بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في الخامس عشر من شهر غشت من كل عام، تنزل على العالم الأكاديمي قائمة تشبه نشرة الطقس، لكن الناس يتعاملون معها كما لو كانت وحيا منزلا من جبل العلم. أسماء جامعات تصعد، وأخرى تهبط، ووسائل الإعلام تضع سهاما خضراء وحمراء، والأهالي يحدقون في الأرقام بقلق، والطلاب يتساءلون في صمت: هل مستقبلي في خطر لأن جامعتي تحتل المرتبة التي لا تليق بصورة أحلامي؟ هنا ينبغي التوقف. فربما كان السؤال الأكثر ذكاء ليس: في أي مرتبة تقع جامعتي؟ بل: ما الذي يقيسه هذا التصنيف أصلا؟ ومن قال إن ما يقيسه هو ما يهمني أنا؟ هذه النقطة الصغيرة هي الفاصل بين طالب يختار مستقبله بعقله، وطالب يترك خوارزمية إعلامية تختار له مستقبله. تصنيف شنغهاي ليس عدوا للجامعات، ولا مؤامرة ضد الطلاب، ولا قائمة عديمة القيمة بالكامل. مشكلته أعقد من ذلك بكثير. إنه يقيس شيئا حقيقيا، لكنه لا يقيس كل شيء.
وهنا تبدأ الخدعة الفكرية. حين نقول إن جامعة ما تحتل المرتبة الأولى، تتسلل إلى اللغة افتراضات لم يقلها التصنيف نفسه: أن هذه الجامعة هي الأفضل للتعلم، والأفضل للتدريس، والأفضل لكل تخصص، والأفضل لكل طالب، والأفضل مهنيا، والأفضل إنسانيا. لكن الرقم لا يقول كل ذلك. إنها مشكلة قديمة في تاريخ المعرفة: حين نحول المؤشر إلى حقيقة، والرقم إلى حكم، والقياس إلى قدر. الميزان ممتاز لمعرفة الوزن. لكنه سيكون غبيا إذا استخدمناه لقياس جمال القصيدة. الجامعة كائن معقد. فيها الأستاذ، والمختبر، والمكتبة، والبرنامج الدراسي، والطلاب، والإدارة، والشبكات المهنية، والمدينة، والسوق المحلي، وفرص التدريب، والرسوم، ونمط الحياة، والقدرة على الوصول إلى التعليم، وجودة الإشراف، وحجم الصفوف، والعلاقة بين الطالب والأستاذ. ثم هناك شيء أكثر غموضا: البيئة التي يتعلم فيها العقل كيف يفكر. وهذا الأخير لا يدخل بسهولة في جدول أرقام. يمكن لجامعة متواضعة الترتيب في التصنيفات العالمية أن تمنح طالبا أستاذا يغير مسار حياته. ويمكن لجامعة براقة في قمة القائمة أن تجعل طالبا يشعر أنه رقم في مصنع ضخم للمعرفة.
المفارقة أن بعض أهم عناصر التعليم هي تحديدا تلك التي يصعب قياسها. تصنيف شنغهاي يحب المختبر أكثر مما يحب المدرج. السبب الأساسي وراء ذلك يعود إلى طبيعة المؤشرات التي يعتمد عليها التصنيف. تصنيف شنغهاي يعطي وزنا كبيرا لمخرجات البحث العلمي، والاستشهادات، والجوائز العلمية الكبرى، والباحثين ذوي التأثير العالي، والإنتاج البحثي المرتبط بالمؤسسة. وهذه مؤشرات مفيدة جدا إذا كان السؤال هو: من هي المؤسسات الأكثر قوة في البحث العلمي العالمي؟ لكن السؤال يتغير تماما عندما يصبح: أين سأدرس أنا؟ طالب في السنة الأولى لا يعيش داخل ورقة بحثية منشورة في مجلة دولية. طالب الماجستير يريد أن يعرف: هل أستاذي متاح؟ هل البرنامج قوي؟ هل سأجد تدريبا؟ هل توجد فرص للعمل؟ هل البيئة مناسبة؟ هل الجامعة تساعدني على بناء شبكة مهنية؟ هل المناهج حديثة؟ هل سأخرج منها بقدرة حقيقية على التفكير والعمل؟ هنا يصبح التصنيف مثل تلسكوب فلكي رائع يستخدمه شخص يريد معرفة درجة حرارة غرفته. الأداة ممتازة. لكن السؤال ليس سؤالها.
وهناك مفارقة أكثر أهمية: الجامعة قد تكون عظيمة في البحث ومتوسطة في التعليم. البحث العلمي والتعليم الجامعي مرتبطان، لكنهما ليسا الشيء نفسه. العالم الذي ينتج بحثا استثنائيا قد لا يكون بالضرورة أفضل من يشرح فكرة معقدة لطالب في عامه الأول. والمؤسسة التي تنتج آلاف الأبحاث المؤثرة قد تكون ناجحة جدا في السباق الدولي على المعرفة، لكنها لا تعني تلقائيا أن كل برنامج فيها هو الأفضل لكل طالب. هناك فرق بين إنتاج المعرفة ونقل المعرفة وتكوين الإنسان القادر على إنتاج معرفة جديدة. والجامعة العظيمة حقا ينبغي أن تهتم بالثلاثة. لكن التصنيف العالمي لا يستطيع اختزال هذا الكون كله في رقم واحد دون أن يخسر شيئا في الطريق.
المشكلة الأكثر خطورة تبدأ عندما يتحول التصنيف من أداة معلومات إلى أداة قرار. حين يقول الطالب: “سأدرس هنا لأن الجامعة رقم 43.” فهنا ينبغي أن يسأله أحد: 43 في ماذا؟ في البحث؟ في عدد الجوائز؟ في الاستشهادات؟ في قوة البرنامج تحديدا؟ في فرص العمل التي نريدها؟ في جودة التدريس؟ في الحياة الجامعية؟ في التخصص الذي اخترناه؟ أم في مزيج من مؤشرات لا علاقة مباشرة لها بما ستفعله يوم الاثنين الساعة التاسعة صباحا في قاعة المحاضرات؟ الرقم بلا سياق يشبه مرآة ضخمة معلقة في الظلام. قد نرى فيها شيئا صحيحا، لكننا لا نعرف ماذا لا تظهره. وهناك فخ آخر أكثر دهاء: نحن نعامل الجامعة أحيانا كما لو أن اختيارها يشبه اختيار سهم في سوق مالي؛ الجامعة ذات الإسم الأكبر هي الاستثمار الأكثر أمانا. لكن التعليم ليس أصلا ماليا فقط. إنه عملية تشكيل للذات. نحن لا نشتري شهادة فحسب. نحن نختار شبكة علاقات، ومجموعة أساتذة، ومدينة، وثقافة، وبيئة فكرية، ومنافسين، وأصدقاء، وربما مهنة كاملة. لهذا فإن الجامعة “الأفضل” على الورق قد لا تكون الأفضل لنا.
وقد يكون القرار الأكثر ذكاء هو اختيار جامعة أقل لمعانا لكنها أكثر ملاءمة لأهدافنا. إذا كان الطالب يريد قرارا استراتيجيا فعليا، فعليه أن يستبدل سؤالا واحدا بعشرة أسئلة. من هم أفضل الأساتذة في تخصصي؟ ما جودة البرنامج الذي سأدرسه تحديدا؟ ما فرص التدريب؟ ما معدل التوظيف بعد التخرج؟ ما القطاعات التي يعمل فيها الخريجون؟ ما حجم الفصول؟ هل توجد فرص بحثية للطلاب في المرحلة التي أنا فيها؟ ما العلاقة بين الجامعة والشركات والمؤسسات؟ كم ستكلفني الدراسة فعليا؟ وما الذي سأحصل عليه مقابل هذا الاستثمار؟ هذه الأسئلة تبدو أقل بريقا من عبارة “جامعة ضمن أفضل مئة في العالم”. لكنها أكثر ذكاء. لأنها تنقل الطالب من استهلاك السمعة إلى تحليل القيمة.
ثم هناك فخ جغرافي لا ينبغي تجاهله. التصنيفات العالمية تميل بطبيعتها إلى مكافأة المؤسسات التي تعمل داخل منظومة علمية ضخمة: تمويل هائل، مختبرات كبيرة، شبكات بحثية دولية، تاريخ طويل، وعدد كبير من الباحثين. وهذا يعني أن النظام قد يكافئ جزئيا حجم المنظومة نفسها. جامعة عملاقة تمتلك آلاف الباحثين ومئات المختبرات تملك ببساطة مساحة أكبر لإنتاج عدد هائل من الأبحاث والحصول على الاستشهادات. لكن الطالب ليس مؤسسة بحثية. هو شخص واحد. وهنا يظهر الفرق بين قوة الجامعة الكلية والقيمة التي يحصل عليها الفرد داخلها. قد تكون سفينة عملاقة عظيمة في عبور المحيط، لكن هذا لا يعني أن كل مسافر فيها سيحصل على أفضل مقعد. والتعليم الجيد لا يحدث دائما حيث تكون الأضواء أكثر سطوعا.
من أكثر الأوهام انتشارا في عالم التعليم أن الجودة تحب الشهرة. لكن التاريخ العلمي نفسه يقول العكس أحيانا. أفكار كبرى خرجت من أماكن لم تكن تتصدر القوائم. وعلماء كبار تعلموا في مؤسسات لم تكن اسما عالميا عندما دخلوها. ومشاريع علمية عظيمة ولدت في مختبرات صغيرة. لأن المعرفة ليست دائما ثمرة الحجم. أحيانا تكون ثمرة الاحتكاك. ثمرة الأستاذ الذي يرى في الطالب مشروعا إنسانيا لا رقما جامعيا. ثمرة بيئة تسمح بالسؤال. ثمرة الفشل. ثمرة الحرية. ثمرة وجود شخص يقول لك: “فكرتك ناقصة، حاول مرة أخرى.” هذه الأشياء لا تظهر بسهولة في التصنيف. لكنها قد تكون أهم من خمسين مرتبة.
والمفارقة الكبرى أن التصنيف نفسه قد يغير سلوك الجامعات. هنا نصل إلى مستوى أكثر عمقا. التصنيف لا يكتفي بوصف الواقع. إنه قد يساهم في صنعه. حين تعرف الجامعات أن مؤشرات معينة ترفع ترتيبها، تبدأ في الاستثمار فيما يكافئه المؤشر. فتصبح الجامعة، تدريجيا، مثل لاعب شطرنج يتعلم ليس فقط كيف يفوز بالمباراة، بل كيف يتصرف بطريقة تحبها الخوارزمية. وهذا يمكن أن ينتج ظاهرة خطيرة: بدلا من أن تسأل الجامعة: ما الذي يحتاجه المجتمع؟ قد تبدأ في السؤال: ما الذي يرفع ترتيبي؟ وعندما يتحول المؤشر إلى هدف، يمكن أن يفقد المؤشر وظيفته. هذه ليست مشكلة جامعية فقط. إنها مشكلة فلسفية قديمة تعرف في علوم الإدارة والسياسات العامة بصيغة مختلفة: حين يصبح القياس هدفا، يبدأ الناس في تحسين القياس بدلا من تحسين الشيء الذي كان القياس يفترض أن يمثله.
وهنا يصبح الرقم سيدا على الواقع. لهذا لا ينبغي للطالب أن يحول تصنيف شنغهاي إلى كتاب قدر. يستخدمه، نعم. لكن يضعه في مكانه الصحيح. يعتبره طبقة واحدة من المعلومات، لا حكما نهائيا. إذا كنا نريد الدكتوراه والبحث العلمي الدولي، فقد تكون مؤشرات البحث مهمة جدا. إذا كنا نريد تخصصا مهنيا محددا، فقد تصبح سمعة القسم والشراكات الصناعية وفرص التدريب أهم. إذا كنا تريد دراسة الفنون أو العلوم الإنسانية، فقد تصبح طبيعة المجتمع الأكاديمي وحجم التفاعل مع الأساتذة أكثر أهمية. إذا كنا طالبا دوليا، فقد تهمنا أيضا التأشيرة، وتكلفة المعيشة، والمنح، واللغة، والاندماج، وسوق العمل بعد التخرج. هنا فقط يبدأ التفكير الاستراتيجي الحقيقي. والأخطر في تصنيف شنغهاي ليس أن يخبرنا أن جامعتنا تحتل المرتبة 400. الأخطر أن يجعلنا نصدق أننا نحن أيضا في المرتبة 400. وهذا وهم كامل. الجامعة ليست قدر الطالب. والترتيب ليس قدرا للجامعة.
كم من إنسان بدأ من مؤسسة لا تثير ضجيجا إعلاميا ثم صنع لنفسه اسما يتجاوز اسم المؤسسة التي درس فيها؟ في النهاية، سوق العمل لا يوظف ترتيب الجامعة وحده. والعلم لا يسأل عن ترتيب صاحب الفكرة قبل أن يفحص الفكرة. والتاريخ لا يحتفظ دائما باسم المؤسسة التي منحت الشهادة، بل باسم العقل الذي فعل شيئا بها. تصنيف شنغهاي قد يخبرك بشيء عن مكانة جامعة في منظومة البحث العلمي العالمي. وهذا مفيد. لكنه لا يستطيع أن يخبرك، وحده، أين ستجد أفضل نسخة من نفسك. وهذه هي المسألة التي ينبغي أن تهم الطالب. لا تسأل فقط: كم ترتيب جامعتي؟ اسأل: ماذا ستجعلني هذه الجامعة قادرا على أن أصبح؟ السؤال الأول يبحث عن رقم. والثاني يبحث عن مستقبل. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين طالب يركض خلف صورة الجامعة، وطالب يبني صورته هو. في عالم أصبح فيه كل شيء قابلا للترتيب، قد تكون إحدى أكثر علامات الذكاء مقاومة إغراء الترتيب نفسه. لأن بعض أهم الأشياء في الحياة لا تأتي في المركز الأول. ولا الثاني. ولا حتى في القائمة.
📲 Partager sur WhatsApp