بقلم الإعلامي حيمري البشير, بركان-المغرب
ليست قضية تجزئة سكنية مجرد ملف إداري عالق بين رفوف المؤسسات، ولا مجرد خلاف عابر بين منخرطين ومكتب جمعية انتهى دوره أو تعذر التواصل مع أعضائه. حين يتعلق الأمر بمواطنين أدوا واجباتهم المالية، وانتظروا سنوات طويلة مقابل الحصول على حقوقهم المشروعة، فإن القضية تتحول إلى مسؤولية مؤسساتية وأخلاقية وقانونية تستوجب جوابا واضحا، ومسارا شفافا، وحلا ينهي حالة الانتظار. ومن هذا المنطلق، تعود قضية التجزئة السكنية «الضحى» بمدينة العيون سيدي ملوك إلى الواجهة، بعد سنوات طويلة من الجمود، وفي ظل استمرار تساؤلات عدد كبير من المنخرطين، وخاصة من مغاربة العالم، حول مآل المشروع، ومصير الأموال التي أدوها، والجهة المخولة اليوم بتقديم جواب رسمي ومسؤول عن هذا الملف. لقد مضى أكثر من خمسة عشر عاماً، وفق إفادات عدد من المنخرطين، دون أن تنتهي معاناتهم بالحصول على البقع التي أدوا مقابلها واجباتهم. والأكثر إثارة للقلق أن قنوات الحوار التي يفترض أن تكون مفتوحة أمام هؤلاء المنخرطين تبدو، بحسب شهاداتهم، محدودة أو غائبة، في وقت يحتاج فيه الملف إلى التواصل أكثر من أي وقت مضى.
مغاربة العالم الذين انخرطوا في هذا المشروع لم يكونوا، في نظرهم، يبحثون عن امتياز أو معاملة استثنائية. كانوا يمارسون حقاً مشروعا في الاستثمار والسكن، ووضعوا ثقتهم في مؤسسة أو جمعية يفترض أن تدبر شؤونهم وتحافظ على مصالحهم. لكن مرور السنوات دون تسوية نهائية يجعل السؤال أكثر إلحاحا: أين وصلت التجزئة؟ وما وضعيتها القانونية والإدارية والعقارية؟ ومن يتحمل مسؤولية تدبيرها اليوم؟ وما مصير الأموال التي أداها المنخرطون؟ ومن الجهة التي يمكنها أن تقدم لهم جوابا رسميا جامعا ونهائيا؟ أسئلة بسيطة في صياغتها، لكنها عميقة في دلالاتها، ولا يمكن أن تبقى معلقة إلى ما لا نهاية. إن احترام المواطنين لا يبدأ فقط بإصدار القرارات، وإنما يبدأ أيضا بالإنصات إليهم، وإطلاعهم على حقيقة الملفات التي تعنيهم، وتمكينهم من الوثائق والمعطيات التي تسمح لهم بفهم ما جرى وما يمكن أن يجري مستقبلا.
وتزداد حساسية القضية، بحسب ما يطرحه المنخرطون، في ضوء الأحكام القضائية التي صدرت في حق بعض أعضاء المكتب المسير للجمعية، والتي تناولت، وفق المعطيات المتداولة بينهم، اختلالات واختلاسات مالية. وهنا ينبغي التأكيد على مبدأ أساسي: القضاء وحده هو صاحب الاختصاص في تحديد المسؤوليات والإدانات، ولا يجوز لأي جهة إعلامية أو فردية أن تحل محل القضاء أو تستبق أحكامه. لكن في المقابل، فإن صدور أحكام قضائية، أيا كانت طبيعتها وحدودها، لا يلغي بالضرورة حق المنخرطين في معرفة مصير حقوقهم المدنية والمالية، ولا يعفي المؤسسات المختصة من البحث في كل الجوانب التي لم تتم تسويتها. فالقضية بالنسبة للمنخرطين ليست فقط معرفة من أدين ومن لم يُدن؛ بل هي قبل كل شيء معرفة أين ذهبت أموالهم، وما مصير المشروع، وكيف يمكن إعادة الحقوق إلى أصحابها وفق القانون. وهذا هو جوهر المسألة.
إن وفاة رئيس الجمعية، مهما كانت ظروفها، لا يمكن أن تكون سببا في إغلاق ملف تتعلق به حقوق مالية ومصالح لعشرات أو مئات المواطنين. الأشخاص يرحلون، لكن الملفات والحقوق والالتزامات تبقى. ومن غير المنطقي أن يشعر المنخرطون بأن غياب بعض المسؤولين عن الجمعية أدى إلى غياب الحقيقة معهم، أو أن مرور الزمن يمكن أن يحول دون معرفة مآل أموال أدوها من عرقهم ومدخراتهم. القضية لا ينبغي أن تتحول إلى مواجهة شخصية مع أفراد، ولا إلى اتهامات عامة غير مؤسسة؛ بل المطلوب هو شيء أكثر بساطة وعمقاً: فتح الملف من زاوية مؤسساتية وقانونية، وتحديد المسؤوليات، وتوضيح الوضعية، ثم إيجاد مخرج منصف للمنخرطين.
وإذا كان غالبية المنخرطين من مغاربة العالم، فإن التعامل مع هذا الملف يكتسي بعدا إضافيا. فالجالية المغربية بالخارج ليست مجرد أرقام في التحويلات المالية، ولا مجرد مواطنين يعودون إلى أرض الوطن خلال العطلة الصيفية. إنها جزء أصيل من المجتمع المغربي، لها حقوق كما عليها واجبات، ومن حق أفرادها أن يجدوا لدى المؤسسات المغربية نفس القدر من الإنصات والجدية والوضوح. إن المواطن المغربي المقيم بالخارج الذي يحول مدخراته إلى وطنه، ويستثمر فيه، ويضع ثقته في مشروع سكني، لا ينبغي أن يجد نفسه بعد سنوات أمام جدار من الصمت أو الغموض. والإنصاف هنا لا يعني منح امتياز، وإنما يعني حماية الثقة. الثقة التي يحتاجها الاقتصاد الوطني، والثقة التي تحتاجها علاقة مغاربة العالم بمؤسسات بلدهم.
وسط هذا الوضع، يبدو أن مجموعة من المنخرطين لم تعد مستعدة لقبول استمرار الجمود، وأن لجنة تتابع الملف تسعى إلى إعادة فتحه ومخاطبة الجهات القضائية والإدارية المختصة، بهدف الوصول إلى الحقيقة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون. وهذه الخطوة، إذا التزمت بالوسائل القانونية والمؤسساتية، يمكن أن تكون مدخلا إيجابيا لإعادة ترتيب الملف. فالاحتجاج المشروع لا يعني الفوضى، والمطالبة بالحقوق لا تعني الاصطدام مع السلطات. بل على العكس، فإن أقوى أشكال الاحتجاج هي تلك التي تستند إلى القانون، والوثائق، والهدوء، والحجة، وتضع المؤسسات أمام مسؤولياتها دون تجريح أو تهديد أو تجاوز.
إن المنخرطين لا يطالبون بالمستحيل. إنهم يطالبون بتوضيح رسمي حول الوضعية القانونية والإدارية والعقارية لتجزئة «الضحى»، وتحديد الجهة المسؤولة عن الملف، والكشف عن المعطيات المالية والإدارية ذات الصلة، وبيان السبل القانونية الممكنة لتسوية وضعية من أدوا واجباتهم ولم يحصلوا، إلى اليوم، على ما كانوا ينتظرونه. ومن هنا، فإن النداء موجه إلى السلطات المحلية والإقليمية، والقطاعات الحكومية المختصة بالسكن والتعمير، ووزارة الداخلية، ووزارة العدل، وكل مؤسسة لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بهذا الملف، من أجل التعامل معه بما يستحقه من جدية. ليس المطلوب إصدار أحكام إعلامية، ولا التشهير بأحد، ولا تحويل القضية إلى معركة سياسية. المطلوب هو الحقيقة أولا، ثم المسؤولية، ثم الحل.
من المهم التأكيد أن المطالبة بتسوية الملف لا تعني أن المنخرطين في مواجهة مع السلطات أو المؤسسات. على العكس، إنهم يوجهون نداءهم إليها لأنهم يؤمنون بأن الدولة ومؤسساتها هي الملاذ الطبيعي للمواطن حين تتعقد الملفات وتتداخل المسؤوليات. ولهذا، فإن فتح باب الحوار سيكون أكثر نجاعة من استمرار الصمت. جلسة واحدة تجمع ممثلي المنخرطين بالجهات المختصة، وتوضع أمامها الوثائق والمعطيات، يمكن أن تفتح الطريق أمام حل لم تستطع سنوات الانتظار أن تفتحه. فالملفات العالقة لا تحل بالصمت، وإنما بالجلوس إلى الطاولة. لقد طال الانتظار بما يكفي. والمنخرط الذي دفع ماله منذ سنوات لا يحتاج إلى وعود جديدة، بقدر ما يحتاج إلى معلومة دقيقة، ووثيقة واضحة، ومسار محدد، وأجل معقول للتسوية. أما ترك الملف مفتوحا بلا أفق، فإنه لا يؤدي إلا إلى مزيد من فقدان الثقة، ويعمق الإحساس بالغبن لدى مواطنين ظلوا، رغم كل شيء، متمسكين بالقنوات القانونية والمؤسساتية.
إن ملف «الضحى» بالعيون سيدي ملوك لم يعد مجرد قضية جمعية أو مجموعة منخرطين؛ لقد أصبح اختبارا لقدرة المؤسسات على معالجة ملف قديم، والاستماع إلى مواطنين طال انتظارهم، وإعادة الاعتبار لمبدأ أساسي: لا يجوز أن تضيع حقوق المواطنين بين تعاقب المسؤولين ومرور الزمن. إن وفاة أي شخص لا ينبغي أن تعني وفاة الحقيقة. وصدور أحكام في حق بعض المتهمين لا ينبغي أن يعني إسدال الستار على حقوق المتضررين. ومرور السنوات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للنسيان. إنصاف المنخرطين يبدأ بإعادة الملف إلى دائرة الضوء، وفتح حوار مؤسساتي جاد، وتحديد المسؤوليات وفق القانون، ثم البحث عن تسوية عادلة تحفظ حقوق الجميع.
إن أقوى رسالة يمكن أن توجه إلى كل الجهات المعنية هي أن الهدوء لا يعني الاستسلام، والصبر لا يعني التنازل عن الحقوق، والاحتجاج السلمي لا يعني العداء للمؤسسات. إن منخرطي تجزئة «الضحى»، ومعظمهم من مغاربة العالم، يريدون فقط أن يعرفوا: أين توجد حقوقهم؟ وأين توجد أموالهم؟ وما هو المصير القانوني لمشروع انتظروا ثماره أكثر من خمسة عشر عاما؟ وهي أسئلة مشروعة. وما يحتاجه هؤلاء اليوم ليس مزيدا من الانتظار، وإنما جواب رسمي واضح، ومسؤول، ومنصف. فحين يطالب المواطن بحقه بالحجة والقانون، فإن الاستجابة لمطلبه ليست ضعفا من المؤسسة، بل قوة لها، وانتصارا لمصداقيتها.
📲 Partager sur WhatsApp
هناك قضية موازية في تجزئة بقع أرض باعتها جمعية في بدوزة بإقليم آسفي ولا زال المستثمرين من مغاربة العالم ينتظرون تحفيظ عقاراتهم بعدما دفعوا أثمانها قبل سنوات عديدة.
قضية تضع الجهة المسؤولة على قانون الجمعيات والوداديات أمام واجبها لحماية حق المواطن في السكن. وإلا هرم الناس على وهم قبر الحياة.