بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك لحظات تبدو فيها الأرض كأنها استيقظت من نوم جيولوجي طويل، فتفتح عيناها في كولومبيا، وترفع حاجبها في اليابان، وتحرك كتفها في فنزويلا، ثم تهمس بالقرب من نابولي عند حقول فليغري. وفي غضون أسابيع قليلة، تهتز أماكن متباعدة من الكوكب، فتستيقظ في الإنسان غريزة قديمة: حين تتكرر الأشياء، نبحث عن مؤامرة بينها. وهكذا، حين يقع زلزال قوي في كولومبيا بعد زلزالين كبيرين في اليابان وفنزويلا، وتظهر في الوقت نفسه هزات صغيرة حول حقول فليغري البركانية في إيطاليا، يبدو المشهد من بعيد وكأن الأرض قد قررت أن تضرب الطاولة كلها دفعة واحدة. لكن الأرض لا تفكر بهذه الطريقة. ولا تعرف الجغرافيا السياسية. ولا تقرأ الصحف. ولا تنتظر أن تتزامن عناوين الأخبار لكي تبدأ في الحركة. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
من السهل جدا أن نرى كوكبنا ككرة واحدة ضخمة، ثم نستنتج أن ما يحدث في نقطة منه يمكن أن يوقظ نقطة أخرى. لكن الأرض، في عمقها، ليست كرة متماسكة بالمعنى الذي نتخيله. إنها فسيفساء هائلة من الصفائح التكتونية، تتحرك ببطء يكاد يكون مهينا للعين البشرية، لكنها تحمل في بطئها قوة قادرة على رفع جبال، وفتح محيطات، وابتلاع قارات، وتغيير وجه الخرائط. القارة التي تبدو لنا ثابتة كأنها جزء من الأبد، تتحرك في الحقيقة. والجبل الذي نراه شامخا كأنه قرار إلهي نهائي، ليس سوى جملة مؤقتة في كتاب جيولوجي لا يزال يكتب نفسه. والمدينة التي نظن أنها مستقرة فوق الأرض ليست مستقرة تماما. إنها تجلس فوق تاريخ من الحركة. نحن فقط لا نشعر بها لأنها أبطأ من أعصابنا.
الزلزال الكولومبي، وفقا للشرح العلمي الوارد في التقرير، يختلف في آليته وعمقه عن الزلزال الفنزويلي. وهذه ليست ملاحظة تقنية صغيرة. إنها مفتاح القصة كلها. فالزلزال لا يعرف الحدود التي رسمها الإنسان على الخريطة. لكن هذا لا يعني أن كل زلزال يعرف كل زلزال آخر. في كولومبيا، كان الحديث عن زلزال على عمق يتجاوز مئة كيلومتر، في سياق يرتبط على الأرجح بتشوه جزء من صفيحة محيطية في الأعماق. أما في فنزويلا، فالسياق التكتوني مختلف، ويرتبط بتفاعل صفائح في منطقة تختلف في بنيتها وآليتها. واليابان، من جهتها، تعيش فوق واحدة من أكثر المناطق التكتونية نشاطا على الأرض، حيث تتقابل الصفائح وتندس إحداها تحت الأخرى في عملية جيولوجية مستمرة منذ ملايين السنين. فأن تقع هزة قوية في اليابان، ثم أخرى في فنزويلا، ثم ثالثة في كولومبيا، لا يعني أن الزلازل الثلاثة تتحدث فيما بينها بلغة سرية. إنه أشبه بأن نرى ثلاث جبال تنفث الدخان في أيام متقاربة، فنقرر أن الجبال أرسلت لبعضها برقية. التزامن ليس دائما سببية. وهذه قاعدة لا تخص الزلازل وحدها. إنها من أكثر القواعد التي يسيء الإنسان فهمها في الحياة.

العقل البشري لا يحب المصادفة. المصادفة بالنسبة إلى العقل كغرفة مظلمة بلا أثاث. نحن نريد أن نجد فيها شيئا. نقطة. خطا. علاقة. سببا. حتى عندما لا يكون هناك سبب. ولهذا تنشأ بسرعة تلك الفكرة الساحرة والخطيرة معا: “هناك شيء يحدث في باطن الأرض”. لكن العلم أكثر تواضعا من الخيال. العالم الزلزالي لا يقول: بما أن ثلاثة زلازل وقعت في فترة قصيرة، إذن الأرض تمر بمرحلة استثنائية. بل يسأل: ما العمق؟ ما نوع الصفيحة؟ ما طبيعة الصدع؟ ما الآلية؟ ما التاريخ الزلزالي للمنطقة؟ هل هناك تغير إحصائي حقيقي؟ وهل يمكن أن يكون ما نراه مجرد انعكاس لقدرتنا المتزايدة على الرصد؟ هذه الأسئلة أقل إثارة من نظريات الكارثة، لكنها أكثر احتراما للحقيقة.
وهنا تظهر مفارقة مذهلة. ربما ليست الأرض هي التي أصبحت أكثر صخبا. ربما نحن الذين أصبحنا أكثر قدرة على الإصغاء. قبل عقود، كانت هزات صغيرة تمر في أعماق الأرض دون أن تجد أذنا بشرية تلتقطها. أما اليوم، فشبكات الرصد الزلزالي أكثر حساسية واتساعا. أصبح الجهاز الذي كان بالأمس يصمت أمام ارتعاشة صغيرة قادرا اليوم على تسجيلها، تحديد موقعها، حساب عمقها، وإدخالها في قواعد بيانات عالمية. وهكذا يبدو لنا أن الأرض أصبحت أكثر نشاطا، بينما قد يكون الذي تغير هو أذن الإنسان. وهذه واحدة من أكثر المفارقات الفلسفية جمالا في العلم: حين تصبح أدواتنا أكثر دقة، لا نكتشف بالضرورة أن العالم تغير.
قد نكتشف فقط أننا كنا نعيش فوق عالم لم نكن نراه. ثم تأتي إيطاليا لتضيف فصلا آخر إلى الحكاية. حول حقول فليغري، شمال غرب نابولي، تظهر هزات صغيرة مرتبطة بالنشاط البركاني. وهنا أيضا لا يجوز وضع كل شيء في سلة واحدة. الزلزال التكتوني ليس هو الهزة البركانية. الأرض لها لغات متعددة. لغة الصفائح. لغة الصدوع. لغة الصهارة. لغة الضغط. لغة السوائل التي تتحرك في الأعماق. وقد تبدو كلها لنا، من سطح الأرض، مجرد شيء واحد: اهتزاز. لكن العالم الذي تحت أقدامنا أكثر تعقيدا من أن يختصر في كلمة واحدة. إنها مثل مدينة ضخمة في الليل. من بعيد نرى أضواءها فقط. لكن خلف كل ضوء غرفة، وخلف كل غرفة قصة، وخلف كل قصة نظام كامل من الحركة.

هنا ينبغي أن نكون حذرين. العلم لا يمنحنا، حتى الآن، سببا للقول إن الأرض دخلت مرحلة عامة وغير طبيعية من النشاط الزلزالي. والقول إن ثلاثة زلازل قوية وقعت في فترة زمنية قصيرة لا يكفي لإثبات وجود دورة عالمية جديدة. بل إن سجلات الزلازل الطويلة تشير إلى أن ما نراه يمكن أن يكون ضمن التذبذبات الطبيعية للنشاط الزلزالي، بينما ارتفاع عدد الأحداث الصغيرة المسجلة يعود جزئيا إلى التحسن الكبير في أدوات الرصد. وهذه النقطة بالذات تستحق أن نتوقف عندها. لأن الإنسان المعاصر يعيش وسط وفرة هائلة من المعلومات. كل اهتزاز يصبح خبرا. كل بركان يصبح صورة. كل سحابة رماد تتحول إلى فيديو. كل هزة صغيرة يمكن أن تظهر على شاشة هاتف في غضون دقائق. لقد أصبح الكوكب كله تقريبا شاشة مراقبة. وهذا يمنحنا شعورا مضللا بأن الأشياء تحدث أكثر، بينما بعضها لم يصبح أكثر حدوثا، وإنما أصبح أكثر ظهورا
من السهل سياسيا وإعلاميا أن نقول إن “الأرض تغضب”. لكن الأرض لا تغضب. وهذه ربما أهم جملة في القصة. الغضب مفهوم بشري. أما الصفائح فلا تغضب. إنها تتحرك. والصخور لا تنتقم. إنها تنكسر عندما يتجاوز الإجهاد قدرتها على الاحتمال. والبركان لا يثور احتجاجا على البشر. إن الضغط والحرارة والغازات والصهارة تتفاعل وفق قوانين فيزيائية عمرها أقدم من كل الحضارات التي عرفناها. نحن نميل إلى أنسنة الطبيعة لأننا لا نحتمل برودتها العلمية. نقول: الأرض غاضبة. الأرض تحذرنا. الأرض تنتقم. لكن الأرض لا تفكر فينا أصلا. وهذا هو الجانب الأكثر رعبا وجمالا في آن واحد.
نحن نبني المدن ونحفر الأنفاق ونرفع الأبراج ونمد السكك الحديدية ونرسم الحدود السياسية ونضع قوانين الملكية. ثم تأتي هزة مدتها ثوان قليلة لتذكرنا بأن كل هذا البناء الحضاري قائم فوق نظام أقدم منا بمليارات السنين. الزلزال ليس عدوا بالمعنى العسكري. لا يمكن التفاوض معه. لا يمكن ردعه. لا يمكن تهديده بالعقوبات. ولا يمكن إقناعه بأن الحدود الدولية تمنع انتقال الطاقة. إنه تذكير فج ومباشر بأن الإنسان، رغم كل تقدمه، لا يزال ضيفا على كوكب لم يخترعه. لكن هنا بالذات تكمن قيمة العلم. العلم لا يمنع الزلزال دائما. لكنه يعلمنا كيف نفهمه. وكيف نبني أفضل. وكيف نرصد. وكيف نحذر. وكيف نخفض عدد الضحايا. وهذا ربما أهم من محاولة اختراع نبوءة عن موعد الزلزال القادم.
بل: هل نحن مستعدون عندما تتحرك؟ الأرض ستتحرك. لقد تحركت قبل ظهور الإنسان، وستتحرك بعده. السؤال الحضاري الحقيقي ليس هل سيقع زلزال آخر. سيحدث ذلك بلا شك. السؤال هو: ماذا فعلنا قبل أن يحدث؟ هل مبانينا مصممة لتحمل الاهتزاز؟ هل أنظمة الإنذار فعالة؟ هل المستشفيات مستعدة؟ هل المدارس تعرف ماذا تفعل؟ هل الناس يعرفون أين يختبئون وكيف يخرجون؟ هل المدن التي تنمو بسرعة تضع الجيولوجيا في حساباتها؟ هنا تنتقل المسألة من الجغرافيا إلى السياسة. ومن العلم إلى المسؤولية. ومن الزلزال إلى الدولة. فالزلزال الطبيعي قد لا يكون قابلا للمنع، لكن حجم الكارثة ليس طبيعيا بالكامل. البناء الرديء قرار. غياب التخطيط قرار. إهمال التحذيرات قرار. وعدم الاستثمار في الوقاية قرار. ولهذا فإن أعظم انتصار على الزلزال ليس أن نمنعه من الحدوث. بل أن نمنعه من تحويل ثوان قليلة من الحركة الجيولوجية إلى عقود من المأساة الإنسانية.
قد تكون الأرض اليوم هادئة أكثر مما نظن. وقد تكون صاخبة أكثر مما نسمع. لكن ما نعرفه علميا هو أن تزامن الزلازل في كولومبيا واليابان وفنزويلا لا يكفي للقول إن بينها رابطا مباشرا، وأن النشاط البركاني في حقول فليغري ينتمي إلى سياق مختلف، وأن ارتفاع عدد الهزات الصغيرة المسجلة لا يعني بالضرورة ارتفاعا حقيقيا في النشاط الزلزالي العالمي. أما ما لا يمكن أن ننكره فهو شيء أكثر عمقا: أننا نعيش فوق كوكب حي جيولوجيا، لا يعرف السكون إلا بوصفه فاصلا قصيرا بين حركتين. نحن نطلق على الأرض اسم “اليابسة” لأن أقدامنا تحتاج إلى كلمة تطمئنها. لكن اليابسة ليست ثابتة. إنها فقط بطيئة. والجبل ليس ساكنا. إنه يتحرك ببطء لا تستطيع أعيننا أن تراه. والقارة ليست راسخة في مكانها. إنها سفينة حجرية ضخمة تبحر فوق محيط من الحركة. أما نحن، سكان السطح، فنقف فوق هذه السفينة ونختلف على الحدود والسياسة والمال والسلطة، بينما تحتنا، في الظلام العميق، تستمر الصفائح في رحلتها القديمة، صامتة، بطيئة، لا تكترث بخرائطنا. وحين ترتجف الأرض، ولو لثوان قليلة، فإنها لا ترسل إلينا رسالة. إنها فقط تذكرنا بأن الرسالة الحقيقية كانت موجودة منذ البداية: نحن لا نملك الأرض. نحن نسكن فوق حركة لا نراها.
📲 Partager sur WhatsApp