بقلم الإعلامي حيمري البشير – كوبنهاكن
تعيش منطقة المغرب العربي مرحلة دقيقة تتقاطع فيها ملفات التاريخ والجغرافيا والسياسة والأمن، وتعود معها إلى الواجهة قضية الحدود التي رسمها الاستعمار الفرنسي، وما خلفه من إرث جغرافي وسياسي لم تتمكن دول المنطقة، منذ استقلالها، من إغلاق ملفاته بصورة نهائية. وفي خضم التوتر المتصاعد بين المغرب والجزائر، وتدهور العلاقات الجزائرية الفرنسية، والتحولات التي تعرفها مواقف عدد من القوى الدولية تجاه قضايا المنطقة، بدأت تظهر أسئلة تتجاوز قضية الصحراء المغربية بمعناها التقليدي، لتلامس سؤالا أعمق: هل نحن أمام إعادة فتح شاملة لملفات الحدود التي تركها الاستعمار وراءه؟ الحديث المتداول عن وجود وثائق تاريخية تتعلق بالحدود المغربية الجزائرية، وعن إمكانية وضعها أمام دوائر القرار في واشنطن، يحتاج إلى تدقيق وتمحيص، ولا يمكن التعامل معه كحقيقة نهائية قبل ظهور الوثائق نفسها ومصادرها الرسمية. لكن مجرد عودة هذا الملف إلى النقاش السياسي والإعلامي يكشف أن قضية الحدود لم تفقد حساسيتها، وأن التاريخ ما زال حاضرا بقوة في صناعة حاضر المنطقة ومستقبلها.
من أخطر ما خلفه الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا أنه لم يترك حدودا إدارية فقط، بل ترك وراءه أسئلة معلقة حول مناطق جرى ضمها إلى المجال الإداري للجزائر الفرنسية، في فترات لم تكن فيها الدول المغاربية قد استقلت بعد، ثم وجدت الدول المستقلة نفسها أمام خرائط جديدة ووقائع جغرافية موروثة. وهنا تكمن حساسية الملف. فأي محاولة لإعادة فتح الحدود التاريخية لا يمكن أن تكون مسألة ثنائية بسيطة بين دولتين، لأنها قد تفتح الباب أمام نقاشات أوسع في المنطقة، خصوصا إذا انتقلت المسألة من المطالب السياسية إلى البحث في الوثائق الاستعمارية والاتفاقيات والخرائط التي سبقت الاستقلال. ولهذا فإن الحكمة تقتضي عدم الاستهانة بالملف، كما تقتضي في الوقت نفسه عدم تحويله إلى وقود لمواجهة مفتوحة بين الشعوب.

الولايات المتحدة تنظر إلى شمال إفريقيا باعتباره فضاء استراتيجيا يرتبط بالأمن والطاقة والهجرة ومكافحة الإرهاب والتنافس الدولي في البحر المتوسط وإفريقيا. ومن ثم فإن أي تحول في المقاربة الأمريكية تجاه الجزائر سيكون له أثر يتجاوز العلاقات الثنائية. لكن من الخطأ بناء تحليل سياسي جاد على عبارات متداولة أو تسريبات غير موثقة حول أن الجزائر ستكون حتما المحطة المقبلة في مواجهة أمريكية مع الأنظمة الاستبدادية. السياسة الدولية لا تتحرك بهذه البساطة، والمواقف الأمريكية تتغير بحسب المصالح والظروف والملفات المطروحة. ومع ذلك، فإن تزايد الضغوط الدولية على الدول التي لا تنسجم سياساتها مع التحولات الجيوسياسية الجديدة يمكن أن يفرض على الجزائر مراجعة عدد من حساباتها، خصوصا في ظل التحولات المتسارعة في منطقة الساحل، وتنامي الحضور الروسي والصيني، وتزايد أهمية المغرب بالنسبة إلى الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين.
العلاقة بين باريس والجزائر لم تعد مجرد علاقة متوترة بسبب ملف واحد. إنها علاقة تحمل فوق ظهرها إرثا ثقيلا من التاريخ والذاكرة والمصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية. وقد أصبح واضحا أن الخلافات بين الطرفين تتجاوز التصريحات الدبلوماسية المتبادلة، لتصل إلى ملفات ترتبط بالهجرة والطاقة والذاكرة الاستعمارية والمصالح في إفريقيا، فضلا عن الموقف الفرنسي المتغير تجاه قضية الصحراء المغربية. وإذا كانت باريس قد اقتربت بصورة واضحة من الموقف المغربي في قضية الصحراء، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تستعد لكشف ما يسمى بالوثائق السرية التي تثبت مغربية مناطق معينة بصورة تلقائية. مثل هذه الملفات تحتاج إلى أدلة منشورة، ومصادر رسمية، وقراءة قانونية وتاريخية دقيقة القوة الحقيقية للموقف المغربي لا تحتاج إلى المبالغة في الأخبار غير المؤكدة، بل تحتاج إلى إبراز الوثائق التاريخية والقانونية الموثوقة، ووضعها أمام الرأي العام الدولي والمؤسسات المعنية.
أما التقارب الجزائري الإسباني، فينبغي قراءته بمنطق المصالح لا بمنطق التحالفات الدائمة. الطاقة كانت ولا تزال عاملا مركزيا في العلاقات بين الجزائر وإسبانيا، والغاز الجزائري يمثل ورقة اقتصادية مهمة في العلاقة بين البلدين. لكن تحويل كل اتفاق اقتصادي إلى صفقة سياسية موجهة ضد المغرب قد يؤدي إلى تبسيط مشهد بالغ التعقيد. الدول لا تتحرك بدافع الصداقة أو العداء فقط، بل تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: من مع الجزائر ومن مع المغرب؟ بل: كيف تعيد كل دولة ترتيب مصالحها في منطقة تتغير فيها موازين القوى بسرعة غير مسبوقة؟
المغرب اليوم أمام فرصة حقيقية لتعزيز موقفه، ليس من خلال التصعيد غير المحسوب، وإنما من خلال القوة الهادئة التي تجمع بين الدبلوماسية والوثيقة التاريخية والقانون الدولي والشراكات الاستراتيجية. فإذا كانت هناك وثائق تاريخية حقيقية تتعلق بالحدود، فإن أفضل مكان لها ليس منصات التواصل الاجتماعي، وإنما الأرشيفات والمؤسسات الأكاديمية والمحاكم والهيئات الدولية ومراكز البحث. الوثيقة هي التي تتحدث. والخريطة المؤرخة هي التي تقدم حجتها. والاتفاقية الموقعة هي التي تؤسس للموقف القانوني. أما الخطاب السياسي، مهما كان قويا، فلا يستطيع أن يحل محل الدليل.
الحديث عن “ضربة قاضية” للنظام الجزائري قد يكون جذابا من الناحية الإعلامية، لكنه لا يعكس بالضرورة تعقيدات السياسة الدولية. الأنظمة السياسية لا تسقط بمجرد ظهور وثيقة أو تغير موقف دولة كبرى. التحولات الكبرى تحتاج إلى تراكمات سياسية واقتصادية ودبلوماسية وشعبية، وإلى تغير في موازين القوى. لكن يمكن القول إن الجزائر تواجه بيئة إقليمية ودولية أكثر تعقيدا من السابق، وأن استمرار القطيعة مع المغرب، وغياب آلية سياسية فعالة لمعالجة الملفات العالقة، يضع المنطقة كلها أمام مخاطر لا يستفيد منها أحد. وإذا كانت قضية الصحراء قد أصبحت اليوم محور التحولات الدبلوماسية في شمال إفريقيا، فإن قضية الحدود التاريخية قد تتحول، إذا أسيء التعامل معها، إلى ملف أكثر خطورة وأوسع نطاقا.
هنا تظهر خطورة أخرى. إذا أصبحت الحدود التي رسمها الاستعمار موضوعا للمراجعة السياسية، فإن النقاش لن يتوقف بالضرورة عند الحدود المغربية الجزائرية. قد تظهر في المستقبل نقاشات تتعلق بحدود أخرى في المنطقة، سواء بين الجزائر وتونس أو الجزائر وليبيا، بحسب ما قد تثيره الدراسات التاريخية والوثائق والأرشيفات. ولهذا فإن المسؤولية التاريخية والسياسية تفرض على حكومات المنطقة أن تتعامل مع هذا الإرث بمنتهى الحكمة. فالحدود ليست خطوطا مرسومة على الخرائط فقط. إنها أمن شعوب، واستقرار دول، ومصالح اقتصادية، وذاكرة جماعية. وأي محاولة لتحويل الملفات الحدودية إلى أدوات للصراع السياسي قد تجعل منطقة المغرب العربي كلها رهينة لنزاعات لا نهاية لها.
المغرب لا يحتاج إلى حرب جديدة في المنطقة. والجزائر لا تحتاج إلى حرب جديدة. وتونس وليبيا وموريتانيا لا تحتاج إلى نزاعات حدودية جديدة. الشعوب المغاربية تحتاج إلى شيء واحد: الحقيقة والعدالة والاستقرار. إذا كانت هناك وثائق تثبت حقوقا تاريخية، فلتعرض أمام المؤسسات المختصة. وإذا كانت هناك اتفاقيات دولية تحدد الحدود، فلتطبق. وإذا كانت هناك خلافات، فليكن التحكيم الدولي والقانون الدولي هما الفيصل. أما الاستمرار في سياسة التوتر والتصعيد الإعلامي وتبادل الاتهامات، فلن يؤدي إلا إلى استنزاف المنطقة وإضاعة فرص التنمية والتعاون. إن المنطقة تقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. إما أن تتحول الخلافات التاريخية إلى وقود لصراعات جديدة، وإما أن تتحول الوثائق والخرائط والأرشيفات إلى أدوات لبناء سلام مغاربي يقوم على الحقيقة والقانون وحسن الجوار. وهنا بالذات تظهر مسؤولية النخب السياسية والفكرية والإعلامية. ليس المطلوب إشعال الشارع، ولا صناعة حرب نفسية، ولا إطلاق أخبار غير موثقة. المطلوب هو البحث. والتوثيق. والحجة. والهدوء. والدبلوماسية. فالمعركة الحقيقية في عالم اليوم تحسمها الوثائق والتحالفات والمؤسسات والقانون. وإذا كان التاريخ قد ترك للمنطقة ملفات مفتوحة، فإن مسؤولية جيلنا ليست تحويلها إلى حروب جديدة، وإنّما إغلاقها بالحقيقة والعدالة والقانون.
إنّ المغرب القوي ليس فقط المغرب الذي يدافع عن ترابه، بل المغرب الذي يعرف كيف يوثق تاريخه، ويقدم حججه، ويبني تحالفاته، ويحافظ على هدوئه عندما يضطرب الآخرون. وفي المقابل، فإن الجزائر القوية ليست الجزائر التي تتمسك بمنطق المواجهة الدائمة، وإنّما الجزائر التي تستطيع أن تواجه تاريخها بكل شجاعة، وأن تضع القانون الدولي فوق الحسابات السياسية، وأن تدرك أن استقرار المغرب العربي لا يمكن أن يبنى على إضعاف دولة مغاربية أخرى. فالحدود قد ترسمها الخرائط، لكن المستقبل تصنعه الشعوب. والتاريخ قد يفتح الملفات، لكنّ الحكمة وحدها قادرة على إغلاقها. وهنا تكمن المعركة الحقيقية… ليست معركة إسقاط نظام أو كسر دولة، وإنّما معركة بناء مغرب عربي مستقر، قوي، متصالح مع تاريخه، ومتجه بثقة نحو المستقبل.
📲 Partager sur WhatsApp