حين تدخل الشمس إلى داخل الرأس

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

كان الإنسان يظن أن الطقس يحدث في الخارج. في السماء. فوق الأشجار، وراء النوافذ، في نشرات الأحوال الجوية التي تتبدل أرقامها ثم تنتهي. لكن شيئا عميقا انكسر في هذه الفكرة. فالحرارة لم تعد تقف عند الجلد. لقد بدأت تعبر. تعبر إلى النوم، إلى المزاج، إلى الذاكرة، إلى القدرة على الاحتمال، وإلى ذلك المكان الخفي الذي يجلس فيه الإنسان مع نفسه حين ينطفئ كل شيء حوله. هناك، في ذلك المكان، بدأت الشمس تطرق الباب. ولذلك فإن ظهور الإيكو-قلق على هذا النحو المتزايد ليس مجرد حكاية عن أشخاص يخافون المستقبل. إنه ربما أحد أكثر الأعراض دلالة على أن التغير المناخي لم يعد ظاهرة بيئية فحسب، بل صار حدثا نفسيا أيضا. الكارثة حين تقع بعيدا يمكن للإنسان أن يحولها إلى خبر. لكن حين تصبح السماء نفسها مصدرا للتهديد، والماء شيئا ينبغي حسابه، والظل امتيازا، والصيف موعدا محتملا للخطر، فإن العقل يفقد المسافة التي يحتاج إليها لكي يتفرج على الكارثة. تصبح الكارثة في الغرفة. وفي الجسد. وفي المستقبل.

كان الصيف في الذاكرة البشرية موسما له رائحة. رائحة التراب بعد المطر. الفاكهة. السفر. الإجازات الطويلة. النوافذ المفتوحة.كان الصيف موعدا للخفة. ثم بدأ الصيف يغير شخصيته. صار يأتي محملا بدرجات قياسية، بحرائق، بتحذيرات، بقيود على الماء، بصور الغابات المحترقة، وبخرائط حمراء تتسع كل عام كما لو أن القارة نفسها مصابة بالحمى. وهنا يحدث شيء بالغ العمق في النفس. فالإنسان لا يتعامل مع المناخ بوصفه رقما فقط. إنه يعيش المناخ بوصفه بيئة نفسية. إذا صار الصيف يعني الخطر، فقد يتحول الفصل نفسه إلى مصدر قلق. وإذا صار المستقبل سلسلة من السيناريوهات الكارثية، فقد يصبح التفكير في الغد نوعا من العودة إلى مكان لم يقع بعد، لكنه يرسل إلينا رائحته. هذا هو الإيكو-قلق في أحد أكثر وجوهه تعقيدا. ليس خوفا بسيطا من حدث. إنه خوف من عالم يتغير أمام العين، بينما يشعر الفرد أن يديه أقصر من أن تمسك به.

ربما كانت أقسى مشاعر الإيكو-قلق ليست الخوف. بل العجز. الخوف يمكن أن يدفع الإنسان إلى الهرب. الغضب يمكن أن يدفعه إلى المواجهة. أما العجز فيفعل شيئا أكثر قسوة: يجعله يرى الخطر ويعجز عن تحويل رؤيته إلى فعل كاف. شخص واحد لا يستطيع أن يوقف ذوبان الجليد. ولا يستطيع وحده إعادة بناء الغابات. ولا يستطيع أن يخفض حرارة كوكب. ولا يستطيع أن يمنع موجة حر من الوصول إلى مدينته. لكن العقل البشري ليس مصمما بسهولة للتعايش مع خطر هائل لا يملك حياله سلطة متناسبة مع حجمه. وهنا تتولد المفارقة: كلما ازداد الإنسان معرفة بالمشكلة، ازداد أحيانا شعوره بالعجز أمامها. العلم الذي ينير الطريق قد يكشف أيضا كم أن الطريق طويل. والصورة التي تجعلنا أكثر وعيا قد تصبح في الوقت نفسه صورة لا نستطيع نسيانها.

وليس الإيكو-قلق وحده ما يتغير. فالحرارة نفسها تتسلل إلى السلوك. الجسد الذي يعاني الإجهاد الحراري لا يعيش في ظروف محايدة. النوم يتدهور، التركيز يتراجع، والأعصاب تصبح أكثر قابلية للاشتعال. وفي المدن المكتظة، حيث الليل لا يبرد بما يكفي، يمكن أن يتحول الإنسان إلى كائن يحمل داخل جسده غرفة مغلقة بلا نافذة. وهكذا لا يعود السؤال: لماذا نحن متوترون؟ بل: كم من توترنا الشخصي أصبح مناخيا؟ كم من شجار صغير كان يمكن أن ينتهي بكلمة هادئة لولا ليلة لم ينخفض فيها الهواء؟ كم من غضب في الشوارع، وكم من نفاد صبر، وكم من خصومة عابرة، كان للحرارة نصيب مجهول فيها؟ نحن نحب أن نعتقد أن مشاعرنا ملكية خاصة. لكن الجسد لا يعرف هذه الرومانسية. الجسد يتلقى الحرارة. والدماغ يتلقى الجسد. ثم يصل الأثر إلى اللغة والسلوك والعلاقة مع الآخرين. كأن المناخ يكتب، من دون أن يستأذن، بعض الجمل التي ننطق بها.

هناك شيء آخر أكثر رعبا. أن ننشأ ونحن نشعر أن المستقبل ليس مساحة مجهولة، بل غرفة نعرف مسبقا بعض ما فيها. جيل كامل يتلقى منذ طفولته صور الحرائق والفيضانات والانهيارات، ويسمع أن ما يراه اليوم قد يكون أقل سوءا مما سيأتي. كيف يمكن لعقل شاب أن يبني علاقة طبيعية مع الغد إذا كان الغد يقدم إليه منذ البداية على هيئة تحذير؟ هنا يصبح الإيكو-قلق أكثر من قلق شخصي. إنه صراع على الخيال. فالإنسان يحتاج إلى المستقبل كما يحتاج إلى الهواء. يحتاج إلى أن يتخيله لكي يعمل من أجله، لكي يحب، لكي يبني، لكي ينجب، لكي يخطط. لكن ماذا يحدث حين يصبح المستقبل في المخيلة مكانا محاطا بالدخان؟ ربما لا يكون أخطر ما يفعله التغير المناخي أنه يرفع الحرارة. بل أنه يهدد قدرة الإنسان على تخيل غد صالح للحياة. لكن القلق ليس دائما مرضا. وهنا ينبغي الحذر من تحويل كل خوف بيئي إلى تشخيص. القلق، في جوهره، ليس دائما عدوا. إنّه جهاز إنذار. والمشكلة ليست في أن يصدر الجهاز صوتا حين يكون هناك حريق. المشكلة حين يستمر في الصراخ حتى بعد أن يتعلم الإنسان كيف يتحرك. لذلك يمكن للإيكو-قلق، في بعض حالاته، أن يتحول من شلل إلى فعل. الخوف الذي يتحول إلى معرفة يصبح وعيا. والوعي الذي يتحول إلى جماعة يصبح قدرة. والقدرة التي تتحول إلى فعل تصبح أملا. ليس الأمل هنا ابتسامة ساذجة أمام كارثة. بل مهارة عقلية في رفض الاستسلام. فمن الممكن أن يخاف الإنسان على العالم دون أن يعيش أسيرا لخوفه منه. يمكنه أن يرى الحريق، ثم يبحث عن الماء.

وربما هنا تكمن مهمة العلاج النفسي الجديدة. ليس فقط أن نقول للإنسان: لا تقلق. بل أن نسأله: ماذا تفعل بهذا القلق؟ إلى أين تريد أن تحمله؟ هل سيأكلك من الداخل، أم سيدفعك إلى الخارج؟ فالإيكو-قلق يكشف شيئا فلسفيا عميقا: الإنسان لم يعد يشعر أنه منفصل عن الطبيعة كما كان يتخيل. انهيار الغابة يدخل إلى صدره. جفاف النهر يدخل إلى خياله. حرارة المدينة تدخل إلى نومه. وانقراض نوع لا يعرف اسمه يمكن أن يترك في نفسه حزنا لا يعرف له اسما أيضا. لقد كانت الحداثة قد أقنعت الإنسان طويلا بأنه يعيش فوق الطبيعة. أما المناخ فيعيده إلى الحقيقة القديمة: نحن لسنا فوق الطبيعة. نحن داخلها. والطبيعة ليست منظرا تنظر إليه من نافذة. إنها النافذة نفسها. لهذا يبغي أن نعيد تعريف معنى الأزمة المناخية. نحن نبحث دائما عن صورها الصاخبة: شجرة تحترق، نهر يفيض، جليد ينهار. لكن هناك كارثة أخرى أكثر صمتا. أن يستيقظ طفل ويخاف من صيف المستقبل. أن يشعر شاب أن الإنجاب قرار أخلاقي محفوف بالرعب. أن يحتاج إنسان إلى معالج نفسي ليتعلم كيف يعيش مع فكرة أن المكان الذي يحبه يتغير. أن يصبح المستقبل نفسه مصدرا للأرق. هذه ليست تفاصيل هامشية. إنها طبقة نفسية كاملة من أزمة المناخ. وكما أننا نحتاج إلى هندسة المدن لتقاوم الحرارة، نحتاج أيضا إلى هندسة داخلية تساعد الإنسان على احتمال المعرفة.

ومع ذلك، ليس من الحكمة أن نجعل الشمس بطلا شريرا في هذه الحكاية. الشمس لا تعاقبنا. والصيف لا ينتقم. والطبيعة لا تحمل مشاعر بشرية. الذي حدث هو أننا غيرنا شروط العلاقة بين الغلاف الجوي والأرض، ثم فوجئنا بأن الأرض تتصرف وفقا للقوانين التي كانت تعمل دائما. المشكلة ليست أن الطبيعة فقدت عقلها. بل أننا اكتشفنا متأخرين أننا لسنا خارج معادلتها. ولهذا فإن الإيكو-قلق ليس مرضا يخص أشخاصا حساسين أكثر من اللازم. إنه، في جانب منه، رد فعل بشري على عالم أصبح من الصعب تجاهل تغيراته. السؤال الحقيقي ليس كيف نجعل الإنسان لا يشعر. بل كيف نجعله يشعر من دون أن ينكسر. كيف نحول الخوف إلى بصيرة، والبصيرة إلى فعل، والفعل إلى معنى. فالكوكب لا يحتاج إلى بشر مذعورين. ولا إلى بشر ينكرون ما يحدث. يحتاج إلى بشر قادرين على النظر إلى النار دون أن يصبحوا نارا. ربما هذه هي المهمة النفسية الكبرى لعصر الاحترار: أن نتعلم كيف نحمل في داخلنا صورة عالم مهدد، من دون أن نفقد القدرة على بناء عالم قابل للحياة. فالحرارة قد تدخل الجسد. وقد تدخل البيت. وقد تدخل الحلم. لكنها لا ينبغي أن تدخل إلى الفكرة التي تقول إن المستقبل انتهى. لأن اللحظة التي نفقد فيها القدرة على تخيل مستقبل مختلف، تكون الكارثة قد انتقلت من المناخ إلى الخيال. وحين يحترق الخيال، يصبح إنقاذ العالم أصعب بكثير من إطفاء حريق.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *