بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في الحروب القديمة،كان للعدو وجه وموقع واتجاه. أما اليوم، فقد يعبر الخطر من ثقب صغير في شاشة هاتف، في هيئة سؤال يبدو بريئا: هل المرشح مريض؟ هل يخفي شيئا؟ هل يستطيع أن يحكم؟ ثم يختفي صاحبه، وتبقى الجملة وحدها تتكاثر، كأنها كائن مجهول يتغذى على فضول الناس وخوفهم. هنا تحديدا تبدأ الحرب الجديدة: لا أحد يطلب منك أن تصدق الكذبة، بل يكفي أن تشك، وأن تعيد السؤال، وأن تمنحه دقيقة من انتباهك. ومن هذه المسافة الصغيرة بين الحقيقة والريبة قد تنشأ معركة كاملة على انتخابات فرنسا عام 2027. فشبهات التدخل الروسي التي طالت إدوار فيليب وغابرييل أتال، بعد عمليات أخرى استهدفت رافاييل غلوكسمان، تفتح بابا يتجاوز أسماء المرشحين أنفسهم: ماذا لو لم تكن الغاية أن يفوز شخص بعينه، بل أن يدخل الناخب إلى غرفة الاقتراع وهو يحمل في رأسه شكا لا يعرف من زرعه؟
أخطر الشائعات ليست تلك التي يصدقها الجميع، بل تلك التي لا يصدقها أحد تماما، ومع ذلك لا يتوقف أحد عن تكرارها. فالدعاية الحديثة لا تحتاج إلى كذبة مكتملة الأركان؛ يكفيها أن تترك فراغا في المعرفة، ثم تدع العقل البشري يملؤه. حين لا يعرف الإنسان، يخمن. وحين يخمن، يتحدث. وحين تتكرر الرواية، تبدأ في اكتساب ملامح الحقيقة، لا لأنها أصبحت صحيحة، بل لأن التكرار يمنحها ألفة زائفة. وهنا تتحول الشائعة من خبر كاذب إلى مناخ نفسي. ولهذا يصبح استهداف صحة المرشح شديد الحساسية. فالسياسة الحديثة جعلت الجسد جزءا من صورة السلطة. الوجه، والصوت، والعمر، والمشي، والتعب، وحتى طريقة الظهور أمام الكاميرا، كلها يمكن أن تتحول إلى أدوات للتأويل. فالناخب لا يختار برنامجا سياسيا فقط؛ إنه يختار شخصا يضع بين يديه جزءا من المستقبل. وعندما تزرع في ذهنه شكا في قدرة ذلك الشخص على حمل السلطة، فأنت لا تهاجم سيرته فحسب، بل تعبث بصورة الغد نفسه. لا تحتاج إلى أن تقول له: لا تنتخب هذا المرشح لأن برنامجه سيئ. يكفي أن تهمس له: هل أنت متأكد أنه قادر أصلا؟ والسؤال الغامض قد يكون أكثر خطرا من الاتهام الصريح، لأنه لا يمنح العقل خصما واضحا يستطيع أن يمسك به ويفنده.
لكن القراءة الجيوسياسية تحتاج إلى قدر من الحذر. ففتح تحقيق في شبهات تدخل روسي لا يعني أن كل عملية منسوبة إلى شبكات موالية لروسيا ثبت قضائيا أنها صدرت مباشرة عن الكرملين. المسؤولية تحتاج إلى أدلة، والتحقيق هو المسار الذي يفصل بين الاشتباه والإثبات. غير أن السؤال الأكبر يبقى قائما: ماذا يمكن أن تستفيد موسكو من إرباك الانتخابات الفرنسية؟ ربما تكون الإجابة أكثر دهاء من فكرة دعم مرشح محدد. فالقوة لا تعني دائما أن تجعل شخصا يفوز؛ أحيانا يكفي أن تجعل الجميع يخسرون شيئا من ثقتهم: الثقة بالمؤسسات، وبالإعلام، وبالانتخابات، وبقدرة الدولة على حماية المجال العام. قد لا تحتاج قوة خارجية إلى اختراع الانقسام. قد يكفيها أن تعرف أين توجد الشقوق. ثم تضع أصبعها عليها. وهنا تصبح فرنسا هدفا بالغ الحساسية. فهي قوة نووية، وعضو دائم في مجلس الأمن، وقوة عسكرية كبرى، ودولة محورية داخل الاتحاد الأوروبي، كما تحمل تصورا خاصا نسبيا عن الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي. ولذلك فإن انتخاب رئيس فرنسا لا يحدد فقط مسار السياسة الفرنسية، بل يمكن أن يؤثر في علاقة أوروبا بالولايات المتحدة، وفي مستقبل الدفاع الأوروبي، وفي علاقتها بروسيا، وفي مفهوم القارة للسيادة.
ومن يريد إرباك هذا المسار لا يحتاج بالضرورة إلى التحكم في النتيجة. قد يكفيه أن يجعل الثقة في النتيجة أكثر كلفة. ولهذا ربما يكون السؤال الذي ينبغي طرحه مختلفا تماما: ليس “من المرشح الذي تريد روسيا أن يفوز؟”، بل “هل تريد روسيا أصلا أن يفوز أحد بثقة كاملة؟” فالفرق هائل بين التأثير في اختيار الناخب والتأثير في البيئة النفسية التي يتم فيها الاختيار. الأول يستهدف صوتا، أما الثاني فيستهدف المناخ الذي تتشكل فيه ملايين الأصوات. وعندما يصبح كل شيء موضع شك، لا تعود الحقيقة تنافس الكذبة على قدم المساواة. الحقيقة تحتاج إلى وقت، ومصادر، وتحقق، وصبر. أما الشائعة فتحتاج إلى لحظة. الكذبة قصيرة، والحقيقة بطيئة. واستهداف شخصيات سياسية تنتمي إلى مساحات مختلفة، مثل إدوار فيليب وغابرييل أتال ورافاييل غلوكسمان، يفتح احتمالا أكثر عمقا: ربما لا يكون المرشح هو الهدف النهائي، بل المجال السياسي الفرنسي نفسه. من يصدق؟ من يعيد النشر؟ من يسخر؟ من يطلب التوضيح؟ ومن يحاول تفنيد الكذبة، فيمنحها بذلك حياة أطول؟

في العالم الرقمي، قد يتحول المواطن نفسه إلى أداة في عملية التضليل من دون أن يدرك. وهذه إحدى أكثر خصائص الحرب المعلوماتية دهاء: أنها لا تحتاج دائما إلى جيش من العملاء؛ يكفيها جيش من المستخدمين الغاضبين أو الفضوليين أو الخائفين. وقد تنجح الشائعة حتى لو لم يصدقها أحد. يكفي أن تستولي على النقاش. أن تستنزف المؤسسات. أن تدفع المرشح إلى الدفاع عن صحته بدلا من الحديث عن برنامجه. أن تجعل وسائل الإعلام تطارد قصة ملفقة لساعات أو أياما. عندها تكون الكذبة قد حققت شيئا مهما حتى وهي تفشل في إقناع الناس. لأن المعركة لم تعد على الحقيقة وحدها. أصبحت على جدول الأعمال. وهنا تواجه فرنسا معضلة شديدة التعقيد: كيف تحارب التدخل الأجنبي من دون أن تخنق النقاش؟ كيف تكشف التضليل من دون أن تمنحه دعاية إضافية؟ كيف تحمي المرشح من عملية مصممة في الخارج من دون أن تحوله إلى شخصية محصنة ضد النقد؟ وكيف تميز بين المعارضة السياسية المشروعة وبين محاولة منظمة لتدمير الثقة؟
لا تستطيع الشرطة وحدها أن تجيب. ولا القضاء وحده. ولا شركات التكنولوجيا وحدها. المعركة، في جوهرها، معركة مناعة اجتماعية. مواطن يعرف أن سرعة الخبر ليست دليلا على صحته، وأن كثرة المشاركات لا تحول الرواية إلى حقيقة، وأن السؤال الذي يبدو بريئا قد يكون مصمما بدقة لزرع الشك لا للبحث عن جواب. والحرب الجديدة لا تحتاج إلى اقتحام قصر الحكم. قد تدخل من هاتف شخص عادي. تبدأ بمنشور، ثم تصبح تعليقا، ثم مقطع فيديو، ثم رسالة من صديق يقول: “أنا لا أعرف، لكن هناك كلاما…” هذه الجملة الصغيرة قد تكون أخطر من خطاب دعائي طويل، لأنها لا تطلب منك أن تؤمن. إنها تطلب منك فقط أن تشك. والشك، حين يصنعه طرف خارجي بعناية، يمكن أن يصبح سلاحا بلا صوت. لا دخان. لا جنود. لا حدود واضحة. فقط فكرة صغيرة تنتقل من شاشة إلى شاشة، حتى تضيع لحظة ولادتها، ويصبح من المستحيل تقريبا معرفة من زرعها أول مرة.
ولهذا فإن الخطر الأكبر قد لا يكون أن تنجح قوة خارجية في اختيار رئيس فرنسا، بل أن تنجح في جعل الفرنسيين يشكون في قدرتهم على معرفة كيف اختاروا رئيسهم. فالديمقراطية لا تعيش بالصندوق وحده؛ تعيش أيضا بالثقة التي تحيط بالصندوق، وبالاعتقاد بأن النتيجة، حتى عندما تكون مؤلمة، جاءت من عملية يمكن الوثوق بها. الدولة تستطيع حماية الصندوق. لكنها لا تستطيع بسهولة حماية الإيمان بالصندوق. وهنا تبدأ المنطقة الأكثر غموضا في هذه الحرب. ماذا لو لم يكن المطلوب أن تصدق الشائعة؟ ماذا لو كان المطلوب فقط أن تتعب من تكذيبها؟ ماذا لو لم يكن الهدف أن تختار مرشحا معينا، بل أن تصل في نهاية المطاف إلى قناعة أكثر خطورة: أن الجميع يكذبون، وأن كل حقيقة محتملة ليست سوى دعاية أخرى، وأن لا شيء يستحق الثقة؟ عندها لن تكون الديمقراطية قد خسرت انتخابات. ستكون قد خسرت شيئا أقدم من الانتخابات نفسها: الإيمان بأن الحقيقة، رغم كل ما يحيط بها من ضجيج، ما زالت قادرة على الوصول إلى صندوق الاقتراع. وعندما يصل المجتمع إلى هذه الحافة، لا يعود السؤال: من ربح؟ بل يصبح السؤال الأكثر رعبا: من أقنعنا بأننا لم نعد نعرف أبدا من ربح؟
📲 Partager sur WhatsApp