بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في الأندلس، لا يبدو الزلزال مجرد حادثة جيولوجية عابرة. هناك، حيث تبدو الحجارة كأنها تحفظ في مسامها طبقات من الحضارات، يصبح اهتزاز الأرض نوعا من استيقاظ الذاكرة. فغرناطة ليست مدينة مبنية فوق تاريخها فحسب؛ إنها مدينة يبدو تاريخها أحيانا كأنه مبني تحت أقدام سكانها، ينتظر لحظة واحدة كي يذكرهم بأن ما نظنه ثابتا ليس سوى هدنة طويلة بين الإنسان والأرض. في صباح الثلاثاء، اهتزت الأرض جنوب غرناطة بقوة بلغت 4.8 درجات، بعدما كانت المدينة قد استيقظت قبل أيام على هزة بلغت 5 درجات. كان مركز الهزة الجديدة قرب بلدة الحندين، على بعد نحو عشرة كيلومترات جنوب غرناطة، بحسب المعهد الجغرافي الوطني الإسباني. أصيب ثلاثة أشخاص بجروح طفيفة، فيما تلقت فرق الطوارئ أكثر من خمسين بلاغا عن تشققات في مبان وسقوط حطام، بينما ظهرت في تسجيلات متداولة سيارات متضررة وآثار ارتباك في الشوارع. لكن الرقم، مهما بدا دقيقا، لا يقول كل شيء.
فالزلزال لا يقاس فقط بما يفعله مقياس ريختر أو أجهزة الرصد. هناك مقياس آخر أكثر غموضا: ما يفعله في إحساس الإنسان بالأمان. ففي لحظة واحدة، يتحول الجدار الذي كان يمثل معنى الحماية إلى سؤال، والشارع الذي كان يبدو امتدادا طبيعيا للحياة إلى مساحة مجهولة، وتصبح المدينة كلها أشبه بسفينة ضخمة اكتشف ركابها فجأة أن البحر لم يكن ساكنا قط، بل كان يخفي تحت سطحه عضلات هائلة. وهنا تكمن المفارقة الأندلسية. غرناطة مدينة اشتهرت بجمالها إلى الحد الذي يجعل العين تخطئ أحيانا، فتظن أن الجمال شكل من أشكال المناعة. لكن الطبيعة لا تعترف بالجمال بوصفه حصنا. القصور لا تفاوض الصفائح التكتونية، والأقواس لا تستطيع إقناع الصخور بأن تبقى ساكنة، والعمارة التي صمدت أمام القرون لا تستطيع أن تطلب من باطن الأرض أن يخفض صوته.

الزلزال يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والمكان على نحو قاس ونزيه. إنه يسقط، ولو لثوان، الوهم الذي صنعته الحضارة: وهم أن الأرض قد أصبحت شيئا نعرفه ونملكه ونسير فوقه بثقة. والحقيقة أننا لا نسكن الأرض بقدر ما تسكننا الأرض. نحن طبقة رقيقة من الوعي فوق تاريخ جيولوجي بالغ القدم، نكتب خططنا ومواعيدنا ومشاريعنا فوق سطح لا يكف عن الحركة، ثم نتفاجأ حين يرسل إلينا، في لحظة قصيرة، تذكيرا بماضيه السحيق. ولعل غرناطة أكثر المدن قدرة على فهم هذا التناقض. ففي هذه المدينة، لا يفصل بين الحاضر والماضي جدار واضح. التاريخ حاضر في المشهد، في الحجارة، في تضاريس المكان، وفي ذلك التداخل الفريد بين العمارة والطبيعة. ولهذا فإن اهتزاز الأرض هنا لا يصيب المباني وحدها؛ إنه يهز أيضا صورة المدينة عن نفسها.
لقد جاءت الهزة الجديدة بعد زلزال السبت، الذي بلغت قوته 5 درجات، والذي أيقظ السكان بعد الواحدة صباحا بقليل. ولم تسجل حينها إصابات، وهو أمر قد يرتبط جزئيا بكون الشوارع كانت أقل ازدحاما في تلك الساعة، رغم تسجيل أضرار في بعض المباني. ثم جاءت الهزة التالية لتقول شيئا لا تحبه المدن السياحية: إن المشهد الجميل لا يعني بالضرورة مشهدا آمنا من الطبيعة. والأخطر في الزلازل ليس دائما الزلزال نفسه، بل ما يتركه خلفه من عدم يقين. فالخبراء يحذرون من احتمال استمرار النشاط الزلزالي ووقوع هزات ارتدادية في المنطقة. والهزة الارتدادية ليست مجرد نسخة أصغر من الحدث الأول؛ إنها استمرار نفسي له أيضا. فالإنسان الذي شعر بالأرض تنزلق تحت يقينه مرة، لا يعود إلى يقينه السابق بمجرد أن تهدأ الشوارع. يظل يصغي إلى الجدران، يراقب الثريات، ويتوقف لحظة عند كل صوت غريب، وكأن جسده صار جهاز رصد إضافيا.

وهذه هي المفارقة العميقة في الكارثة الطبيعية: أن قوتها المادية قد تنتهي خلال ثوان، لكن زمنها النفسي يمكن أن يمتد لأيام أو أسابيع. الأندلس نفسها تحمل في ذاكرتها أمثلة كثيرة على هذا النوع من العلاقة بين الإنسان وقوى الطبيعة. فهي أرض التقت فيها الجبال بالبحر، والحضارات بعضها ببعض، والحدود الجغرافية بالحدود التاريخية. أرض تبدو جميلة لأنها معقدة، وقوية لأنها لم تكن مستقرة تماما في يوم من الأيام. والزلزال، في هذا المعنى، لا يكتب تاريخا جديدا للأندلس بقدر ما يفتح صفحة قديمة كانت مطوية. فكل مدينة تعتقد أنها اكتملت، يأتي حدث ما ليذكرها بأنها لا تزال قيد التكوين. وربما لهذا تبدو غرناطة في هذه اللحظة أكثر من مجرد مدينة تعرضت لهزة أرضية. إنها صورة مصغرة عن الحضارة نفسها: كيان ضخم بناه الإنسان ليقاوم الزمن، لكنه يظل معلقا فوق قوى لا يسيطر عليها. قد تنتصر العمارة على قرون من التعرية، وقد تبقى القصور شاهدة على إمبراطوريات اندثرت، لكن الأرض وحدها لا تحتاج إلى ذاكرة كي تتذكر قوتها. يكفيها أن تتحرك.
ليست الرسالة التي يبعثها زلزال غرناطة أن الأرض غاضبة، فهذه لغة بشرية نسقطها على الطبيعة كي نفهمها. الأرض لا تغضب ولا تنتقم ولا تحذر. إنها تتحرك وفق قوانين أقدم من كل مدننا، وأقدم من كل لغاتنا، وأقدم حتى من الفكرة البشرية عن الاستقرار. أما نحن، فنقف فوقها، نراقب الشقوق، نعيد فحص المباني، نحصي الإصابات والأضرار، ثم نحاول استعادة حياتنا. وهذا ربما هو أعظم ما في الإنسان: ليس أنه يستطيع السيطرة على الأرض، بل أنه يعرف كيف يستعيد معنى الحياة بعد أن تذكره الأرض، ولو للحظات، بأنه ليس سيدها. في غرناطة، اهتزت الحجارة. لكن الذي اهتز أيضا هو ذلك اليقين الصامت الذي نحمله جميعا: أن الغد سيأتي بالطريقة نفسها التي جاء بها الأمس. والزلازل، في النهاية، لا تكسر هذا اليقين دائما؛ أحيانا تكشف فقط أنه كان أرق من شق في جدار.
📲 Partager sur WhatsApp