بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك أفكار تولد في رأس الإنسان ثم تموت فيه بسلام، وهناك أفكار تخرج إلى العالم وهي ترتدي قبعة مهرج، فتقلب مائدة العقل رأسا على عقب. ومن هذه الأفكار النادرة فكرة أن يأخذ الإنسان قدرا، ويمشي به إلى البحر، ثم يغرف من المتوسط ماءه الأزرق المالح، ويعود به إلى المطبخ ليقول للمكرونة: اليوم سوف نمنحك نكهة المحيط! هذا بالضبط ما فعله بروكلين بيكهام. ولأن اسم بيكهام وحده يكفي لكي تتجه إليه الكاميرات كما تتجه البوصلة إلى الشمال، لم تكن الحكاية مجرد وصفة مكرونة بالطماطم والبارميزان. لقد تحولت إلى امتحان كوني صغير: أين تنتهي الجرأة في المطبخ وتبدأ الحماقة؟ ومتى يتحول البحث عن الأصالة إلى بحث عن المشاهدات؟ وهل كل ما هو طبيعي صالح لأن يوضع في القدر؟ لقد اكتشف بروكلين، ربما من دون أن يقصد، أن البحر ليس خزان ملح عملاقا ينتظر أن نغرف منه حفنة للمكرونة.
البحر ذاكرة هائلة. فيه الأسماك والطحالب والكائنات الدقيقة ومخلفات المدن والموانئ والسفن وكل ما تقرر البشرية، منذ أن اكتشفت أنها تستطيع تلويث الأشياء التي لا تملكها، أن تلقيه في الماء. إنه ليس إبريق ملح. إنه تاريخ العالم في حالة سائلة. وهنا تصبح المسألة أكثر طرافة من مجرد وصفة فاشلة. فالإنسان المعاصر، في لحظة افتتانه بالطبيعة، يريد أن يأخذ كل شيء منها مباشرة: الملح من البحر، والخضار من الأرض، والهواء من الجبل، والعسل من الخلية، وكأن الطبيعة مطبخ مفتوح يعمل عند الطلب. لكن الطبيعة لا تعرف مفهوم «الطلب السريع». البحر لا يملك بطاقة مكونات. ولا يكتب على قارورته: «ملح حسب الرغبة». ولا يقول لك: «يحتوي على آثار من البكتيريا والكائنات الدقيقة وبعض الأشياء التي يفضل العلم ألا تراها وهي تسبح في قدر العشاء».
ولهذا تبدو نصيحة الشيف النابولية في محلها: إذا أردت استخدام ماء البحر في الطعام، فليكن ماء بحر مخصصا للاستهلاك، معالجا ومراقبا، لا ماء أخذته من الشاطئ كما تأخذ صورة تذكارية. فالملوحة يمكن ضبطها. أما البحر فلا يمكن ضبطه. وهنا تبدأ فلسفة الطبخ. المطبخ في جوهره ليس حربا على الطبيعة، وإنما تفاوض معها. نحن لا نأكل القمح كما خرج من الأرض، ولا نشرب الحليب كما خرج من البقرة، ولا نضع الطماطم في الطبق وهي ما زالت تتحدث بلغة الحقل. نحن نروض الأشياء. نقطعها، نسخنها، نخمرها، نملحها، نخلطها، ثم نعيد تقديمها إلى الإنسان في صورة قابلة للحياة. الطبخ هو الحضارة وقد دخلت إلى قدر. ولهذا فإن وضع المكرونة في ماء البحر الخام يشبه إلى حد بعيد دعوة المحيط إلى مائدة العشاء من دون أن نطلب منه غسل يديه.

وهنا، لا بد من استدعاء الجاحظ. ذلك الرجل الذي كان يستطيع أن يرى في رغيف الخبز نظرية في المجتمع، وفي الجوع فلسفة في الاقتصاد، وفي البخل مسرحا كاملا للإنسان. وفي «البخلاء» كان ماء البحر مادة ممتازة للسخرية من أولئك الذين يستطيعون تحويل الحرص على المال إلى مذهب فلسفي، بحيث يصبح حتى الملح مشروعا اقتصاديا لا يجوز تبديده. أما ما فعله ابن بيكهام فيتجاوز، من ناحية كوميدية، بعض أساطير البخلاء. البخيل القديم كان يخشى أن يدفع ثمن الملح. أما ابن العصر الرقمي فقد وجد حلا عبقريا: لماذا أشتري الملح وأنا أستطيع أن آخذ البحر كله؟ هنا يصبح البخلاء أمامه تلاميذ في مدرسة الاقتصاد المنزلي. كان بخيل الجاحظ يحسب حبات الملح. أما بروكلين فذهب إلى المصدر. لم يشتر كيسا. لم يطلب علبة. لم يسأل عن السعر. ذهب إلى المتوسط نفسه. إنه ليس بخيلا. إنه، إذا شئنا السخرية، ليبرالي في استهلاك الطبيعة.
ولكن المفارقة الأجمل أن الإنسان الذي أراد أن يختصر الطريق بين البحر والمطبخ، قطع أطول طريق ممكن بين العلم والمنطق. فالمشكلة ليست في أن ماء البحر مالح. هذه يعرفها حتى طفل صغير. المشكلة أن الملح ليس هو البحر. وهذه جملة تصلح، لو تأملناها قليلا، لأن تكون أطروحة فلسفية. فالجزء لا يساوي الكل. والصفة لا تختصر الشيء. وكون البحر يحتوي على الملح لا يعني أن كل ماء مالح صار بحرا صالحا للمطبخ. كما أن كون شخص ما مشهورا لا يجعله خبيرا. وكون فكرة ما تبدو غريبة لا يجعلها ذكية. وكون وصفة ما حصدت ملايين المشاهدات لا يعني أنها تستحق أن تدخل كتب الطبخ.
لقد دخلنا عصرا أصبحت فيه الخوارزمية، في كثير من الأحيان، هي الناقد الجديد. لم يعد السؤال: هل هذا جيد؟ بل: هل سيجعل الناس يتوقفون عن التمرير؟ وهذه كارثة صغيرة حين تدخل المطبخ. لأن الطعام، على عكس الفيديو، يدخل الجسد. يمكنك أن تشاهد فكرة سخيفة ثم تمرر إصبعك إلى الفيديو التالي. لكن لا يمكنك دائما أن تفعل الشيء نفسه بعد ابتلاعها. ومن هنا تبدو قصة مكرونة بروكلين بيكهام أكثر ذكاء مما توحي به. إنها ليست قصة عن شاب مشهور طبخ مكرونة بطريقة غريبة. إنها صورة مصغرة لعصر كامل يريد فيه الإنسان أن يكون أصيلا بأي ثمن. يريد أن يبدو مختلفا. أن يكتشف ما لم يكتشفه الآخرون. أن يصنع من أبسط طبق عرضا مسرحيا. حتى لو اضطر إلى إدخال البحر نفسه إلى غرفة الطعام. وهنا تصبح المكرونة ضحية بريئة لمعركة الإنسان المعاصر مع الملل. فالمكرونة لم تطلب ثورة. كانت تريد فقط ماء يغلي، وملحا محسوبا، وصلصة طماطم جيدة.
لكن الإنسان الحديث لا يثق في البساطة. البساطة لا تجلب المشاهدات. أما أن تطهو المكرونة بماء البحر، فهذه قصة. والمحتوى، في زمننا، يحب القصص أكثر مما يحب الطعام. لذلك ربما كان بروكلين قد نجح في شيء لم ينجح فيه كطاه. لقد صنع طبقا إعلاميا قبل أن يصنع طبقا إيطاليا. وقد يكون هذا هو سر المسألة كلها. أما البحر، فقد ظل في مكانه. هادئا، ساخرا، أزرق، لا يعنيه شيء من كل هذه الضجة. ولعل البحر، لو كان يستطيع الكلام، لقال لبروكلين: يا بني، أنا مالح منذ ملايين السنين، ولم أحتج إلى تيك توك كي أثبت ذلك. وهنا ينتهي الدرس. لا تأخذ البحر إلى القدر لمجرد أنك تستطيع.
فليست كل الأشياء التي يمكن فعلها جديرة بأن تفعل. وهذه ربما تكون أقدم حكمة في العالم، وأحدثها أيضا. فالطبخ علم قبل أن يكون استعراضا، والذوق خبرة قبل أن يكون صورة، والطبيعة ليست مخزنا مفتوحا للأفكار الغريبة. أما الجاحظ، لو عاد اليوم ورأى ابن بيكهام يحمل قدرا إلى شاطئ المتوسط، فمن المرجح أنه لن يكتب عن البخلاء هذه المرة. ربما كان سيكتب عن الإسراف في العبقرية. فالبخيل كان يوفر حفنة من الملح. أما ابن بيكهام فقد استدعى البحر كله. وهذه، في تاريخ الحكايات الغذائية، ليست مكرونة. إنها ملحمة.
📲 Partager sur WhatsApp