بقلم د. عبد الرحمن مكاوي-باريس
في الهدنة الهشة بين الولايات المتحدة وإيران، لا تبدو الوساطة مسارا دبلوماسيا واحدا، بل هندسة دقيقة لتوزيع الملفات الحساسة على أربع عواصم، لكل منها مفتاح مختلف في معادلة منع الانفجار. هذه ليست وساطة تقليدية تبحث عن اتفاق شامل دفعة واحدة، بل وساطة على مراحل وملفات: كل طرف يحصل على مخرج محدود في مجال، مقابل تجميد التصعيد في مجال آخر. والهدف النهائي واضح: منع الحرب الشاملة من خلال تفكيك ألغامها واحدا واحدا.
اليونان: حماية شرايين التجارة
تتولى اليونان ملف الملاحة والتجارة البحرية، من أمن مضيق هرمز إلى استقرار خطوط الملاحة في البحر الأحمر. المهمة ليست عسكرية بقدر ما هي اقتصادية: فتح ممرات محايدة، وبناء ترتيبات حماية للسفن، وتوفير آليات تأمين تقلل كلفة المخاطر. فالخطر لا يبدأ لحظة إغلاق المضيق، بل قبل ذلك بكثير. يكفي ارتفاع علاوات التأمين، واضطراب حركة الناقلات، وارتفاع تكاليف الشحن حتى يبدأ الاقتصاد العالمي بدفع فاتورة المواجهة. لهذا تتحول اليونان إلى وسيط في معركة لا تدور فقط حول السفن، بل حول ثقة الأسواق في استمرار تدفق التجارة.
النمسا: الملف النووي تحت سقف فيينا
تحتفظ النمسا بمفتاح المسار النووي عبر فيينا، حيث يمكن إعادة بناء إطار للتفتيش والرقابة الدولية من خلال الوكالة الدولية للطاقة الذرية. الفكرة هنا بسيطة في ظاهرها وشديدة التعقيد في مضمونها: تجميد مسار التصعيد النووي مقابل تخفيف تدريجي ومدروس لبعض العقوبات. وهذا المسار يمنح واشنطن ما تريده من ضمانات، ويمنح طهران ما تحتاجه من مساحة اقتصادية وسياسية. لكن نجاحه يتوقف على سؤال واحد: هل يستطيع الطرفان الفصل بين الملف النووي وبقية ملفات الصراع؟ إذا فشلت هذه المعادلة، فقد تتحول فيينا من منصة للرقابة إلى ساحة جديدة للمواجهة.
باكستان: إطفاء حرائق الوكلاء
أما باكستان فتدخل من البوابة الأكثر حساسية: السياسة والأطراف المسلحة. المطلوب ليس فقط ضبط الحدود، بل منع انتقال الحرب إلى دوائر جديدة عبر الجماعات المسلحة والشبكات الإقليمية. فالصراع الأمريكي الإيراني لا يملك حدودا جغرافية واضحة؛ وكلما طال، ازدادت احتمالات تمدده خارج مسرحه الأصلي. بالنسبة إلى إسلام آباد، المسألة تتجاوز الوساطة. إنها مسألة أمن قومي مباشر، خصوصا في ظل حساسية الحدود وتشابك المصالح في المنطقة. نجاح باكستان هنا يعني منع فتح جبهة جديدة. وفشلها يعني أن الهدنة قد تتحول إلى مجرد توقف مؤقت للنار، بينما تستمر الحرب عبر وكلائها.
قطر: المال بوابة الخروج
يبقى الاقتصاد الحلقة التي لا يمكن لأي هدنة تجاهلها. تتولى قطر ملف الأموال والأصول الإيرانية المجمدة، بما في ذلك ترتيبات الإفراج التدريجي عن بعض الموارد وربطها بتمويلات مخصصة للتعافي وإعادة الإعمار. وهنا يكمن أحد أكثر مفاتيح التسوية واقعية: لا يمكن مطالبة إيران بالتراجع سياسيا من دون منحها مخرجا اقتصاديا. المال في هذه المعادلة ليس مكافأة، بل أداة لضبط السلوك. وكل دولار يتم الإفراج عنه يمكن أن يكون جزءا من صفقة أكبر: مقابل قابل للقياس في المجال النووي، أو الملاحة، أو خفض التصعيد الإقليمي.
وساطة ذكية… لكنها قابلة للانهيار
ميزة هذا النموذج أنه لا ينتظر اتفاقا شاملا. فهو يقسم الصراع إلى ملفات، ويمنح كل ملف وسيطا متخصصا ومصلحة محددة.
لكن هنا تكمن نقطة ضعفه الكبرى.
لا توجد غرفة عمليات دبلوماسية واحدة تدير الصورة كاملة. اليونان تدير البحر، والنمسا تدير النووي، وباكستان تدير البعد الإقليمي، وقطر تدير المال. غير أن الملفات مترابطة بصورة لا تسمح بفصلها تماما. فإذا انهارت المفاوضات النووية، قد تتأثر الملاحة. وإذا عاد التصعيد البحري، قد تتوقف الترتيبات المالية. وإذا خرجت الجماعات المسلحة عن السيطرة، فقد يصبح أي اتفاق سياسي بلا قيمة. لذلك فإن الوساطة «على المقاس» قد تكون أكثر ذكاء من الوساطة الشاملة، لكنها في الوقت نفسه أكثر هشاشة. المعادلة الحقيقية ليست جمع أربع وساطات، بل ربطها في منظومة واحدة من دون تحويلها إلى صفقة واحدة. وهذا هو الاختبار الأصعب. فالهدف ليس صناعة سلام كامل بين واشنطن وطهران، فهذا هدف قد يكون سابقا لأوانه. الهدف الأكثر واقعية هو صناعة مخارج متدرجة تمنع الطرفين من الوصول إلى نقطة لا يعود فيها التراجع ممكنا. في هذه المعركة، قد لا يكون النجاح هو توقيع اتفاق تاريخي. قد يكون النجاح ببساطة هو منع الحرب من العثور على سبب جديد للاستمرار.
📲 Partager sur WhatsApp