مرافعة من أجل التحضر، ومن أجل مدينة لا تهين موتاها ولا تثقِل البحر بأوساخها
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة أشياء لا ينبغي للعين أن تراها. ليس لأنها قبيحة فحسب، وإنما لأنها تكسر في داخلنا شيئا كنّا نظنه عصيا على الكسر. ثمة مشاهد تجعل الإنسان يتساءل: هل الذي أمامه مجرد نفايات متناثرة على الأرض، أم أنّ شيئا من الروح نفسها قد تناثر معها؟ في الرباط، المدينة التي تتقدم بخطى واسعة نحو أن تكون جوهرة المغرب، والتي أخذت في السنوات الأخيرة تلبس ثوبا حضريا أكثر أناقة، وتفتح واجهاتها على البحر، وتعيد ترتيب فضاءاتها، وتمنح شوارعها وأرصفتها وواجهاتها شيئا من الجمال الذي يليق بعاصمة؛ يظل سؤال صغير، لكنه ثقيل كحجر في الفم، يطل علينا من حين إلى آخر: ماذا نفعل نحن بكل هذا الجمال؟ ماذا يفعل المواطن بالرصيف الذي نُظِّف من أجله؟ ماذا يفعل التاجر بالشارع الذي هو واجهته؟ ماذا يفعل العابر بالأرض التي سيمشي عليها غدا؟ وماذا نفعل، نحن الذين تعلمنا منذ طفولتنا أن للموت حرمته، حين نلقي قارورة أو كيسا أو علبة طعام فوق قبر؟ هنا لا يعود الأمر متعلقا بالنظافة فقط. هنا تبدأ الحكاية من مكان أعمق.
تأملت طويلا البحر الأزرق، الواسع، كأنّه صفحة من كتاب سماوي، لكن الصفحة ملوثة بما يشبه آلاف الحروف الميتة. قوارير بلاستيكية، قطع صغيرة لا يكاد المرء يعرف أصلها، بقايا أشياء جاءت إلى البحر ولم تعرف كيف تعود. الموج يجيء ويذهب، كأنه يحاول أن يغسل وجهه ولا يستطيع. البحر، الذي كان في المخيال الإنساني أبا للأسرار، صار يحمل على ظهره أسرارا من نوع آخر: أكياسا وقوارير وبقايا حياة يومية ألقيت فيه بلا اعتذار. وفي واجهة أخرى، يظهر الممر المؤدي إلى البحر، متعرجا بين الجدران، فيما تمتد على الجانبين أرض مليئة بالنفايات. لكن العين تتوقف، رغما عنها، عند ما هو أفدح من القمامة. القبور. قبور صغيرة، صامتة، قديمة، خارجة من التراب مثل أسنان زمن بعيد. وحولها، وفوق الأرض التي تضم أجسادا كانت يوما ما تمشي في هذه المدينة، تنتشر القارورات البلاستيكية والأكياس وبقايا الأشياء.

كيف استطاع الإنسان أن يحترم الميت في الكلام، ثم يهينه في الفعل؟ كيف يمكن لطفل مغربي أن يتعلم أن للمقابر حرمة، وأن الموتى لهم حق في السكينة، وأن زيارة القبر تستدعي الوقار والخشوع، ثم يكبر ويصبح قادرا على أن يرمي قارورة ماء أو كيسا بلاستيكيا فوق الأرض التي تحتضن ميتا؟ أيُّ مسافة شاسعة تلك التي نشأت بين ما تعلمناه وما نفعله؟ وأيُّ ثقوب أصابت الذاكرة الأخلاقية حتى صار بعض الناس يعبرون من جوار القبر كما لو كانوا يعبرون بجوار حائط؟ القبر ليس قطعة أرض. القبر آخر عنوان للإنسان. والذي يرمي القمامة فوق قبر إنسان لا يرمي شيئا على التراب فقط؛ إنه يرمي شيئا على معنى الذاكرة، وعلى حرمة الموت، وعلى فكرة الإنسان نفسها.
البحر لا يفضحنا. نحن الذين نفضح أنفسنا فيه. كل قارورة نرميها في الماء تعود إلينا، ولو بعد سنوات، بصورة أخرى. كل كيس بلاستيكي نلقيه في الموج هو رسالة لا نعرف إلى من نرسلها. وكل قطعة نفايات تسبح قرب الصخور تقول شيئا عنا أكثر مما تقول عن البحر. البحر لا ينسى. إنه فقط يؤجل الحساب. الموج الذي يلامس أقدامنا اليوم قد يكون قد لمس قبل ذلك كيسا ألقاه شخص من نافذة سيارة، أو علبة طعام تركها مصطاف، أو قارورة شرب منها إنسان ثم قرر أن يجعل من البحر مقبرتها الأخيرة. يا لها من مفارقة مرعبة: نذهب إلى البحر لنستنشق الحرية، ثم نخنق البحر بما نحمله في أيدينا. نذهب إليه طلبا للمتعة، ثم نترك له بقايا أمتعتنا. نطلب منه أن يكون جميلا من أجلنا، ثم لا نكلف أنفسنا عناء أن نكون جميلين من أجله.
الدولة, عزيزي القارئ, تستطيع أن تنظف الشارع، لكنها لا تستطيع أن تنظف الضمير ولنكن منصفين. ليست الدولة وحدها مسؤولة. وليست الجماعات الترابية وحدها مسؤولة. ولا يمكن لأي شركة للنظافة، مهما بلغت قوتها، أن تطارد يدا تفتح نافذة سيارة ثم تقذف بكيس في الشارع. ولا يمكن لعامل نظافة أن يسير خلف كل مواطن ليجمع ما أسقطه بعد أن شرب أو أكل. ولا يمكن لمدينة أن تستأجر جيشا من عمال النظافة كي يقوموا كل مساء بمحو آثار غياب التربية. يمكن للدولة أن تبني. يمكن للجماعة أن تنظف. يمكن للمهندس أن يصمم. يمكن للعامل أن يكنس. لكن من ينظف اليد التي ترمي؟ من ينظف العادة؟ من ينظف ذلك الصوت الداخلي الذي يقول للإنسان: لا بأس، لن يراني أحد؟ هنا تبدأ الحضارة الحقيقية. فالتحضر ليس مصباحا جميلا في شارع. وليس رصيفا جديدا. وليس واجهة مبنى مصقولة. وليس حديقة مزروعة بعناية. التحضر هو أن يكون الإنسان وحده قادرا على احترام المكان حين لا يراقبه أحد. أن يكون الشارع نظيفا لأن الناس لا يرمون فيه، لا لأن هناك كاميرا فوق رؤوسهم. أن يبقى الرصيف نظيفا بعد مرور الناس. أن يحمل الإنسان علبة طعامه الفارغة بيده عشر دقائق إضافية بدل أن يلقيها تحت شجرة. أن يقول لنفسه: هذه ليست أرضا بلا صاحب. هذه أرضنا جميعا.

أحيانا يتصرف بعض الناس مع المدينة كما يتصرف النزيل مع غرفة فندق لا يدفع ثمن تنظيفها. يأكل. يشرب. يفتح. يمزق. يرمي. ثم يمضي. لكن المدينة ليست فندقا. المدينة بيتنا الكبير. والرصيف امتداد لعتبة بيتنا. والحديقة غرفة مفتوحة في منزلنا المشترك. والبحر نافذتنا الكبرى. والمقبرة ذاكرة البيت. إذا اتسخت المدينة، فنحن الذين اتسخنا. وإذا تشوه الرصيف، فنحن الذين شوهناه. وإذا امتلأ البحر بالبلاستيك، فلا ينبغي أن نسأل فقط: من المسؤول؟ ينبغي أن نسأل أيضا: أيُّ إنسان كنّا حين رمينا؟
وهنا ينبغي أن نقول شيئا قد يكون مؤلما. ليست هذه الظاهرة مرتبطة دائما بالفقر. فالقمامة لا تعرف الطبقات الاجتماعية. يمكن أن تجدها في حي متواضع، ويمكن أن تراها في حي راق, ويمكن أن يخرج من سيارة فاخرة شخص أنيق الثياب، يفتح النافذة بكل هدوء، ويلقي منها ما تبقى من طعامه أو علبة شرابه. ثم يغلق النافذة. وكأن شيئا لم يحدث. وهذه واحدة من أكثر الصور غرابة في حياتنا اليومية: إنسان يعتني بمظهره، لكنه لا يعتني بالأثر الذي يتركه خلفه. نظافة الثوب ليست تحضرا. نظافة السيارة ليست تحضرا. أناقة الهاتف ليست تحضرا. حتى جمال المنزل ليس تحضرا كاملا. التحضر يبدأ من المكان الذي لا يراه أحد. من اليد. من السلوك. من القدرة على كبح الرغبة الصغيرة في التخلص من الشيء بأقرب طريقة، ولو كانت أقرب طريقة هي الأرض.

ثم إن مسؤولية النظافة لا تقع على المواطن العابر وحده. التاجر شريك في المدينة. المحل ليس جزيرة عائمة خارج القانون، وليس عذرا لاحتلال الرصيف، ولا لتحويل الشارع إلى مستودع، ولا لترك بقايا السلع والكرتون والبلاستيك والزيوت والمخلفات حيث شاءت. التاجر الذي يحترم مدينته يعرف أن واجهة محله جزء من وجه المدينة. والذي يحافظ على الرصيف أمام متجره لا يقوم بعمل إضافي من أجل الجماعة؛ إنه يحافظ على قيمة تجارته نفسها. فالمدينة الجميلة تجذب الناس. والشارع النظيف يرفع قيمة المكان. والواجهة المرتبة تمنح التجارة كرامة. أما تحويل الأرصفة إلى مخازن، وترك المخلفات، واحتلال المجال العام بلا احترام للقانون، فليس مجرد تشويه بصري؛ إنه اعتداء على حق الجميع في المدينة. الفضاء العام ليس ملكا لمن يضع فيه كرسيا أولا. إنه ملك الجميع.
الرباط اليوم ليست مدينة عادية. إنها مدينة تتقدم نحو صورتها الجديدة، مدينة تريد أن تقول للعالم إن المغرب يستطيع أن يجمع بين التاريخ والحداثة، بين الذاكرة والمستقبل، بين البحر والحديقة، بين العمارة والإنسان. لكن المدن لا تجمَّل بالإسمنت وحده. يمكنك أن تضع أجمل الإنارة في الشارع، ثم يأتي شخص فيرمي القارورة تحتها. يمكنك أن تبني ممشى بحريا بديعا، ثم يأتي من يترك وراءه كيسا بلاستيكيا. يمكنك أن تعيد تأهيل فضاء كامل، ثم يأتي السلوك القديم ليعيد إليه وجهه المتعب. إن أجمل مشروع حضري يمكن أن تهزمه عادة صغيرة. ولهذا فإن معركة النظافة ليست معركة المكان فقط. إنها معركة الثقافة. معركة التربية. معركة الضمير. معركة ذلك الشيء الصغير المختبئ في الإنسان والذي يقول له: «هذا ليس من شأنك». بل هو من شأنك. كل شيء في المدينة من شأنك.

ربما حان الوقت لكي ننتقل من سؤال: «أين عمال النظافة؟» إلى سؤال آخر: «أين المواطن الذي لا يحتاج إلى عامل نظافة وراءه؟» لا يعني هذا إعفاء الدولة والجماعات من مسؤولياتها. بالعكس. المطلوب دولة أكثر حزما، وجماعات أكثر فعالية، وقوانين أكثر تطبيقا، ومراقبة أكثر جدية، وعقوبات حين يلزم الأمر. لكن المطلوب أيضا مواطن يعرف أن القانون ليس خصما له. القانون هو السياج الذي يحمي جمال المدينة من فوضى الأفراد. والمواطن المتحضر لا يسأل فقط: «ماذا أعطتني المدينة؟» بل يسأل: «ماذا تركتُ أنا للمدينة؟» حين أغادر الشاطئ، ماذا تركت؟ حين أنزل من السيارة، ماذا تركت؟ حين أخرج من المطعم، ماذا تركت؟ حين أمر بجوار مقبرة، ماذا تركت؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكون بداية ثورة أخلاقية هادئة.
أما القبور، فهذه قصة أخرى. هناك حدود ينبغي ألا نحتاج إلى قانون كي نعرفها. هناك أشياء تعلمناها قبل أن نقرأ القانون. الاحترام. الحياء. حرمة الموت. الوقوف أمام القبر برأس منخفض. أن تعرف أن تحت التراب إنسانا كان له اسم، وبيت، وأم، وأب، وأصدقاء، وربما أطفال، وربما أحلام لم تكتمل. أن ترى القبر لا باعتباره حفرة في الأرض، وإنما باعتباره نافذة مغلقة على حياة كاملة. لهذا فإن رمي النفايات في المقابر ليس مجرد سلوك غير حضاري. إنه جرح في الذاكرة. وإهانة لآخر ما تبقى من الإنسان بعد رحيله. وإذا كان المجتمع لا يستطيع حماية موتاه من القارورة البلاستيكية، فكيف نطالبه بأن يتحدث عن كرامة الإنسان وهو حي؟

ربما لا نحتاج دائما إلى خطاب كبير. ربما تبدأ الحضارة من قارورة واحدة. أن تشربها، ثم تحتفظ بها حتى تجد سلة. من كيس واحد. أن لا ترميه. من علبة واحدة. أن لا تتركها تحت الشجرة. من طفل يرى أباه يرفع ورقة من الأرض بدل أن يرميها. من تاجر يكنس أمام متجره. من مصطاف يغادر البحر ولا يترك وراءه إلا آثار قدميه. من عابر يقف لحظة أمام قبر فيفهم أن التراب ليس مكبا للنفايات. هكذا، ربما، تبدأ المدن في الشفاء. ليس بضربة واحدة. بل بآلاف الأفعال الصغيرة التي لا يصفق لها أحد. نريد رباطا جميلة، نعم. نريد أرصفة نظيفة. نريد بحرا أزرق لا يحمل في جوفه البلاستيك بدل الأسماك. نريد حدائق لا تختنق بأكياس الطعام. نريد مقابر مصونة، هادئة، محترمة. نريد تجارا يعرفون أن الرصيف ليس ملكا لمحلاتهم وحدها. نريد مواطنين يفهمون أن المدينة ليست شيئا يأتي من «فوق». المدينة نحن. نحن شوارعها حين نمشي. نحن بحرها حين نرمي. نحن مقابرها حين نحترم. نحن حدائقها حين نصون. ونحن قبحها حين نستهين.

وإذا كانت الرباط قد اختارت أن تكون جوهرة، فعلينا نحن أن نتعلم كيف لا نضع الطين فوق الجوهرة. فالجوهرة لا يكفي أن تُصقل من الخارج. ينبغي أن تتغير أيضا اليد التي تمسك بها. وربما كانت أكبر معركة تخوضها مدننا اليوم ليست مع النفايات نفسها، بل مع الفكرة التي تنتجها: «سير، شي واحد غادي ينقيها.» لا. ليس دائمًا. وليس وحده. لن يأتي عامل النظافة ليغسل ضميرنا. لن تأتي الجماعة لتربي أبناءنا. لن تأتي الدولة لتضع في كل يد سلة مهملات. هناك لحظة ينبغي أن يقف فيها المواطن أمام نفسه، لا أمام الشرطي، ويقول: هذه مدينتي. وهذا بحر بلادي. وهذه قبور موتانا. وهذه الأرض التي سأتركها لأبنائي. لن أكون أنا القذارة التي تحاول مدينتي كل صباح أن تنظفها. عندها فقط يبدأ التحضر. ليس حين يصبح الشارع نظيفا. بل حين يصبح الإنسان نفسه نظيفا في سلوكه، حتى حين لا يراه أحد.
📲 Partager sur WhatsApp
القضية التي أثارها هذا المقال، هي
” النقطة” الجوهرية المنفلتة من منظومتنا التربوية، خاصة وأن تعاقب الإصلاحات منذ القرن الماضي كانت في الغالب من منظور تقني، يركز على التعليم في معناه الأساس. بحيث تغيب الرؤية التربوية التي يكون رهانها هو أي إنسان نريده بوصفه مواطنا أساسا؟ لا نختزل الأمر في تعلم القراءة والكتابة ةالحساب فقط، والحال أن أساس تمدرس ناجح هو تكوين إنسان متشبع ببنية من القيم التي تجعله يرى العالم من منظور إنساني كوني، أي بعين المواطن الذي يؤمن بقيم الخير والجمال والحق وتقبل الآخر ي واحترام قيم التمدن.
أن نكون الإنسان بهذا المعنى سيسير في مساره التعليمي التعلمي بكل حب وشغف وبدون ضجيج. غير ذلك يكون هدرا للمال والجهد وضياع الفرص التاريخية للإقلاع بالوطن….
القانون والتعليم والتربية هم العوامل المهمة لاجل ضمير حي يحافظ على المدينة ويعرف كيف يخلصها من كل التشوهات التي اصابتها شكرا للمقال جميل جدا