بقلم المحلل السياسي ماركو باراكو- إيطاليا(صياغة رئيسة تحرير الورقاء زكية لعروسي)
هناك قصص لا تعبر حياة أصحابها كما يعبر المسافر محطة، بل تدخل إلى صميم الحكاية الوطنية نفسها، وتعلق على جدار التاريخ مرآة لا يرى فيها الفرد وحده، بل ترى فيها البلاد وجهها وهي يتغير. وقصة سلمى الفتواكي من هذا النوع النادر. في الظاهر، تبدو الحكاية واضحة: شابة من أصول مغربية، تخرجت بتفوق من مدرسة المارشالات والضباط في فلورنسا، ثم بدأت في أغسطس 2026 خدمتها الفعلية في سلك الكارابينييري بمدينة ميلانو. مسار مهني ناجح، ونجاح شخصي يستحق التقدير. لكن هذا الوصف، على صحته، لا يبلغ قلب المسألة. فبعض السير الذاتية لا تظل ملكا لأصحابها. تتحول، من حيث لا يشعر أصحابها، إلى أسئلة معلقة فوق رأس المجتمع كله. وعندما ترتدي سلمى الزي الرسمي، فإنها لا ترتدي قطعة قماش فحسب؛ إنها تدخل في طبقة أخرى من المعنى، حيث يصبح الجسد الفردي حاملا لرمز الدولة، وحيث تتحول السيرة الشخصية إلى فصل صغير من سيرة أمة كاملة.
هنا بالضبط تبدأ الحكاية الحقيقية. فالزي العسكري ليس مجرد زي. إنه فكرة مضغوطة في هيئة بشرية. وحين ترتديه سلمى، يتغير السؤال من: من أين جاءت؟ إلى سؤال أشد عمقا وأقل قابلية للمراوغة: ماذا ستفعل بالمسؤولية التي وضعت بين يديها؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي. ليس الأصل. ولا الاسم. ولا الجهة التي جاءت منها العائلة. بل القدرة على حمل القانون دون أن يتحول القانون إلى قسوة، وحمل السلطة دون أن تتحول السلطة إلى امتياز، وحمل السلاح الرمزي للدولة دون أن ينسى الإنسان الذي يقف خلفه أنه موجود قبل كل شيء لخدمة الإنسان الآخر. وهنا تصبح قصة سلمى أكبر من قصة اندماج. إنها قصة انتقال من مجرد العيش داخل مجتمع إلى المشاركة في حمله. فالاندماج، في أكثر صوره سطحية، يعني أن يعيش الناس في الشوارع نفسها، وأن يركبوا القطارات نفسها، وأن يترددوا على المدارس والأسواق والمستشفيات نفسها. لكن المدن تستطيع أن تجمع ملايين البشر دون أن تجعل منهم مجتمعا واحدا.
المجتمع لا يولد من التقارب المكاني وحده. إنه يولد عندما يتحول الآخر من ساكن إلى شريك، ومن شريك إلى مسؤول، ومن مسؤول إلى شخص يستطيع أن يحمل جزءا من العبء العام. وهنا تكمن قوة الصورة التي تقدمها سلمى. إنها لا تدخل مؤسسة إيطالية لتظل فيها شاهدة على أصلها المغربي. إنها تدخلها لكي تصبح جزءا من عملها. وهذا فرق هائل. فالاندماج الذي يحتاج إلى أن يذكرنا كل يوم بأصل الإنسان لم يكتمل بعد. أما الاندماج الذي يصبح فيه الأصل مجرد فصل من السيرة، لا عنوانا أبديا لها، فقد بلغ مرحلة أكثر نضجا. لن تكون مهمة سلمى أن تمثل المغرب داخل إيطاليا، كما لن تكون مهمتها أن تمحو المغرب من ذاكرتها كي تصبح إيطالية. ستكون مهمتها، ببساطة أكثر وأصعب في الوقت نفسه، أن تكون كارابينييري. وهذه البساطة الظاهرة تحمل في داخلها فلسفة كاملة عن المواطنة. فالمواطنة ليست محوا للذاكرة. إنها تنظيم للذاكرة داخل مستقبل مشترك.
لا تطلب من الإنسان أن يدفن الجذور، بل أن يمنع الجذور من أن تتحول إلى جدران. والهوية، في هذا المعنى، ليست صندوقا مغلقا يضع فيه المرء اسم العائلة، ولغة الأجداد، وذاكرة المكان الأول ثم يقفل عليه. الهوية أشبه بنهر. لا يفقد النهر ماءه القديم لأن رافدا جديدا دخل إليه. على العكس، قد يصبح أكثر اتساعا وعمقا وقدرة على مواصلة الرحلة. إيطاليا نفسها تبدو اليوم مثل هذا النهر. بلد قديم بما يكفي لكي يحمل ذاكرة هائلة، ومتغير بما يكفي لكي لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد داخل الصورة التي رسمها لنفسه في القرن الماضي. ولهذا تبدو مؤسسة الكارابينييري، بتاريخها الممتد منذ 1814، أمام اختبار بالغ الدلالة. فالمؤسسة العريقة ليست حية لأنها لم تتغير. إنها حية لأنها تغيرت دون أن تفقد جوهرها. وهنا يكمن الفرق بين التقليد والجمود. التقليد جذور. أما الجمود فهو الخوف من أن تنبت للجذور أغصان جديدة. مؤسسة لا تتغير تصبح متحفا لماضيها. أما المؤسسة التي تحافظ على قيمها وهي تستوعب التحولات الاجتماعية، فإنها تثبت أن الماضي يمكن أن يكون أساسا للمستقبل لا سجنا له.
ولعل هذا ما يجعل وجود سلمى داخل الكارابينييري أكثر دلالة مما يبدو في الخبر الأول. إنها لا تدخل مؤسسة بلا ذاكرة. إنها تدخل واحدة من أكثر المؤسسات الإيطالية كثافة بالرموز التاريخية. هناك، يصبح الزي امتدادا للدولة، وتصبح الرتبة عنوانا للمسؤولية، ويصبح القسم عهدا لا يخص صاحبه وحده. ولهذا فإن دخول شخص من خلفية مهاجرة إلى مثل هذه المؤسسة لا يبقى مجرد تفصيل ديموغرافي. إنه لحظة رمزية تعيد ترتيب المسافة بين الفرد والدولة. فما دام الإنسان يقف خارج المؤسسة، يمكن للمجتمع أن يستمر في النظر إليه بوصفه “آخر”. لكن ما إن يدخل إليها ويصبح زميلا، ثم مسؤولا، ثم ممثلا للدولة، حتى يبدأ شيء خفي في الانهيار: الحاجز النفسي الذي كان يفصل “نحن” عن “هم”. تلك الحدود التي تبدو في الخطابات السياسية صلبة كالجدران، قد تسقط أحيانا ببطء شديد، عبر وجه بشري واحد. ولهذا فإن أقوى صور الاندماج ليست تلك التي تصنع منها الاحتفالات الكبيرة. بل تلك التي تصبح بعد سنوات أمرا عاديا. عندما لا يعود أحد يلتفت إلى أن كارابينييري من أصول مغربية. عندما تصبح المسألة ببساطة أن هناك كارابينييري يؤدي واجبه. هنا تبلغ عملية الاندماج ذروتها.
فنجاح الاندماج ليس في أن يظل المختلف مختلفا بطريقة احتفالية، بل في أن يصبح وجوده داخل الجماعة أمرا طبيعيا إلى الدرجة التي يفقد فيها اختلافه القدرة على أن يكون خبرا. وهذه مفارقة عميقة. فالنجاح النهائي للاندماج هو أن يتوقف عن الحاجة إلى أن يسمى اندماجا. ميلانو، في هذا السياق، ليست مجرد مكان لخدمة سلمى. إنها مسرح بالغ الرمزية. مدينة تتحرك فيها لغات وثقافات وذاكرات متعددة، وتلتقي فيها وجوه جاءت من ضفاف بعيدة ثم استقرت في المكان نفسه. مدينة تبدو كأنها مختبر يومي لإيطاليا الجديدة. وفي هذه المدينة، تمشي امرأة من أصول مغربية مرتدية زي الكارابينييري. لكن الصورة الأكثر قوة ليست في غرابتها. بل في احتمال أن تفقد غرابتها.
فالتاريخ لا يتغير فقط في اللحظات التي تصفق لها الجماهير. أحيانا يتغير في صباح عادي. تدخل سلمى مركز خدمتها. تؤدي واجبها. تستمع إلى مواطن. تتخذ قرارا. تتعامل مع مشكلة. ثم تعود إلى بيتها. لا كاميرات. لا خطب. لا عناوين ضخمة. ومع ذلك، ربما تكون هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع التاريخ الحقيقي. فالمجتمعات لا تتغير فقط عندما تعلن تغيرها. إنها تتغير عندما يصبح التغيير جزءا من يومها العادي. وهنا تتحول قصة سلمى إلى سؤال فلسفي عن معنى الانتماء نفسه. هل الانتماء شيء يولد مع الإنسان؟ أم شيء يستطيع أن يبنيه؟ ربما يكون الجواب أكثر تعقيدا من الاثنين معا. فالإنسان يولد بذاكرة، لكنه يستطيع أن يضيف إليها ذاكرة جديدة. يولد باسم، لكنه يستطيع أن يصنع لهذا الاسم معنى جديدا. يأتي من مكان، لكنه يستطيع أن يجعل من مكان آخر جزءا من مصيره.
الانتماء، إذن، ليس خيانة للأصل. إنه توسيع لدائرته. وهذا هو الفارق بين محو الهوية وبناء الهوية. المحو يقول للإنسان: لكي تصبح واحدا منا، يجب أن تنسى من كنت. أما الانتماء فيقول له: احتفظ بذاكرتك، لكن شاركنا مستقبلنا. ومن هنا، فإن قصة سلمى لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها حكاية عن “مغربية أصبحت إيطالية”، لأن هذه الصياغة نفسها تختزل الإنسان في جواز سفر قديم. الأعمق من ذلك أن نقول: امرأة تحمل ذاكرة عائلية مغربية أصبحت جزءا من مسؤولية إيطالية مشتركة. إنها لا تمحو ضفة لكي تختار ضفة أخرى. إنها تجعل الضفتين تلتقيان داخل سيرة واحدة. وكأن البحر المتوسط، الذي طالما صور في السياسة باعتباره حدا يفصل، يصبح هنا جسرا صامتا. البحر الذي كان يرسم فاصلا بين عالمين يتحول فجأة إلى خلفية لقصة تقول إن التاريخ لا يعرف دائما الحدود التي نرسمها له. وفي هذا المعنى، تبدو سلمى كأنها نقطة التقاء بين زمنين.
هناك إيطاليا القديمة، التي أسست مؤسسة الكارابينييري سنة 1814. وهناك إيطاليا الجديدة، التي تحمل في شوارعها وجامعاتها ومؤسساتها أبناء عائلات جاءت من مناطق متعددة من العالم. وبين الاثنين تقف سلمى. لا باعتبارها جسرا مصنوعا من الشعارات. بل باعتبارها إنسانا يؤدي وظيفة حقيقية. وهذا هو الجانب الأكثر ذكاء في رمزيتها. أنها لا تحتاج إلى أن تكون رمزا طوال الوقت. إنها تحتاج فقط إلى أن تكون كفؤة. أن تعرف القانون. أن تحترم المواطن. أن تتحمل المسؤولية. أن تعرف متى تكون السلطة حازمة، ومتى يكون الإنسان بحاجة إلى الإصغاء. عندها فقط تصبح الهوية العامة أقوى من كل النقاشات النظرية. فالدولة لا تسأل موظفها كل صباح عن شجرة نسبه. الدولة تسأله: هل تستطيع أن تحمل الأمانة؟ وهذا السؤال، في جوهره، أكثر عدلا من كل الأسئلة التي يمكن أن يطرحها المجتمع عن الأصل والعرق واللغة والاسم.
ربما لهذا السبب تحديدا تحمل قصة سلمى معنى يتجاوز مسألة الهجرة. إنها تعيد صياغة علاقة الإنسان بالدولة. فالإنسان المهاجر كثيرا ما يوضع في الخطاب العام في موقع من يتلقى: يتلقى الحماية، والتعليم، والخدمات، والفرص. لكن اللحظة التي يصبح فيها قادرا على أن يقدم للدولة، لا أن يتلقى منها فقط، تغير المعادلة كلها. عندها يصبح جزءا من مصدر الشرعية الاجتماعية للمؤسسة نفسها. وعندها لا يعود السؤال: ماذا فعلت الدولة من أجله؟ بل يصبح أيضا: ماذا يفعل هو من أجلها؟ هذه هي المواطنة عندما تتخلص من اللغة البيروقراطية وتعود إلى معناها الأخلاقي. مسؤولية قبل أن تكون امتيازا. خدمة قبل أن تكون مكانة. واجب قبل أن تكون صورة. ولعل هذا هو السبب في أن الزي الذي ترتديه سلمى لا يخفي أصولها. بل يضعها داخل سياق أكبر. الزي لا يقول إن الماضي لم يعد موجودا. بل يقول إن الماضي يستطيع أن يدخل الحاضر دون أن يظل سجينا له. وهذه واحدة من أجمل صور التعايش بين الذاكرة والحداثة. فالتاريخ ليس مقبرة. إنه كائن حي. والمؤسسات التي تعرف كيف تحمل تاريخها دون أن تخاف من المستقبل، هي وحدها التي تستطيع أن تستمر.
لهذا يمكن النظر إلى قصة سلمى باعتبارها اختبارا صغيرا لشيء أكبر بكثير: هل تستطيع إيطاليا أن ترى نفسها لا بوصفها دولة لها ماض واحد، بل بوصفها دولة لها ماض يتسع كلما دخل إليه مواطنون جدد؟ إذا كان الجواب نعم، فإن المستقبل لن يكون قطيعة مع الماضي. سيكون امتدادا له. وسوف تصبح المؤسسات أكثر شبها بالمجتمع الذي تخدمه. وهنا يكمن المعنى الأعمق. إيطاليا لا تخسر شيئا عندما تدخل سلمى إلى صفوف الكارابينييري. إنها تضيف إلى صورتها. والمؤسسة لا تتنازل عن هيبتها عندما تحمل امرأة من أصول مغربية زيها. بل تختبر قدرتها على أن تكون مؤسسة دولة بالفعل، لا مؤسسة تنتمي إلى زمن واحد أو صورة واحدة عن الشعب. لقد اعتدنا أن نتخيل التغيير باعتباره عاصفة تهب على المؤسسات من الخارج. لكن قصة سلمى تقدم صورة أكثر هدوءا وأشد عمقا. التغيير قد يدخل من الباب. قد يحيي التحية العسكرية. قد يؤدي القسم. قد يحمل رتبة. ثم يبدأ العمل. وهكذا لا تأتي الحداثة دائما لتكسر أبواب الماضي. أحيانا تدخل إليه بهدوء، وتجلس في مقاعده، وتتعلم لغته، ثم تعيد تعريفه من الداخل.
هذه هي قوة القصة. ليست في أن امرأة مغربية الأصل أصبحت كارابينييري. بل في أن هذه المرأة، بمجرد أن تبدأ خدمتها، تصبح جزءا من حكاية أوسع من أصلها. تصبح إيطالية في المسؤولية دون أن تكون مطالبة بأن تصبح بلا ماض. وتصبح مغربية في الذاكرة دون أن تكون مطالبة بأن تبقى خارج الحاضر الإيطالي. هنا فقط يتوقف المتوسط عن كونه خطا فاصلا. يصبح ذاكرة مشتركة. ويصبح الاختلاف، بدلا من أن يكون جدارا، طبقة جديدة في بناء الهوية. لذلك فإن قصة سلمى الفتواكي ليست قصة استثناء ينبغي أن يظل الناس يحدقون فيه. إنها قصة نجاح ينبغي أن نعرف أن نهايتها الحقيقية ستكون يوم تصبح عادية. يوم لا يقول أحد: “انظروا، كارابينييري من أصول مغربية”. بل يقول ببساطة: “هناك كارابينييري يقوم بواجبه.” في تلك اللحظة تحديدا سيكون شيء عميق قد حدث. سيكون الاندماج قد انتقل من الخطاب إلى الحياة. ومن الفكرة إلى العادة. ومن العادة إلى البديهة. وحين تصبح البديهة هي اللغة الجديدة، لا يعود الاندماج مشروعا سياسيا. يصبح واقعا اجتماعيا.
ولعل أجمل ما في هذه القصة أن الزي لا يمحو الأصل، بل يمنحه مكانا داخل رواية أكبر. امرأة جاءت عائلتها من الضفة الأخرى للمتوسط. ومؤسسة ولدت قبل أكثر من قرنين. وزمنان كان يمكن أن يبدوا متباعدين. لكن التاريخ، حين يكون حيا، يعرف كيف يجعل البعيدين يلتقيان. فتلتقي سيرة عائلة مغربية بسيرة دولة إيطالية. ويلتقي البحر باليابسة. ويلتقي الماضي بالمستقبل. ويلتقي الإنسان بالمؤسسة. ثم، في لحظة تبدو عادية تماما، تمشي سلمى في أحد شوارع ميلانو مرتدية زي الكارابينييري. ولا يحدث شيء استثنائي. وهذا بالضبط هو الاستثناء. أن يصبح المستحيل، بعد وقت طويل، عاديا. أن يصبح القادم من بعيد جزءا من المشهد. أن تصبح الذاكرة الخاصة جزءا من الذاكرة العامة. وأن يكتشف الوطن، من خلال وجه جديد، أن اتساعه لا ينتقص من هويته، بل يكشف مقدار قوتها. عندها فقط يمكن القول إن الزي لم يلغ الأصل. لقد فعل شيئا أعمق. لقد حول الأصل إلى فصل من كتاب واحد. كتاب اسمه الانتماء.
📲 Partager sur WhatsApp