أمي الطاووس…هي الآن على عتبة الرحيل

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هي لم تمت. وهذه الجملة، في هذه الساعة، ليست تصحيحا للغة، بل مقاومة للموت. أمي الطاووس ما زالت هنا، على فراش الاحتضار، والموت واقف عند العتبة كضيف ثقيل لا يجد بعد الجرأة على الدخول. أراه في تراجع أنفاسها، في ذلك الصمت الذي صار أثقل من الكلام، في الجسد الذي أخذ يتخفف من الدنيا شيئا فشيئا، كأن الحياة تنزع منه أثوابها طبقة بعد طبقة. لكن الموت عصي. وأنا أيضا عصية على تصديقه. أعرف، بعقل امرأة أدركت قوانين الجسد، أنها سترحل. أعرف أن لكل نفس موعدا لا يستطيع الحب أن يؤجله إلى الأبد. لكنني لا أعرف كيف يمكن للقلب أن يوقّع على ما يعرفه العقل. لذلك أجلس إلى جوارها، وأتصرف كأن الغد ما زال ممكنا.

هي أمي، ولو قالت الأوراق غير ذلك كانت زوجة أبي. لكن هذه الكلمة لا تكفي. هي أمي. والدتي. حاضنتي. صاحبة أسراري الأولى. المرأة التي عرفتني قبل أن أعرف نفسي، والتي كانت تقرأ طفولتي من حركة عيني، وتعرف أن وراء بعض ضحكاتي خوفا صغيرا أخفيه عن العالم. لم تكن تحتاج إلى أن تلدني كي تكون أما. فالدم يمنح القرابة، لكن الحب يمنح الأمومة. وأنا حين أتذكر طفولتي لا أتذكر امرأة اسمها “زوجة أبي”. أتذكر أمي الطاووس. المرأة التي كان حضنها اختصارا للعالم حين كان العالم أكبر من قدرتي على فهمه. لهذا، حين يقول أحدهم: “إنها زوجة أبي”، أشعر كأنه يصف بيتا من الخارج. نعم، هذا بيت. لكنني أعرف الغرف التي لا يعرفها الغرباء. أعرف أين كانت تجلس. أعرف صوتها. أعرف أسراري التي دفنتها معها، أو ربما لم تدفنها، لأن بعض الأسرار لا تموت حين يموت أصحابها؛ إنها تتحول إلى جذور داخلنا.

والآن، الموت يجلس معنا…هناك شيء مرعب في الاحتضار لا يعرفه إلا من جلس قرب إنسان يحبه وهو يقترب من النهاية. الموت هنا ليس خبرا. إنه كائن حاضر. لا نراه، لكننا نشعر بثقله. يجلس في الغرفة. ينظر إلى الساعة. يصغي إلى الأنفاس. وأنا أنظر إليه في تحد. كأنني أقول له: ليس الآن. ليس بعد. ليس أمي. لكن الموت لا يجيب. لأنه يعرف أن الإنسان لا يستطيع أن يفاوضه باللغة التي يعرفها. لذلك أفاوضه بلغة أخرى. أمسك يدها. أحدثها. أستعيد أمامها أسماء الأشياء التي أحببناها. أترك صوتي قرب أذنها كأن الصوت يمكن أن يكون حبلا يشدها إلى هذه الجهة من العالم. أقول لها، في داخلي: ابقى. لا لأنني أجهل النهاية. بل لأن الحب، حتى وهو يعرف النهاية، يرفض أن يتصرف كأنه يعرفها. كل نفس منها الآن يبدو كأنه رسالة تأتي من مكان بعيد. شهيق. صمت. زفير. ثم انتظار. وأنا أتعلم للمرة الأولى أن الزمن يمكن أن يصبح جسديا. الثانية ليست ثانية. الثانية الآن عالم كامل. نظرة واحدة منها تكفي لتعيدني إلى طفولتي. حركة صغيرة من أصابعها تجعلني أتذكر يدها وهي تمسك يدي. وصوتها، حين يصلني خافتا، لا يبدو صوت امرأة تحتضر. يبدو صوت البيت نفسه. كأن الجدران القديمة قررت أن تتكلم من خلالها للمرة الأخيرة.

هي ابنة المقاومة. ولهذا لا أستطيع أن أراها في هذا السرير كامرأة مستسلمة. حتى وهي ضعيفة، هناك شيء فيها يقاوم. ليس المرض. بل المحو. الجسد يتراجع، لكن حضورها يزداد. وهذه مفارقة لا يفهمها إلا الحب: كلما اقترب الجسد من الغياب، أصبحت الروح أكثر وضوحا. كأن الموت، حين يقترب كثيرا، يزيل كل الزوائد التي تراكمت حول الإنسان، فلا يبقى إلا جوهره. وأنا أرى جوهر أمي الآن. امرأة حملت كثيرا. امرأة أعطت كثيرا. امرأة كانت تعرف كيف تجعل من الحنان نوعا من المقاومة. أعرف أنها سترحل زعفرانية، كما عرفتها دائما. لا أقصد الزعفران بوصفه لونا فقط. بل بوصفه أثرا. الزعفران لون لا يشبه الألوان العادية. فيه ذهب، وفيه نار، وفيه شيء من الضوء الذي عبر طويلا في الظلام ولم يفقد رائحته. سترحل زعفرانية. ستخرج من هذا الجسد كما تخرج شمس أخيرة من نافذة قديمة. لكنها لن تكون رمادا. ستكون أثرا. في يدي. في ذاكرتي. في طريقة حبي. في الكلمات التي سأقولها يوما لطفلة لا تعرفها، وسأكتشف أنني قلتها بصوتها. وهذا هو الخلود الوحيد الذي أصدقه: أن تترك المرأة شيئا منها في امرأة أخرى، ثم تستمر دون أن تعرف.

لا أريد أن أقول وداعا…ليس بعد. الوداع كلمة نهائية، وأنا لا أستطيع أن أضع كلمة نهائية بجانب امرأة ما زالت تتنفس. لذلك لا أقول لها وداعا. أقول: أنا هنا. وأكررها. أنا هنا. كأن هذه الجملة يمكن أن تبني حولها جدارا. كأن الحضور يمكن أن يصبح دواء. كأن يد ابنتها تستطيع أن تمسك طرف الزمن. أجلس قربها وأحاول ألا أفكر في اللحظة التي ستسكت فيها الغرفة. لا أريد أن أسبق الموت. سأتركه يأتي وحده. وحين يأتي، إن جاء، سأعرف أنه لم ينتصر. لأن امرأة مثل أمي الطاووس لا تختفي دفعة واحدة. إنها تتوزع. قليل منها يبقى في الضوء. قليل في رائحة البيت. قليل في أسراري. قليل في صوتي. وقليل، وربما الأكثر، يبقى في تلك الطفلة التي كنتها، والتي ستظل، مهما كبرت، تبحث عنها بعينيها حين تخاف.

والموت عصي…أي, نعم. الموت عصي لأنّه يطلب منّا أن نصدق شيئا لا يستطيع الحب تصديقه. لكنني لا أحتاج الآن إلى أن أكون قوية. أحتاج فقط أن أكون ابنتها. أن أمسك يدها. أن أكون قربها. أن أترك لها حق الرحيل إن جاء موعد الرحيل، وحق البقاء إن كان في جسدها نفس آخر يريد أن يبقى. لا أريد أن أحول موتها إلى بطولة. ولا احتضارها إلى أسطورة. أريدها فقط أمي. المرأة التي أحببتها. المرأة التي لم تلدني، لكنها ربت في داخلي طفولة كاملة. المرأة التي دخلت حياتي بصفتها زوجة أبي، ثم خرجت منها إلى مكان لا تملكه إلا الأمهات. أمي الطاووس. ابنة المقاومة. وها هي الآن عند عتبة الغياب. وأنا عند عتبة قلبها. بيننا نفس. ثم نفس. ثم صمت. وأنا ما زلت أقول للموت، كما لو كان يسمع: تمهل. فهي لم تمت. هي الآن فقط تقف في المكان الذي يصبح فيه الإنسان أخف من جسده، وأثقل من العالم. وأنا ما زلت هنا. ابنتها. أمسك يدها. وأنتظر.

📲 Partager sur WhatsApp

3 thoughts on “أمي الطاووس…هي الآن على عتبة الرحيل

  1. من مفارقات قدر الموت، هو أنه لا يخجل ولو قليلا، من الأثر الذي سيخلفه في قلب أهل المحكوم عليه بنهاية الرحلة والعبور. كذلك من مفارقاته ذلك الإحساس بالفقد وثقل الوداع، الذي سيكابده ليس الميت بل الأحياء.
    الموت قدر التلاشي والنهاية من تجربة العالم. هذه حقيقة أدركها الحيوان العاقل، منذ أن عرف نفسه كذلك.” الإنسان كاءن فإن” ، ما جعل عباقرة الفكر من مقاومة الموت بالبحث الذاءم على عشبة جلجامش، بين ما ترسمه كلمات الكتابة ومختلفة أنواع الإبداع. الكل يريد أن يترك أثرا شاهدت على المرور من فوق الأرض، لتخليد التجربة وتوريط الخلف في ألغاز لغتها….
    الإخوة كثر لكن الأم واحدة. من هنا سر قوة الفقد والفراق. لكن يتعين تقبل الموت بكل فرح، لأن الوعي بحتميتها كان منذ الولادة، بحيث تبدأ الرحلة صوب التلاشي في التراب، تبدأ بالثانية الأولى التي أرخت الصرخة البدءية التي يعلن بها الإنسان خروجه من الفردوس، صوب حمل صخرة سيزيف..

  2. الله يشافيها. ما يؤلمنا في الموت هو الفراق. فراق من نحب و فراغ الفضاء التي نحتاجها من وجوده، ليصبح بالنسبة لنا عدم.
    و لكن في بعض الحالات يكون فيها الموت مجرد اسم و لكنه واقع عندما نتألم لرؤية عزيز علينا هو نفسه يتمنى الموت عوض العجز ، عندما يصبح السرير قبره قبل النهاية، كما يقول المغاربة القبر غطاء و رحمة. الله يكون معاك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *