكومات عندما تتوفر الميزانية. إنها جزء من الأمن القومي بالمعنى الإنساني العميق للكلمة. الدولة التي تفشل في حماية أطفالها لا تعاني فقط من نقص الموظفين. إنها تعاني من خلل في تصورها للسلطة. فالسلطة التي تستطيع أن تحشد آلاف الرجال لمواجهة جريمة في الشارع، ثم تعجز عن تخصيص العدد الكافي من المحققين لملفات الاعتداء الجنسي على الأطفال، تواجه مفارقة سياسية تستحق التأمل: لماذا تكون بعض الجرائم مرئية أكثر من جرائم أخرى؟ لماذا يثير النظام العام اهتماما أكبر من طفل يتعرض للخوف في صمت؟ لماذا يصبح ازدحام الشوارع أولوية، بينما يمكن أن يظل ملف طفل بلا تحقيق سنوات؟
إن ترتيب أولويات الدولة يكشف فلسفتها أكثر مما تكشفها خطاباتها. والمذكرة الفرنسية، كما ورد في المادة المنشورة، تشير تحديدا إلى نقص حاد في المحققين، وإلى حالات مثيرة للقلق في التعامل مع الأطفال، بينها إجراء مقابلات هاتفية مع أطفال صغار، واستمرار ممارسات تتضمن أسئلة مغلقة أو ملاحظات غير ملائمة. كما تشير إلى حالات يتقدم فيها ترتيب الأولويات المحلية والنظام العام على معالجة هذه القضايا. هذه التفاصيل الصغيرة ظاهريا هي في الحقيقة ثقوب في سفينة كبيرة. لأن التحقيق في الاعتداء الجنسي على طفل ليس مثل التحقيق في حادثة عادية. ذاكرة الطفل ليست ملفا صلبا يمكن فتحه في أي وقت بالطريقة نفسها. والصدمة ليست ورقة بيضاء. الطفل قد يتردد، وقد يصمت، وقد يتناقض في بعض التفاصيل، وقد يحتاج إلى بيئة آمنة ومختصين مدربين حتى يستطيع أن يروي ما حدث دون أن يشعر بأنه متهم. ومن هنا تصبح كفاءة المحقق جزءا من العدالة نفسها. السؤال الخاطئ قد يغلق ذاكرة. والنبرة الخاطئة قد تعيد إنتاج الخوف. والتعامل البيروقراطي مع الطفل قد يجعله يشعر بأنه أمام متهم جديد، لا أمام مؤسسة حماية.
علم النفس الجنائي الحديث يدرك أن طريقة الاستماع إلى الطفل ليست تفصيلا تقنيا. إنها قد تؤثر في جودة المعلومات التي يستطيع الطفل تقديمها وفي شعوره بالأمان، ولذلك تحتاج هذه القضايا إلى تدريب متخصص، وبيئات مناسبة، وآليات تضمن عدم تكرار رواية الصدمة بطريقة مؤذية. إن العدالة، في هذه الحالات، لا تبدأ في قاعة المحكمة. تبدأ من الكرسي الذي يجلس عليه الطفل أمام أول شخص يسأله: ماذا حدث؟ ذلك السؤال البسيط يمكن أن يكون بداية النجاة. ويمكن أيضا، إذا طرح بطريقة سيئة، أن يصبح بابا آخر إلى العزلة. وهنا نصل إلى المشكلة الأكبر: البيروقراطية عندما تفقد بعدها الإنساني. البيروقراطية في صورتها الطبيعية وسيلة لتنظيم الدولة. لكنها عندما تتحول إلى آلة مستقلة عن الإنسان، يصبح الملف أهم من صاحبه، والرقم أهم من القصة، والإجراء أهم من العدالة. في تلك اللحظة يمكن أن يختفي طفل دون أن يختفي ملفه. وقد يختفي الملف دون أن يشعر النظام أنه فقد إنسانا. وهذا هو معنى «المخزون الشبح» في أعمق دلالاته. الملف الشبح ليس ملفا غير موجود. إنه ملف موجود في مكان ما، لكنه غير موجود في وعي المؤسسة. والدولة التي لا ترى الملف لا تستطيع أن ترى الضحية.
ومن أخطر ما يمكن أن يحدث في المجتمعات الحديثة أن تصبح التكنولوجيا قادرة على إنتاج ملايين البيانات، بينما تعجز المؤسسات عن ربط معلومة واحدة بمصير إنسان واحد. قد تكون لدينا قواعد بيانات ضخمة، وأنظمة معلومات حديثة، وأجهزة رقمية لا تنام، لكن طفلا واحدا يمكن أن يضيع بين نظامين لأن موظفا لم يرسل وثيقة في الوقت المناسب. وهنا تبدو المفارقة كأنها خرجت من رواية ديستوبية: دولة تملك وسائل أكثر من أي وقت مضى لمعرفة كل شيء، لكنها قد تفشل في معرفة أن طفلا ينتظر العدالة. ليست المشكلة إذن في نقص المعلومات فقط. إنها في ضعف القدرة على تحويل المعلومات إلى فعل. وهذا هو الفارق بين الدولة التي تجمع البيانات والدولة التي تحمي الناس. الأولى تعرف. الثانية تتصرف. وفي قضايا العنف الجنسي ضد الأطفال، فإن التأخر ليس محايدا. الوقت ليس مجرد وحدة إدارية. الوقت قد يكون جزءا من الجريمة. كل شهر يمر دون تحقيق قد يمنح المعتدي مساحة، ويمنح الضحية مساحة أخرى للانهيار النفسي، ويمنح الذاكرة مساحة للتشوش، ويمنح المؤسسة فرصة لأن تنسى. لهذا فإن العدالة المتأخرة في هذه القضايا ليست دائما عدالة ناقصة فحسب. قد تكون عدالة تصل بعد أن يكون الضرر قد وجد طريقه إلى أعماق شخصية الضحية. لكن ثمة سؤالا أكثر قسوة يجب طرحه: هل نحن أمام أزمة موارد فقط؟ أم أمام أزمة ثقافة؟
من السهل أن نقول: نحتاج إلى مزيد من الشرطة والمحققين والقضاة. وهذا صحيح. لكن المال وحده لا يصنع مؤسسة حساسة تجاه الطفل. نحتاج أيضا إلى ثقافة مؤسسية تجعل حماية الطفل أولوية لا شعارا. نحتاج إلى تدريب متخصص. نحتاج إلى تقييم دوري. نحتاج إلى أنظمة تمنع فقدان الملفات. نحتاج إلى مراقبة حقيقية للأداء. نحتاج إلى محاسبة عندما تختفي الإجراءات. ونحتاج قبل كل شيء إلى كسر الفكرة الخطيرة التي تقول إن الطفل يمكنه الانتظار. الطفل لا ينتظر بالطريقة التي ينتظر بها ملف إداري. الطفل يكبر. وهذه حقيقة قاسية. كلما تأخرت الدولة، تغيرت الضحية. الطفل الذي كان في الثامنة يصبح في الثانية عشرة. ثم السادسة عشرة. ثم راشدا يحمل في داخله سؤالا مريرا: لماذا لم يحموني عندما كنت صغيرا؟ وقد يكون هذا السؤال أثقل من الجريمة نفسها في بعض مسارات الحياة. لذلك فإن الدولة التي تريد أن تحمي المستقبل يجب أن تتعامل مع حماية الطفل باعتبارها استثمارا في الاستقرار النفسي والاجتماعي للمجتمع.

العنف الجنسي ضد الأطفال لا ينتج فقط ضحايا فرديين. يمكن أن ينتج دوائر طويلة من فقدان الثقة، واضطرابات العلاقات، والخوف، والعار، والعزلة، ومشكلات الصحة النفسية، وقد يمتد أثره إلى الأسرة والمحيط والمجتمع. إنه كسر لسلسلة انتقال الثقة بين الأجيال. فالطفل يتعلم من الكبار كيف يثق بالعالم. إذا تعلم أن الكبار لا يسمعون، فقد يكبر وهو لا يسمع نفسه. إذا تعلم أن المؤسسات لا تحمي، فقد يكبر وهو لا يثق بالمؤسسات. وإذا تعلم أن الكلام لا ينقذ، فقد يصبح الصمت جزءا من شخصيته. وهكذا يتحول الاعتداء من حادثة في الماضي إلى ظل يمشي مع الضحية في المستقبل. إن أخطر ما يفعله العنف الجنسي هو أنه لا ينتهي دائما عندما ينتهي المعتدي. قد يخرج المعتدي من حياة الطفل، لكن الخوف قد يبقى. وقد يغلق الملف، لكن الذاكرة لا تغلقه. وقد تنتهي المحاكمة، لكن السؤال الأخلاقي يبقى مفتوحا: هل صدقناه بما يكفي؟ هل حميناه بما يكفي؟ هل فعلنا ما كان يجب فعله؟
هذه الأسئلة هي امتحان الدولة الحقيقي. ومن هنا فإن القضية الفرنسية لا ينبغي أن تتحول إلى معركة سياسية عابرة بين وزيرين أو وزارتين، ولا إلى تبادل للاتهامات حول تسريب وثيقة عمل. التسريب قد يكون مشكلة سياسية. لكن محتوى الوثيقة هو المشكلة الوطنية. وإذا كانت الأرقام الواردة فيها تعكس بالفعل خللا واسعا في انتقال الملفات، وفي الموارد، وفي التدريب، وفي التنسيق بين الشرطة والنيابة، فإن المطلوب ليس الدفاع عن صورة المؤسسة، بل إصلاح المؤسسة. الدولة القوية ليست التي تخفي عيوبها. الدولة القوية هي التي تستطيع أن تنظر إلى عيوبها دون أن تنكسر أمام المرآة. فالمرآة هنا ليست المذكرة. المرآة هو الطفل. وحين ينظر المجتمع في وجه طفل خائف، عليه أن يسأل نفسه: أي عالم صنعنا حتى أصبح هذا الطفل يخاف من الكلام؟ في النهاية، ليست المسألة كم ملفا ضاع. المسألة كم إنسانا تعلم من ضياع ملفه أن العدالة ليست له. وليست المسألة كم محققا ينقص. المسألة كم ضحية اضطرت إلى أن تكبر قبل أن تصلها الدولة. وليست المسألة كم مؤسسة فشلت. المسألة هل يستطيع النظام كله أن يتعلم من الفشل قبل أن يتحول الفشل إلى قاعدة.
العنف الجنسي ضد الأطفال هو أحد أكثر أشكال العنف ظلمة لأنه يهاجم الإنسان في المرحلة التي لا يملك فيها أدوات الدفاع عن نفسه، ثم يحاول أن يجعله شريكا في الصمت. لكن المجتمع الذي يترك الطفل وحيدا أمام هذا الصمت لا يكون محايدا. إنه يساهم، ولو بطريقة غير مباشرة، في تمديد عمر الخوف. ولهذا فإن حماية الطفل ليست مجرد وظيفة للشرطة أو القضاء أو المدرسة. إنها عقد اجتماعي. ومعنى هذا العقد بسيط في جوهره، لكنه عظيم في نتائجه: أن الطفل حين يقول «أنا خائف»، يجب أن يتحرك المجتمع. وحين يقول «حدث لي شيء»، يجب أن تنصت الدولة. وحين يظهر ملف، يجب ألا يختفي. وحين تتأخر العدالة، يجب ألا يصبح التأخير نظاما. لأن المجتمع الذي يترك أطفاله يعيشون في خوف طويل، قد يبدو من الخارج مستقرا، لكنه يحمل في داخله بركانا نفسيا صامتا. والدول لا تنهار دائما عندما تشتعل الشوارع. أحيانا يبدأ انهيارها في المكان الذي لا يسمع فيه أحد صوت طفل. هناك، في ذلك الصمت الصغير الذي لا يلتفت إليه أحد، يمكن أن تبدأ أزمة دولة كاملة. فحماية الطفل ليست شأنا عاطفيا. إنها اختبار حضاري للسلطة. والسؤال الذي يجب أن يظل معلقا فوق كل مؤسسة، وكل محكمة، وكل مركز شرطة، وكل مكتب إداري هو: عندما يصرخ أضعف إنسان في المجتمع، هل تملك الدولة آذانا تسمع، وعيونا ترى، وذاكرة لا تنسى، وإرادة تتحرك قبل أن يصبح الصمت قدرا؟ إذا كانت الإجابة نعم، فهناك دولة. أما إذا كان الطفل يصرخ والملف يختفي، فالخطر لا يكون في الجريمة وحدها. الخطر أن يصبح النسيان مؤسسة.
📲 Partager sur WhatsApp