بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك زيارات تنتهي عند باب المكان، وزيارات اخرى تبدأ عندها الحكاية. أما زيارتي الى برج محمد السادس في الرباط، فلم تكن زيارة الى بناية شاهقة، ولا جولة عابرة في معلمة معمارية جديدة. كانت لحظة وجدت فيها المغرب واقفا أمامي في هيئة برج، شاهقا، واثقا، مشغولا بتراثه، ومفتوحا على المستقبل. لحظة شعرت فيها أن الوطن يمكن أن يتحول من فكرة تسكن القلب الى مشهد يهز العين، ثم يعود من العين الى القلب أكثر رسوخا. وقفت أمام هذا البرج فشعرت بشيء يشبه الدهشة الاولى. كأن الرباط رفعت أصبعها نحو السماء وقالت للعالم: هنا المغرب.

ليس البرج حجرا وزجاجا وخرسانة فقط. إنه قصيدة معمارية كتبت بمواد صلبة، لكنها تنبض بروح ناعمة. فيه شيء من الصحراء، وشيء من البحر، وشيء من ذاكرة المدن المغربية القديمة، وشيء من الخيال الذي لم يكن يجرؤ على الظهور إلا في دفاتر الفنانين. إنه برج يحمل التراث بيد، ويحمل المستقبل باليد الاخرى، وبين اليدين يرفع راية الخيال. وكلما تأملت تفاصيله، ازددت اقتناعا بأن جماله لا يكمن في ارتفاعه وحده، بل في قدرته على جعل الارتفاع امتدادا للهوية، لا قطيعة معها. في داخله، رأيت الرخام المغربي لا باعتباره زخرفة من الماضي، بل لغة لا تزال قادرة على الكلام. رأيت النحاس، والخشب، والجلد، والنقوش، والصناعة اليدوية، وكل تلك التفاصيل التي صنعتها أيد مغربية تعرف أن الجمال ذاكرة وطن.

هنا يصبح الفنان شريكا في بناء الدولة. وتصبح يد الصانع المغربي، التي قد تبدو صغيرة أمام ضخامة البرج، جزءا من عظمته. فالابراج لا تصنعها الرافعات وحدها. تصنعها أيضا يد الفنان، وعين المهندس، وذاكرة الصانع، وخيال المصمم، وكل تلك التفاصيل التي لا تظهر من بعيد، لكنها تمنح المكان روحه. وهذا ما جعلني أشعر بفخر خاص. فخري لم يكن فقط بهذا الصرح، بل بكل مغربي شارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في أن يرى هذا الجمال النور.

وفي تلك اللحظة، كان حضور التاريخ أقوى من مجرد ذكرى. حين قرأت كلمات الإدريسي بخط مغربي جميل، وحين استحضرت ما تركه ابن الخطيب من وصف وذاكرة عن سلا ، شعرت أن المسافة بين المغرب الذي كتب عنه المؤرخون والمغرب الذي أراه أمامي ليست مسافة قرون، بل جسر ممتد من الذاكرة الى المستقبل. كان صوت الإدريسي حاضرا في الحروف، وكانت الرباط حاضرة في المكان. وفجأة، لم تعد اللغة العربية بالنسبة إلي مجرد لغة أقرأ بها. صارت بيتا. وصارت الزخرفة المغربية أكثر من زخرفة. صارت هوية. وصار البرج نفسه، في تلك اللحظة، أشبه بصفحة عملاقة كتبت عليها الدولة العلوية فصلا جديدا من فصول حضور المغرب.

هنا تحديدا شعرت بمغربيتي بصورة مختلفة. شعرت بعروبتي، بلغتي، بتاريخي، وبذلك الخيط الهادئ الذي يصل الإنسان بأرضه حتى عندما يبتعد عنها آلاف الكيلومترات. ولهذا أتوجه الى مغاربة المهجر قبل غيرهم. إلى كل مغربي يعيش بعيدا عن الوطن، وكل من حمل المغرب في ذاكرته وهو يعبر المطارات والحدود، وكل من كبر أولاده في بلاد اخرى ويخشى أن تخفت في قلوبهم صورة الوطن. تعالوا. زوروا هذا البرج. لا تأتوا فقط لتلتقطوا صورة. تعالوا لتروا كيف يمكن لوطن أن يضع تاريخه داخل مبنى، ثم يرفعه الى السماء. تعالوا لتروا الرخام، والنحاس، والخشب، والخط المغربي، والهندسة، والفن، وهي تتحدث معا بلهجة واحدة: هذه هي المغرب.
تعالوا لتشعروا بذلك الإحساس الغريب الذي انتابني وأنا أقف هناك: إحساس أن الوطن لم يعد خلفك، بل أمامك؛ وأن المغرب الذي تحفظ صورته في الذاكرة يمكن أن يفاجئك بصورة أكبر مما كنت تتخيل. لقد جعلتني هذه الزيارة أشعر أن الوطنية ليست دائما خطابا، ولا شعارا، ولا مناسبة. أحيانا تكون الوطنية دهشة. أن ترى شيئا جميلا في وطنك فتشعر أن قلبك قد اتسع فجأة. أن ترى مدينة تعرفها، فتكتشف أنها كانت تخفي عنك وجها جديدا. أن ترى إنجازا وطنيا فتشعر أن عروقك قد امتلأت بشيء لا تستطيع تسميته إلا الفخر.

ذلك ما فعله بي برج محمد السادس. لقد فتق في داخلي عروق الوطنية، وفتح نافذة جديدة على المغرب الذي أحبه. ورأيت في هذا الصرح صورة للمغرب الذي نريده: مغربا لا يختار بين أصالته وحداثته، ولا بين تاريخه ومستقبله، ولا بين عروبته وانفتاحه على العالم. مغربا يعرف من أين جاء، ويعرف إلى أين يريد أن يذهب. ومن الصعب في لحظة كهذه ألا يشعر المرء بالفخر بالملك الذي ارتبط اسمه بهذا التحول العمراني والحضاري الكبير في الرباط والمغرب. فهذه المدينة التي كانت جميلة بتاريخها، تزداد اليوم جمالا بقدرتها على كتابة فصل جديد من صورتها.

الرباط لم تعد فقط مدينة الإداريين والوزارات والذاكرة السياسية. إنها مدينة تصعد. والبرج هو علامة هذا الصعود. إنه لا ينافس جواهر العالم بتقليدها، بل يحاول أن يكون جوهرة مغربية لها شخصيتها الخاصة، ولونها الخاص، وذاكرتها الخاصة، وسماء خاصة بها. لهذا خرجت من البرج وأنا لا أحمل صورة في هاتفي فقط. خرجت بصورة أخرى داخلية، أكثر رسوخا: صورة المغرب الذي يمكن أن يجعل من التراث مادة للمستقبل، ومن الحرفي فنانا، ومن المهندس شاعرا، ومن المدينة لوحة، ومن البرج رسالة. ربما لا يحتاج الوطن دائما الى من يشرح جماله. بعض الاماكن تتحدث وحدها. وبرج محمد السادس من تلك الأماكن. يقف شامخا فوق الرباط، كأنه يقول لكل من يراه: هنا وطن لم يكتف بأن يتذكر مجده، بل قرر أن يصنع له امتدادا في المستقبل. وهنا، بالضبط، فهمت لماذا يمكن لمبنى واحد أن يجعل الإنسان يشعر بوطن كامل. فوق الأرض برج. أما في القلب، فكان المغرب كلّه.

