بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك أشياء لا نتعلم أسماءها في طفولتنا، لأن الطفولة لا تحتاج إلى الأسماء. يكفيها أن ترى أمّك تفعل شيئا، فتعتقد أن الفعل نفسه قانون من قوانين الكون؛ وأن تسمعها تقول: «لا»، فتكون الـ«لا» عندك جدارا من جدران القدر، لا سؤالا ينتظر جوابا. كنت طفلة، وكانت أمهاتنا – أمهاتي وأمهات البيوت التي تشبه بيتنا – يراقبن العتبة كما لو أن العتبة ليست خشبة وحجرا، وإنما الحدّ الفاصل بين عالمين. فإذا وقف عندها غريب، أو مرّ شحّاذ، أو امتدت يد لا نعرفها إلى الباب، تبدلت ملامح الأمهات، وانخفضت أصواتهن، وصار في البيت شيء من الحذر لا أفهمه. وكانت هناك ممنوعات لا أعرف علتها. الأرجل الغريبة عند الباب. الشحاذون. الغرباء الذين يطيلون النظر. وأشياء أخرى كثيرة كان الطفل يتلقاها كما يتلقى المطر: تقع عليه ولا يسأل السماء لماذا. ثم كبرت. وكأن الكبر ليس إلا عملية طويلة لاستعادة الأسئلة التي صادرها منا الخوف.
وفي زمن متأخر من العمر، حين صار المرء يقرأ لا ليعرف، بل ليعيد ترتيب خرائب نفسه، وقعت على كلمة غريبة: الزهري. فتوقفت. لماذا كانت أمي تنظر إلى كفّي بذلك النوع من النظر الذي لا يشبه النظر إلى يد طفل، بل إلى شيء مكتوب؟ ولماذا كان في الذاكرة خوف قديم من أن يكون بعض الأطفال «زُهريين»؟ ولماذا كان خطّان مستقيمان في الكفين – خطّان لم أعرهما في صباي أي اهتمام – يتحولان في مخيال الأمهات إلى علامة تكاد تفتح بابا على عالم آخر؟ هنا تبدأ الحكاية، ولكنّها لا تنتهي عند «الزهري». لأن الكلمة، حين تبحث عنها في كتب الصوفية، لا تعود كما كانت. واليد، حين تدخل عالم الرمز، لا تعود يدا. تصير خريطة. ويصير الخط طريقا. ويصير الطريق سؤالا. ويصير السؤال بابا. فماذا كانت أمهاتنا ترى في الكف؟
في بعض الموروثات الشعبية، وخصوصا في مناطق من المغرب العربي، نشأت حكايات عن «الإنسان الزهري» بوصفه إنسانا ذا علامات جسدية مخصوصة، ومنها اختلافات في خطوط الكف. ثم توسعت الحكاية حتى نسبت إلى هذا الشخص قدرات استثنائية، أو صلة بعوالم خفية، أو قدرة على إدراك ما لا يدركه الآخرون. لكن علينا، قبل أن نغرق في غواية الحكاية، أن نفرّق بين الموروث الشعبي وبين التصوف الإسلامي التاريخي. فالمصادر التي راجعتها لا تقدم «الزهري» بوصفه اصطلاحا صوفيا أصيلا عند ابن عربي أو فريد الدين العطار بمعنى صاحب الحاسة السادسة. بل إن المصادر التي تتناول هذه الدعوى صراحة تنفي وجود أصل ديني معتبر لفكرة «الإنسان الزهري» صاحب القدرات الخارقة.
وهذا لا يقتل الحكاية. بل ينقذها. لأن الحكاية تصبح عندئذ أقدم من أن تكون «معلومة»، وأعمق من أن تكون «حقيقة علمية»: إنها مخيلة جماعية صنعت من علامة في الجسد مفتاحا للغيب. وما أكثر ما فعل الإنسان ذلك. قرأ النجوم. وقرأ خطوط الوجه. وقرأ الأحلام. وقرأ حركة الطيور. وقرأ رعشة اليد. وقرأ في الصمت ما لم يقله اللسان. فلماذا لا يقرأ الكف؟ لقد عرف تاريخ الإنسان كله إغراء تحويل الجسد إلى كتاب. حتى علم الفراسة القديم عرف قراءة السمات والأعضاء، وتوجد في التراث كتب كاملة عن «فراسة الأعضاء»، ومنها فراسة الكف، وإن كانت هذه الممارسات قد ارتبطت تاريخيا بالتنجيم والعرافة والخرافة أكثر مما ارتبطت بالتصوف. لكن الصوفية فعلوا شيئا أكثر خطورة وجمالا. لم يكتفوا بقراءة علامات الجسد. حاولوا قراءة علامات الروح. وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
ربّما كان الخطأ كله في كلمة واحدة. كنت أبحث عن «الزهري»، بينما كان عليّ أن أبحث عن الفراسة. كنت أبحث عن خط في اليد، بينما كان الصوفي يبحث عن خط في القلب. كنت أبحث عن علامة ترى. وكان هو يبحث عن نور يرى به. عند ابن عربي، تصبح الفراسة بابا كاملا من أبواب المعرفة. ففي الفتوحات المكية يضع الشيخ الأكبر بابا بعنوان: «في معرفة مقام الفراسة وأسرارها». ثم يقول: «إن الفراسة نور النقل جاء به لفظ النبي الرسول المصطفى الهادي». هنا تتغير المسألة كلها. الفراسة ليست عنده لعبة في خطوط الكف، ولا حيلة لقراءة المستقبل، ولا قدرة شعبوية على رؤية الجن. إنها نور. وهذا الفارق هائل. فالذي يمتلك الفراسة، في التصور الصوفي، لا يرى أكثر لأنه يملك عينا سحرية؛ وإنما يرى أعمق لأن شيئا ما في داخله صار أقل عتمة. ويذهب ابن عربي في موضع آخر إلى الحديث عن «عين البصيرة»، وعن القلب حين يستنير بنور إلهي فيصير قادرا على إدراك ما وراء الظاهر. ولذلك فإن العبارة التي تبدو للوهلة الأولى كأنها تصف «الحاسة السادسة» أقرب في لغة التصوف إلى البصيرة منها إلى أي عضو حسي زائد. ليست حاسة سادسة بالمعنى الحديث. بل ربما هي، في لغة الصوفي، حاسة تتولد حين تصمت الحواس قليلا.
نحن أبناء عصر يحب الأسماء السريعة. نسمي كل إحساس غامض «حاسة سادسة». لكن الصوفي كان أكثر حذرا. كان يقول: فراسة. كشف. ذوق. بصيرة. توسّم. إلهام. وهي ألفاظ ليست مترادفات تامة، وإن تقاربت في فضاء التجربة الروحية. الفراسة عند ابن عربي مرتبطة بالنور وبإدراك ما وراء الظاهر. وفي التدبيرات الإلهية يقول بوضوح: «فالفراسة أكرمك الله نور من أنوار الله عز وجل». ثم يميز بين فراسة لها دلائل في ظاهر الخلق، وفراسة شرعية أو إلهامية. وهذا التفصيل مهم جدا. لأن ابن عربي لا يقول لنا إن الإنسان يستطيع أن يحدق في كف رجل فيعرف مصيره. بل يقول شيئا أشد غرابة: إن العالم نفسه مليء بالعلامات، لكن العين التي تقرأ العلامة تحتاج إلى نور. وهنا يلتقي الصوفي – من بعيد جدا – مع الطفلة الذي كانت تنظر إلى كفّها. كلاهما يبحث عن الكتاب. لكن أحدهما يبحث عن الكتاب في الجلد، والآخر في الوجود.
“في القرآن: “إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ. والتوسّم، في هذا السياق، هو التفرس في العلامات. الكون كلّه، عند الصوفي، ليس شيئا صامتا. إنه مكتوب. الشجرة علامة. الوجه علامة. الصدفة علامة. الموت علامة. الحب علامة. والإنسان نفسه علامة تمشي على قدمين. ولهذا يمكن أن نفهم لماذا انجذب الصوفيون إلى مفردات مثل «الإشارة» و«العلامة» و«السر» و«الكشف». فالصوفي لا يعيش في عالم الأشياء وحدها. يعيش في عالم ما تشير إليه الأشياء. الزهرة ليست زهرة فقط. والباب ليس بابا فقط. واليد ليست يدا فقط. وإذا كان للإنسان الزهري في المخيال الشعبي خطّان غريبان في كفه، فإن الصوفي قد يبتسم من بعيد ويقول: ليست المشكلة في الخط. المشكلة في من يستطيع أن يقرأ.
أكثر ما يغريني في ابن عربي أنّه لا يكتفي بأن يقول إنّ للإنسان معرفة باطنة، بل يصنع لها هندسة كاملة. ففي تصوره، القلب ليس قطعة لحم في الصدر. إنّه موضع التحول. والخيال ليس كذبا. بل عالم له وظيفة في إدراك الصور والمعاني. والكشف ليس مجرد دهشة. بل انكشاف لحجاب. وفي حديثه عن الفراسة، يتحدث عن حضرة للسمات والصور، وعن قلب إذا استنار صار قادرا على إدراك ما وراء الحس الظاهر. ويمكن أن نقول، بلغة المقال لا بلغة كتب العقائد: إن ابن عربي لم يكن يبحث عن خطّ في الكفّ، وإنّما عن الخط الذي يصل المرئي باللامرئي. وهذا، في ظني، أجمل مدخل إلى حكاية أمهاتنا. فهنّ لم يقرأن الفتوحات المكية. ولم يدرسن «الفراسة الحكمية والشرعية». ولم يكن لديهن قاموس فلسفي للتمييز بين الكشف والإلهام والتوسّم. لكن المخيلة الشعبية تفعل أحيانا ما يفعله الشعراء والفلاسفة: تختصر مجلدا في علامة. وتختصر نظرية كاملة في خط. وتضع السرّ كلّه في كفّ طفل أو طفلة. السؤال هو: لماذا كان الشحاذ على الباب مخيفا؟
هذه هي النقطة التي تجعل الحكاية شخصية. لماذا كانت الأمهات يخشين الشحاذين؟ لماذا كان الغريب عند العتبة يستدعي كل ذلك القلق؟ قد يكون جزء من الجواب دينيا واجتماعيا: الخوف من الغرباء، والخوف على الأطفال، والخوف من السحر والشعوذة والمجهول. لكن المخيال الشعبي أضاف طبقته السحرية. فالطفل «الزهري» – في الحكايات التي تدور حوله – ليس طفلا عاديا. إنّه كأنه ممرّ. وما كان الممرّ في المخيال القديم شيئا بريئا. الباب ممر. والبئر ممر. والمرآة ممر. والطفل الذي يحمل علامة غريبة قد يصبح، في المخيلة، ممرا أيضا. وهنا نفهم شيئا من ذلك الخوف القديم. لم تكن الأم ترى شحاذا فقط. كانت ترى احتمالا. كانت ترى الغريب واقفا أمام الباب، والباب وراءه، والطفل في الداخل، وبين الثلاثة شيء لا تعرف كيف تسميه. وهذه هي وظيفة الخرافة أحيانا: أن تعطي الخوف اسما كي يستطيع الناس العيش معه.
أمّا خطّا الكف اللذان بقيا معي كل هذه السنوات، فأنا الآن أنظر إليهما بطريقة أخرى. ليس لأنني صدّقت أنّهما يفتحان لي خزائن الغيب. ولا لأنّني صرت أعتقد أن خطوط اليد تمنح إنسانا مرتبة روحية فوق الآخرين. بل لأنّني اكتشفت أنّ الإنسان يكتب أساطيره على جسده قبل أن يعرف أنّه يكتب. كنت طفلة أنظر إلى يدي فأرى يدا. كانت أمي تنظر إليهما فربما كانت ترى مصيرا. ثم كبرت، وقرأت ابن عربي، فعرفت أنّ هناك بشرا أمضوا أعمارهم يبحثون عن شيء آخر في اليد: ليس خطوطها، وإنما قدرتها على أن تكون علامة. وفي الفتوحات المكية يذهب ابن عربي إلى حد القول إن الجسد نفسه مملوء بالدلالات، وإن الفراسة قد تتصل بالسمات الظاهرة، لكنه لا يجعل هذه العلامات قوانين حتمية. بل يؤكد أنّ الفراسة قد يكون لها دلائل، وأنّها ليست عصمة مطلقة من الخطأ في كل صورها. وهذا بالغ الأهمية. لأن الفرق بين الصوفي والعرّاف، أحيانا، هو أن الصوفي يعرف أن العلامة ليست إلها. إنها فقط علامة
ثم يأتيفريد الدين العطار. وهنا تصبح الحكاية أكثر جنونا. فالعطار ليس شاعرا يشرح التصوف في صورة مدرسية؛ بل شاعر يغرق في المعنى حتى يخرج منه بمئات الصور. وقد لاحظ عبد الوهاب عزام أنّ العطار لا يقدم مذهبه في نسق فلسفي مرتب، بل يبث أفكاره في الشعر والصور والجذبات، حتى تصبح كثرة الصور أحيانا أصعب من كثرة الأفكار. وهذا بالضبط ما أحتاجه في حكاية «الزهري». لأن العطار لا يسأل:ماذا يعني الخطّ في الكّف؟ بل يسأل السؤال الأكثر فتكا: ماذا يعني أن تكون محبوسا داخل نفسك؟ في منطق الطير، تسافر الطيور بحثا عن السيمرغ، حتى تنتهي الرحلة إلى اكتشاف أن البحث عن الآخر كان، في أعمق طبقاته، بحثا عن الذات. وهنا أجد نفسي أفكر في الكف. في ذلك الخطّ الذي ظننته يوما بلا معنى. كم يشبه الإنسان ذلك الخط! يمضي من بدايته إلى نهايته، وهو لا يعرف أين ينتهي. ثم يكتشف في الشيخوخة أن الرّحلة كلها لم تكن بحثا عن علامة في الخارج، وإنّما عن معنى كان مختبئا فيه. ولعل هذا هو الفرق بين «الزهري» الشعبي و«العارف» الصوفي: الأول تضع الأسطورة السر في يده. والثاني يعرف أن السر ليس في اليد.
العجيب أن الأمهات كنّ يعرفن شيئا ولا يعرفن شيئا. هذا أكثر ما يؤلمني ويغريني في الحكاية. أمهاتنا كنّ مخطئات، نعم. ولكن خطأهن لم يكن فارغا. كانت وراءه طبقات من المخيال الشعبي، والخوف الديني، والحكايات المتناقلة، والذاكرة الجماعية. كانوا يعرفون أن هناك أناسا «يشعرون» بالأشياء. وكانوا يسمون بعضهم بأسماء مختلفة. أما الصوفيون فكان لديهم قاموس آخر: فراسة. ثم جاء عصرنا، فسمى كل ذلك: الحاسة السادسة. ثلاثة عصور. وثلاثة قواميس. وربما سؤال واحد. هل يستطيع الإنسان أن يدرك أكثر مما تدركه حواسه؟ الصوفي يقول: نعم، ولكن بشروط الطريق وتزكية النفس، وليس لأن في كفّك خطا سحريا. والعرّاف يقول: نعم، لأنّ العلامة تمنحه القدرة. والعلم الحديث أكثر تحفظا، فيفسر كثيرا من الإحساس بما يسمى «الحاسة السادسة» باعتباره حدسا مبنيا على معالجة الدماغ لكمّ هائل من الإشارات والخبرات دون وعي مباشر. أما الأم القديمة فلا تحتاج إلى كل هذا. يكفيها أن تقول: «أنا لا أرتاح لهذا الرجل.» ثم تغلق الباب.
ربما أجمل ما يمكن أن نصل إليه بعد كل هذا البحث هو أن نحرر اليد من الخرافة دون أن نحرمها من الشعر. لا أريد أن أقول إن خطّي كفي دليل على امتلاك قدرة خارقة. ولا أريد أن أضع ابن عربي والعطار في خزانة واحدة مع روايات «الإنسان الزهري» الشعبية. ذلك سيكون ظلما للتاريخ وللتصوف معا. لكنّني أريد شيئا آخر. أريد أن أحتفظ بالدهشة. أنظر إلى كفّي وأقول: يا لهذه الخريطة الصغيرة! كم من أجيال مرت على هذه الخطوط؟ كم من أمّ رأت في مثلها نذيرا أو بشارة؟ كم من طفل نام وهو لا يعرف أن يديه، في مخيلة أمه، ليستا يديه فقط؟ ثم أتذكر ابن عربي حين يجعل الفراسة نورا، وأفهم أن أجمل ما في الحكاية ليس أن خطا في الكف يمنح صاحبه معرفة الغيب. بل أن الإنسان ظل يبحث عن الغيب في نفسه. مرة في النجوم. ومرة في الأحلام. ومرة في الكف. ومرة في قلبه.
الآن، بعد كل هذه السنوات، أستطيع أن أعود إلى طفولتي دون أن أسخر من أمهاتي. أستطيع أن أفهم خوفهن. وأستطيع أيضا أن أصحح أسطورتهن. لم أكن – فيما نستطيع إثباته تاريخيا – «زهرية» بالمعنى الشعبي الذي يجعل خطي الكف علامة على قدرة خارقة. ولم أجد في تراث ابن عربي والعطار ما يسند هذا الربط المباشر. لكنني، بمعنى أكثر مجازا، كنت «زهرية» لأنني قضيت العمر كله أبحث عن الزهرة التي لا يراها أحد. وهذه هي المفارقة التي لم أفهمها إلا متأخرة: ربما لم تكن أمهاتنا تخشين على الطفل من الشحاذ. ربما كنّ يخشين على السر الذي تخيلنه في الطفل. فالطفل عند الأم ليس جسدا فقط. إنه مستقبل. والمستقبل دائما غيب. ولذلك كانت الأم، حين تنظر إلى كف صغير، ترى الزمن كله ملتفا حول أصابعه. خطّان فقط. لكن ماذا لو كان الخط في يد الطفل هو الذي يصنع الحكاية، لا الذي يكشفها؟ ماذا لو لم تكن اليد كتاب القدر، بل كانت الصفحة التي يكتب عليها الخوف نفسه؟ ماذا لو كان «الزهري» ليس إنسانا خارقا، وإنما اسما اخترعه الإنسان كي يشرح الإنسان الذي لا يستطيع تفسيره؟ وهنا فقط أفهم شيئا من الصوفية. فالصوفي الحقيقي لا يقول: «أنا أملك سر الغيب.» بل يقف أمام الغيب مثل طفل أمام باب مغلق، ويعرف أن أعظم المعرفة هي أن يعرف الإنسان كم هو قليل أمام ما لا يعرف.
أمدّ يدي الآن. أرى الخطّين. لا يحدث شيء. لا تنفتح السماء. لا يظهر مَلَك. لا يخرج من الحائط شيخ أخضر. ولا يأتي شحاذ من آخر العالم ليقول لي إن والدَتَيْ كانتا على حق. لا شيء. فقط كف. وجلد. وعروق. وخطّان مستقيمان يمضيان كما لو أن أحدا رسمهما ذات ليلة على عجل، ثم نسي القلم. لكنّني حين أنظر إليهما، أشعر بشيء آخر. أشعر أنّ والدَتَيْ ما كانتا تريان يدي. كانتا تريان خوفهما. وكانتا تريانِ عالما أوسع من قدرتهما على الحماية. وكانتا تريدان أن تغلقا الباب على كل ما لا تعرفانه. أمّا أنا، وقد كبرت، فقد صرت أريد أن أفعل العكس. أن أفتح الباب. لا للشحاذ. ولا للغريب. ولا للجن. ولا للغيب المزيّف الذي تبيعه الخرافات. بل للسؤال. لأن السؤال هو الكائن الوحيد الذي لا يخاف منه العارف. ففي آخر المطاف، لا يبقى من «الزهري» شيء سوى هذه المفارقة البديعة: أننا أمضينا طفولتنا نبحث عن العلامة في الكف، بينما كان الصوفيون يمضون أعمارهم في البحث عن الكف التي ترى العلامة. ولعل بين الأمرين مسافة العمر كلّه. خطّان في اليد. وبحر من الحكمة بينهما.
📲 Partager sur WhatsApp