بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في التاريخ قد لا يفشل السلام فقط لأنه ضعيف، بل لأنّه يصل إلى الطاولة محملا بكل أثقال الحرب. وما يحدث في غزة اليوم يبدو واحدا من تلك اللحظات. فإعلان بنيامين نتنياهو رفض الخطة الأمريكية ذات النقاط الخمس عشرة، وربط أي انسحاب إسرائيلي من القطاع بنزع سلاح حماس بصورة وصفها بأنه يجب أن تكون «حقيقية»، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد خلاف على بند تفاوضي. إنه يكشف عن مأزق أعمق: كل طرف يريد أن يبدأ السلام من النقطة التي يراها هو نهاية الحرب، بينما لا يعترف الطرف الآخر بأن الحرب انتهت أصلا. الخطة الأمريكية، كما عرضتها المصادر، تقوم على منطق مرحلي: نزع سلاح حماس، ترتيبات أمنية جديدة، قوة استقرار دولية، شرطة فلسطينية جديدة، ثم انسحاب إسرائيلي تدريجي. أما نتنياهو فيضع المعادلة بصورة مختلفة: لا انسحاب قبل نزع السلاح الكامل. وهنا تظهر العقدة التي قد تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها في الحقيقة فلسفية وسياسية وعسكرية في آن واحد. من يسبق من؟ هل يسبق الانسحاب نزع السلاح حتى تتولد الثقة؟ أم يسبق نزع السلاح الانسحاب حتى تتولد الضمانات؟
في هذه المسافة القصيرة بين الجملتين قد تختبئ سنوات أخرى من الحرب. السلام، في تعريفه السياسي البسيط، هو اتفاق على وقف العنف. لكن السلام في النزاعات الطويلة أكثر تعقيدا من ذلك بكثير. إنه اتفاق على من يملك السلاح، ومن يملك الأرض، ومن يملك القرار، ومن يراقب الحدود، ومن يدفع ثمن الإعمار، ومن يضمن ألا تتحول الهدنة إلى استراحة بين حربين. وهنا تحديدا تكمن خطورة اللحظة الغزية. فالمشكلة لم تعد فقط: هل تتوقف الحرب؟ بل أصبحت: من يملك غزة بعد توقفها؟ هذا السؤال وحده قادر على ابتلاع كل العناوين الجميلة عن السلام. فإذا انسحبت إسرائيل دون ترتيبات أمنية تعتبرها كافية، ستقول المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إن الانسحاب خلق فراغا يمكن أن تعود إليه حماس. وإذا لم تنسحب إسرائيل قبل نزع سلاح حماس، فإن حماس تستطيع أن تقول إن المطلوب منها هو تسليم الورقة الوحيدة التي تملكها قبل الحصول على الضمان السياسي الذي يبرر التسليم.
وهكذا تتحول المفاوضات إلى دائرة مغلقة. كل طرف يريد من الآخر أن يقوم بالخطوة التي تجعله هو في موقف أكثر ضعفا. وهذه هي العقدة الكلاسيكية في النزاعات التي فقدت الثقة: السلام يحتاج إلى تنازل، لكن التنازل يحتاج إلى ثقة، والثقة لا تولد في بيئة الحرب. لهذا فإن أخطر كلمة في المشهد الحالي ليست «السلام». إنها كلمة «حقيقي». حين يقول نتنياهو إن نزع السلاح يجب أن يكون حقيقيا، فهو يفتح سؤالا لا تجيب عنه البيانات السياسية: كيف يقاس نزع السلاح؟ هل يكفي تسليم السلاح الثقيل؟ هل يشمل الأسلحة الفردية؟ هل يشمل البنية التحتية العسكرية؟ هل يشمل الأنفاق؟ هل يشمل القدرة على تصنيع السلاح؟ هل يشمل بقاء الكوادر السياسية التي كانت مرتبطة بالجناح العسكري؟ ومن يقرر أن النزع اكتمل؟ ومن يملك حق إعلان أن طرفا ما لم ينزع سلاحه؟

وهنا تتحول كلمة واحدة إلى جيش من الأسئلة. فالسلام لا يموت دائما بسبب رفضه. أحيانا يموت بسبب غموض شروطه. وهذا هو الخطر الذي يحيط بأي اتفاق يجعل «نزع السلاح» شرطا مطلقا دون أن يحدد بدقة من يراقبه، وكيف ينفذ، وما الذي يحصل في كل مرحلة، وما الضمانات التي يحصل عليها الطرف المقابل. إن السياسة الدولية لا تعاني فقط من نقص النوايا الحسنة. إنها تعاني أحيانا من فائض الكلمات الغامضة. والكلمات الغامضة، في الشرق الأوسط، قد تكون أكثر خطورة من القنابل الواضحة. فالقنبلة تنفجر مرة. أما العبارة غير المحددة فقد تظل قابلة للاستخدام السياسي لسنوات. يمكن لكل طرف أن يعيد تفسيرها عندما تتغير موازين القوة. وهنا تصبح اتفاقية السلام أشبه بمرآة مكسورة: كل طرف يرى فيها صورته الخاصة. لكن هناك طبقة أخرى في المشهد لا ينبغي تجاهلها. نتنياهو لا يتحرك في فراغ سياسي داخلي. إنه يتحرك تحت ضغط ائتلاف وقوى يمينية إسرائيلية ترى أن الانسحاب قبل تفكيك حماس قد يعني إعادة إنتاج التهديد الذي خاضت إسرائيل الحرب للقضاء عليه. وفي المقابل، تواجه الإدارة الأمريكية اختبارا مختلفا: هل تستطيع فرض تصورها للسلام على حليف استراتيجي يرفض أن تكون واشنطن صاحبة الكلمة الأخيرة في تعريف الأمن الإسرائيلي؟
وهنا قد نكون أمام واحدة من أكثر اللحظات دلالة في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية. فالولايات المتحدة تستطيع أن تقترح. تستطيع أن تضغط. تستطيع أن تمول. وتستطيع أن تمنح الضمانات. لكنها لا تستطيع دائما أن تجعل حليفا ينفذ ما لا يراه متوافقا مع حساباته الأمنية والسياسية. وهذه ليست مشكلة غزة وحدها. إنها مشكلة القوة الأمريكية نفسها عندما تدخل منطقة تتقاطع فيها الحسابات الاستراتيجية مع الذاكرة التاريخية والانتخابات والائتلافات الداخلية والخوف الوجودي. غزة هنا ليست مجرد رقعة جغرافية. إنها مختبر للعجز الدولي. العالم قادر على صياغة عشرات الصفحات عن السلام، لكنه يجد صعوبة هائلة في خلق الثقة التي تجعل تلك الصفحات قابلة للحياة. وفي الطرف الآخر من المشهد، هناك أكثر من مليوني إنسان يعيشون في مساحة مدمرة وممزقة، فيما تشير التقارير الحالية إلى أن العمليات الإسرائيلية منذ وقف إطلاق النار قتلت أكثر من 1250 شخصا، معظمهم من المدنيين، وأن أكثر من مليوني شخص نزحوا، مع استمرار القيود الشديدة على المساحة والموارد المتاحة للسكان.

وهنا ينبغي ألا تضيع الحقيقة الإنسانية وسط هندسة المصطلحات. حين يتحدث السياسيون عن «الترتيبات الأمنية» و«مراحل الانسحاب» و«نزع السلاح» و«قوة الاستقرار الدولية»، هناك إنسان يجلس في غزة أمام بيت لم يعد بيتا، ومستشفى لم يعد مستشفى، وشارع لم يعد شارعا. السياسة تحب الخرائط. الإنسان يعيش في الركام. ولهذا فإن أي خطة سلام لا تضع إعادة بناء الحياة المدنية في قلب المعادلة، ستظل خطة لإدارة الصراع لا لإنهائه. الإعمار ليس ملحقا اقتصاديا للسلام. إنه جزء من الأمن نفسه. فالمدينة المهدمة لا تنتج الاستقرار. والجيل الذي ينشأ وسط الركام لا يمكن أن يكون مادة سهلة لمشروع مصالحة. والفقر ليس مجرد مشكلة اجتماعية. في البيئات المنهارة، يتحول الفقر إلى وقود سياسي. والبطالة إلى سوق للتجنيد. والحرمان إلى لغة للغضب. والذاكرة إلى مستودع مفتوح للأجيال المقبلة. لهذا فإن من يريد نزع السلاح دون بناء حياة بديلة، قد ينزع السلاح من اليد ولا ينزع أسباب حمله من العقل. وهذه نقطة جوهرية. يمكنك أن تفكك ترسانة.
لكن هل تستطيع أن تفكك البيئة السياسية التي أعادت إنتاج الترسانة؟ يمكنك أن تصادر الصاروخ. لكن هل تستطيع أن تصادر الفكرة التي جعلت الصاروخ رمزا للكرامة أو الانتقام أو البقاء؟ هنا تتجاوز المسألة حدود الأمن العسكري لتدخل في علم الاجتماع السياسي. الأسلحة ليست دائما بداية الصراع. في كثير من الأحيان تكون نتيجته المادية. ولذلك فإن السلام الذي يتعامل مع السلاح فقط، ويترك أسباب الصراع، قد ينتج صمتا مسلحا لا سلاما. وفي الجهة المقابلة، فإن تجاهل المخاوف الإسرائيلية المتعلقة بالأمن لن ينتج سلاما مستداما أيضا. هذه هي الحقيقة غير المريحة التي ينبغي قولها بهدوء: السلام الجدي لا يمكن أن يقوم على إنكار مخاوف أحد الطرفين، كما لا يمكن أن يقوم على تحويل مخاوف طرف إلى تفويض دائم بالسيطرة على الطرف الآخر. المعضلة إذن ليست في اختيار طرف على حساب آخر. المعضلة في بناء نظام يستطيع أن يحمي الإنسان من الحرب دون أن يحول الحماية إلى حرب دائمة. وهنا تصبح القوة الدولية المقترحة ذات أهمية استثنائية. إذا كانت قوة الاستقرار الدولية ستلعب دورا في الأمن، فإن السؤال ليس فقط من سيرسل الجنود. السؤال هو: تحت أي تفويض؟ من يحاسبهم؟ ما قواعد الاشتباك؟ هل يحمون المدنيين فقط؟ هل يشرفون على نزع السلاح؟ هل يراقبون الحدود؟ هل يستطيعون منع إعادة التسلح؟ وماذا يحدث إذا رفض أحد الأطراف التعاون؟
كل سؤال من هذه الأسئلة يمكن أن يصنع حربا جديدة إذا ترك غامضا. إن السلام ليس حفلا دبلوماسيا. إنه هندسة دقيقة للخوف. وعندما تفشل هذه الهندسة، يعود الخوف إلى الشوارع حاملا السلاح. هناك أيضا خطر سياسي آخر أكثر خفاء. إذا بدا أن واشنطن عاجزة عن إقناع إسرائيل بخطتها، فقد تتراجع هيبة الوساطة الأمريكية. وإذا بدا أن الخطة الأمريكية يمكن تعديلها أو تعطيلها من جانب واحد، فقد تفقد الأطراف الأخرى ثقتها بأن الولايات المتحدة قادرة على ضمان ما توقعه. وهنا تظهر مفارقة القوة العظمى: كلما كانت الولايات المتحدة أقوى عسكريا، لم يكن ذلك كافيا بالضرورة لجعل اتفاق السلام أكثر قوة. فالنفوذ ليس هو السيطرة. والقدرة على الضغط ليست هي القدرة على صناعة الشرعية. والشرعية هي المادة الخفية التي تجعل الاتفاق يعيش بعد رحيل المفاوضين. إذا فشلت واشنطن في تحويل الخطة من وثيقة سياسية إلى آلية قابلة للتنفيذ، فقد تصبح «خطة السلام» مجرد اسم جميل لمرحلة جديدة من التفاوض. وإذا فشلت إسرائيل في رؤية الانسحاب كجزء من حل سياسي وليس فقط كخطر عسكري، فقد تجد نفسها أمام سؤال أصعب: كيف يتحول التفوق العسكري إلى استقرار سياسي؟
فالتاريخ الحديث مليء بقوى استطاعت أن تنتصر في المعركة ثم عجزت عن صناعة اليوم التالي. والانتصار العسكري، مهما كان ساحقا، لا ينتج وحده نظاما سياسيا مستقرا. أما حماس، فإن قبولها بالخطة، كما تفيد التقارير، لا يعني بالضرورة أن الطريق أصبح مفتوحا. فهناك فارق هائل بين قبول إطار سياسي وبين الاتفاق على التفاصيل التي تحدد مصير السلاح والسلطة والأمن ومستقبل القطاع. وهذا الفارق هو المكان الذي تختبئ فيه الشياطين. فالسلام الحقيقي يبدأ عندما تتحول الكلمات الكبرى إلى إجراءات صغيرة قابلة للقياس. من ينسحب؟ متى؟ إلى أين؟ من يراقب؟ من يحكم؟ من يدفع؟ من يعيد بناء المستشفيات؟ من يضمن فتح المدارس؟ من يضمن حرية الحركة؟ من يضمن ألا تتحول غزة إلى سجن آخر باسم الأمن؟ ومن يضمن في الوقت نفسه ألا تتحول غزة إلى منصة لإعادة بناء حرب جديدة؟ هذه ليست تفاصيل. هذه هي القضية كلها. ولعل أخطر ما في اللحظة الراهنة أن كل طرف يملك سببا قويا لعدم الثقة. إسرائيل تقول: لا يمكن أن ننسحب قبل أن نضمن ألا تعود حماس إلى التسلح. وحماس تستطيع أن تقول: لا يمكن أن نسلم كل أدوات القوة قبل أن نحصل على ضمان بأن الانسحاب سيحدث فعلا وأن الحرب لن تعود تحت ذريعة جديدة. وبين الجملتين يقف الشعب الفلسطيني، لا كطرف نظري في معادلة استراتيجية، بل كجسد بشري يدفع ثمن كل تأخير. وهنا ينبغي أن نخرج من اللغة العسكرية قليلا. فغزة ليست فقط مسألة صواريخ وأنفاق ومناطق عازلة. إنها أيضا مسألة ماء. غذاء. كهرباء. تعليم. صحة. بيوت. كرامة. مستقبل.
وإذا كان السلام لا يستطيع أن يعيد للطفل الفلسطيني معنى المدرسة، وللعائلة معنى البيت، وللمريض معنى المستشفى، وللشاب معنى المستقبل، فما الذي نكون قد أوقفناه بالضبط؟ ربما أوقفنا القتال مؤقتا. لكننا لم نوقف الحرب داخل الذاكرة. وهذه الحرب أخطر مما تبدو. لأن الحرب التي تنتهي في الميدان قد تستمر في الخيال. والطفل الذي يولد بين الركام قد يحمل الحرب معه حتى بعد أن تصمت المدافع. لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط حول نزع سلاح حماس. إنها حول نزع قدرة الحرب على إعادة إنتاج نفسها. وهذا لا يحدث بالجيش وحده. ولا بالشرطة وحدها. ولا بالمال وحده. بل بمشروع سياسي يجعل المستقبل أكثر جاذبية من الماضي. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: لكي تنزع سلاح جماعة مسلحة، عليك أحيانا أن تمنح المجتمع الذي أنتجها شيئا يستحق الدفاع عنه دون سلاح. إذا لم يحدث ذلك، فقد تنزع السلاح من يد وتجد فكرة السلاح قد انتقلت إلى يد أخرى. إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى هدنة جديدة بين حربين. إنه يحتاج إلى هندسة سياسية جديدة تمنع الحرب من أن تصبح النظام الطبيعي للحياة. والخطة الأمريكية، مهما كانت عيوبها، تواجه الآن امتحانها الحقيقي: ليس في قدرتها على إنتاج بيان، بل في قدرتها على تحويل التناقضات إلى مراحل، والمخاوف إلى ضمانات، والسلاح إلى قضية قابلة للرقابة، والانسحاب إلى عملية يمكن التحقق منها، والإعمار إلى مشروع سياسي لا إلى صدقة دولية. أما رفض نتنياهو، فإنه لا يعني بالضرورة نهاية المسار. لكنه يعني أن الطريق سيكون أكثر صعوبة، وأن الولايات المتحدة ستواجه اختبارا مباشرا لنفوذها، وأن أي تأخير في بناء آلية تنفيذية قد يفتح الباب أمام عودة منطق القوة إلى الواجهة.
وقد يكون أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الخلاف حول ترتيب الخطوات إلى خلاف حول مبدأ السلام نفسه. عندها لن تعود المشكلة: من ينزع السلاح أولا؟ بل ستصبح: هل ما زال هناك مشروع سياسي يستحق أن يسمى سلاما؟ هذا هو السؤال الذي سيحكم المرحلة المقبلة. فالسلام ليس أن يسكت السلاح. السلام هو أن يصبح السلاح أقل ضرورة. وليس أن تنسحب الجيوش فقط. بل أن يصبح وجودها أقل حاجة. وليس أن تنتهي المعركة. بل أن تفقد المعركة قدرتها على العودة. غزة اليوم تقف على حافة هذا الاختبار. وفي مكان ما بين الركام والدبلوماسية، بين الجنرال والمفاوض، بين الخوف والذاكرة، يقف سؤال أكبر من نتنياهو وحماس وترامب معا: هل تستطيع السياسة أن تصنع مستقبلا لا يحتاج فيه الفلسطيني إلى السلاح كي يشعر أن له مستقبلا، ولا يحتاج فيه الإسرائيلي إلى الحرب كي يشعر أنه آمن؟ إذا كانت الإجابة نعم، فثمة فرصة للسلام. أما إذا كانت الإجابة لا، فإن التاريخ سيضيف إلى قاموسه مصطلحا آخر: هدنة طويلة ترتدي ثياب السلام، بينما تخفي تحتها حربا لم تمت. وفي الشرق الأوسط، تكفي شرارة واحدة كي تستيقظ الوحوش التي ظن العالم أنها نامت.
📲 Partager sur WhatsApp