لما الاهتمام بصراع الولايات المتحدة وإيران؟

بقلم د. عبد الرحمن مكاوي-باريس


بصفتي متخصصا في التحليل الاستراتيجي، لا أتعامل مع الصراع بين الولايات المتحدة وإيران باعتباره مواجهة بين دولتين فحسب، ولا أتابعه من زاوية الصواريخ والغارات وحدها. ما يحدث هنا أكبر من ذلك بكثير. هذا الصراع تحول إلى مختبر استراتيجي للعالم الذي يتشكل في 2026؛ مختبر تختبر فيه الدول الكبرى أدوات الحرب المقبلة: القوة العسكرية، الضغط الاقتصادي، الردع النووي، الحرب البحرية، الوكلاء، المعلومات، والوساطة غير المباشرة. ولهذا تتابعه مراكز الدراسات وهيئات الأركان وصناع القرار لحظة بلحظة. فمن يفهم قواعد هذه المواجهة مبكرا، قد يمتلك مفتاحا لفهم حروب العقد المقبل.

صراع متعدد المجالات لا يشبه الحروب القديمة

القوة في هذا الصراع لا تحددها الصواريخ وحدها. هناك حرب في الجو، وحرب في البحر، وحرب على الاقتصاد، وحرب حول البرنامج النووي، وحرب عبر الشبكات الإقليمية، وحرب موازية على الرواية والمعلومة. المسيرات والصواريخ والغارات على المنشآت العسكرية والنووية تمثل الطبقة الظاهرة. لكن تحتها تجري معركة أكثر تعقيدا: العقوبات، صادرات النفط، الأساطيل غير الرسمية، التأمين البحري، سلاسل الإمداد، والقدرة على إبقاء الاقتصاد قادرا على التنفس. ثم يأتي العامل النووي باعتباره خطا أحمر لا يسمح الطرفان بانهياره، فيما تتحرك ملفات الوكلاء والجبهات الإقليمية من العراق إلى اليمن وعلى امتداد الحدود الباكستانية. وفوق كل ذلك، تعمل الدبلوماسية في مسارات متوازية عبر اليونان والنمسا وباكستان وقطر. هذه ليست حربا ذات جبهة واحدة. إنها منظومة صراع متداخلة. والسؤال الذي يهمني استراتيجيا هو: ماذا يحدث عندما تستخدم كل هذه الأدوات في وقت واحد؟ الإجابة ليست موجودة في الكتب القديمة.

هرمز: زر التحكم في الاقتصاد العالمي

يبقى مضيق هرمز مركز المعادلة. فالمضيق ليس مجرد ممر بحري، بل عقدة تربط أمن الطاقة العالمي بحسابات الردع العسكري. أي اضطراب كبير فيه ينعكس فورا على النفط والشحن والتأمين والأسواق. لهذا تراقب العواصم كل حركة حول هرمز: هل تستطيع إيران تحويل الجغرافيا إلى سلاح؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة فرض حرية الملاحة من دون تحويل المواجهة إلى حرب أوسع؟ الإجابة ستتجاوز حدود الخليج. فالسابقة التي ستتولد من هرمز قد تصبح مرجعا في مضائق وممرات أخرى، من بحر الصين إلى بحر البلطيق وتايوان. إذا نجحت قوة كبرى في فرض المرور بالقوة، فستكون هناك عقيدة جديدة لاستخدام القوة البحرية. وإذا نجحت دولة أضعف في تحويل ممر استراتيجي إلى أداة ردع، فستظهر عقيدة مضادة تقوم على المقاومة عبر تعطيل الشرايين الحيوية. لهذا لا يتابع الاستراتيجيون هرمز بسبب النفط فقط، بل بسبب ما يمكن أن يعنيه غدا.

اختبار النظام الدولي بعد 2025

المواجهة تختبر أيضا عقيدتين متعارضتين. الولايات المتحدة تختبر قدرة الإكراه من دون غزو شامل: عقوبات، ضغط اقتصادي، ضربات محددة، تفوق استخباراتي وعسكري، مع محاولة تجنب احتلال بري مكلف. إيران تختبر بدورها استراتيجية المقاومة عبر رفع كلفة الصراع: اقتصاد حرب، قدرات صاروخية ومسيرات، ضغط بحري، وشبكات إقليمية تستطيع نقل المواجهة إلى أكثر من ساحة. أما الوسطاء، فهم يخوضون اختبارا ثالثا: هل يمكن بناء تسوية من خلال وساطة موزعة، يتولى فيها كل طرف ملفا مختلفا، بدلا من انتظار صفقة كبرى واحدة؟ إذا نجح هذا النموذج، فقد يصبح جزءا من دبلوماسية المستقبل. وإذا فشل، فقد يعود العالم إلى منطق التحالفات الصلبة والمواجهة المباشرة.

ما بعد المعركة: التأثير الحقيقي

أهمية هذا الصراع لا تكمن فقط في معرفة من سيتراجع أولا. الأهم هو معرفة أي عقيدة ستخرج منه منتصرة. فكل خطوة تحمل تداعيات تتجاوز ساحة المعركة. حركة شركات الشحن، ارتفاع أقساط التأمين، التحركات الدبلوماسية، التمويل القطري، الدور اليوناني، المسار النووي في فيينا، وحتى المخاوف من تمدد الصراع إلى شمال إفريقيا أو جنوب آسيا، كلها أجزاء من لوحة واحدة. في الحروب المعقدة، لا يأتي الانفجار دائما من المكان الذي تبدأ منه الحرب. قد يبدأ من سوق الطاقة، أو من شركة تأمين، أو من حدود دولة ثالثة، أو من جماعة مسلحة، أو من خطأ في الحسابات السياسية. وهذا بالضبط ما يجعلني أتابع هذا الصراع في كل أبعاده. أنا لا أراقب الولايات المتحدة وإيران من أجل معرفة من ينتصر في هذه الجولة. أنا أراقبهما لمعرفة كيف ستخاض الحرب المقبلة. حرب أكثر هجينا، أكثر اقتصادا، أكثر بحرية، وأكثر اعتمادا على الوسطاء والشبكات والضغط غير المباشر. ومن يقرأ هذه الحرب متأخرا، قد يكتشف بعد سنوات أنه لم يكن يراقب أزمة إقليمية، بل كان يشاهد المسودة الأولى لعقيدة الحرب في عالم 2030. في الاستراتيجية، لا تمنحك معرفة المستقبل يقينا. لكنها تمنحك شيئا أكثر قيمة: وقتا إضافيا للاستعداد.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *