الذبابة: الكائن الذي يقرأ جلدنا قبل أن نقرأه

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ثمة كائنات تدخل حياتنا بلا استئذان، ولا تحتاج إلى باب كي تعبر إلينا. يكفيها أن تهبط على كتفنا في ظهيرة صيف، أو أن تحط على الجبين في لحظة انشغال، ثم تعود، بعد أن نطردها، بالإصرار نفسه الذي يجعل بعض الأفكار السيئة أكثر وفاء لنا من الأصدقاء. الذبابة واحدة من تلك الكائنات. نطردها فتعود. نلوح لها فتراوغ. نفتح النافذة فتغادر لحظة، ثم ترجع كأنها نسيت شيئا ثمينا على جلدنا. وقد يخيل إلينا، في لحظة ضيق، أنها تتعمد استفزازنا. لكن العلم، كعادته، يفسد علينا كثيرا من نظريات المؤامرة الجميلة: الذبابة لا تكرهنا، ولا تحبنا، ولا تفكر فينا بالطريقة التي نفكر بها فيها. نحن، بالنسبة إليها، في جانب من جوانب وجودنا، سطح حي مليء بالمعلومات. نحن نرى جلدا. وهي ترى خريطة.

الذبابة المنزلية، Musca domestica، ليست حشرة مفترسة ولا مصاصة دماء. إنها لا تأتي إلى جلد الإنسان لتعضه، بل قد تأتي لتفحصه. فالجلد المتعرق يحمل ماء وأملاحا ومركبات كيميائية مختلفة، وبعضها قد يمثل للذبابة إشارة إلى مورد غذائي أو رطوبة أو مادة قابلة للفحص. وهنا تحدث المفارقة الصغيرة التي تستحق مقالا كاملا: نحن نعتقد أن الذبابة تهبط علينا لأنها وقحة، بينما هي، من وجهة نظرها، تقوم بعمل بالغ الجدية. إنها لا تتسكع على أجسادنا. إنها تقرأها. في أطراف أرجلها مستقبلات كيميائية تمكنها من التقاط إشارات من السطح الذي تلمسه. لذلك لا تكون القدم عند الذبابة مجرد أداة للمشي، كما هي عندنا القدم أداة للوصول إلى المكان، بل يمكن أن تكون مختبرا متنقلا، جهاز تحليل بالغ الصغر، مختصرا في ست أرجل. إنها تخطو فوق الجلد كما لو أنها تقلب صفحات كتاب لا نعرف لغته. خطوة. ثم خطوة. ثم قرار. ولذلك قد نراها تهبط على الذراع، تمشي قليلا، تتوقف، ثم تفرك أرجلها. نحن نفسر المشهد بوصفه استفزازا شخصيا، بينما قد يكون ما يحدث أقرب إلى عملية فحص مخبري مصغرة: هل توجد هنا رطوبة؟ هل توجد أملاح؟ هل هناك شيء صالح للاستهلاك؟ هل السطح يستحق البقاء أم يستحق الرحيل؟ الذبابة لا تقول: هذا إنسان. إنها تقول، بلغة أكثر برودة: ماذا يوجد هنا؟

في عالم الحشرات، الحدود بين المشي والتذوق أقل صرامة مما نتصور. فالذبابة تستطيع التقاط معلومات كيميائية عبر مستقبلات موجودة في أجزاء من أرجلها. وهذا يجعل الهبوط نفسه فعلا معرفيا. إنها لا تصل إلى السطح ثم تبدأ التفكير؛ وصولها هو جزء من التفكير. وهنا يصبح جسدها جهاز استشعار مدهشا. الإنسان يضع الطعام في فمه لكي يعرف طعمه. الذبابة تستطيع أن تبدأ بعض هذا الاستكشاف قبل أن تستخدم فمها. إن الأرض التي تمشي عليها ليست مجرد أرض، بل رسالة. وكل سطح يمر تحت أقدامها يمكن أن يكون سؤالا كيميائيا ينتظر جوابا. ولعل هذا هو السبب في أن الذباب يبدو أحيانا كأنه يمارس فنا غريبا من التردد: هبوط، مشي، توقف، إقلاع، عودة. إنه لا يغير رأيه كثيرا. إنه يجمع البيانات. ثم يغير رأيه. ثم يجمع بيانات أخرى. ولو كان للذبابة مختبر وإدارة أبحاث، لربما كان ذلك كله يسمى: مشروع الذراع اليسرى، المرحلة الرابعة.

الإنسان يعتقد أن العرق شيء يخرج من جسده في محاولة منه للتخلص من الحرارة. وهذا صحيح، لكنه ليس القصة كلها بالنسبة إلى حشرة صغيرة. فالعرق يترك على الجلد ماء وأملاحا ومركبات أخرى، ويتفاعل مع ما يوجد على سطح البشرة من مواد. ومن منظور حشرة تبحث باستمرار عن موارد، قد يصبح الجلد المتعرق أشبه برسالة كيميائية مفتوحة. نحن لا نرسلها عن قصد. لكن الذبابة تستقبلها. وهذه واحدة من غرائب الحياة: قد نكون صامتين تماما، فيما تكون أجسادنا تتحدث بلغات لا نسمعها. رائحة، حرارة، رطوبة، أملاح، ثاني أكسيد الكربون في المحيط، آثار غذاء، وبقايا عضوية دقيقة. نحن نعيش داخل سحابة من الإشارات التي تتدفق منا وإلينا، ولا نشعر بمعظمها. الذبابة، على طريقتها، تعيش في عالم آخر. عالم ليس فيه الجلد جدارا، بل شاشة. وليس فيه العرق مجرد ماء، بل خبر. لكن, لماذا تعود بعد أن نطردها؟

لأن طردها, قارئي العزيز, لا يمحو المعلومة التي جذبتها. هذه نقطة بسيطة، لكنها تفسر كثيرا من الغضب الذي نشعر به تجاهها. نلوح بيدنا، فتغادر. لكن البيئة نفسها ما زالت موجودة. جلدنا ما زال هنا. الرطوبة ما زالت هنا. والإشارات الكيميائية لم تختف لأننا أصدرنا حكما بالطرد. بالنسبة إلينا، كانت المعركة: أنا ضد الذبابة. أما بالنسبة إليها، فالمشهد أكثر تواضعا: كان هناك سطح مثير للاهتمام، اقتربت منه، هاجمتني موجة هوائية هائلة، نجوت، ثم عدت إلى الموقع نفسه. إنها لا تملك كبرياءنا. ولا تعرف معنى أن نقول: لقد طردتها مرتين. قد تعود للمرة الثالثة بكل هدوء، لأن الطبيعة لا تحترم كثيرا دراما الإنسان.

وليس غريبا أن يحتل الذباب مكانا خاصا في المخيلة العربية القديمة. الجاحظ، في كتاب الحيوان، لم ينظر إلى الكائنات باعتبارها هامشا من العالم، بل جعلها مادة للتأمل في طبائع الأحياء، وفي عجائب الخلق، وفي العلاقة بين القوة والضعف، والمنفعة والضرر، والحيلة والبقاء. والذباب في التراث العربي ليس مجرد حشرة مقززة. لقد كان أيضا مثالا على صغر الحجم مع شدة الحيلة، وعلى الكائن الذي قد يبدو حقيرا في العين لكنه يملك من خصائص الحياة ما يستحق التأمل. وفي القرآن الكريم يأتي الذباب في صورة بلاغية شديدة القوة: ﴿لَن يَخلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجتَمَعُوا لَهُ﴾. ليست قيمة الذباب هنا في حجمه، بل في المفارقة التي يصنعها: كائن بالغ الصغر يصبح مقياسا لحدود القدرة البشرية. شيء نكاد نسحقه بلا انتباه، ثم يعجز الإنسان عن خلق مثله. وهذه المفارقة لا تزال حية على نحو يثير الدهشة. فالإنسان الذي بنى الأقمار الصناعية، وفكك الذرة، وكتب خوارزميات تتنبأ بسلوك الأسواق، لا يستطيع ببساطة أن يعيد بناء الذبابة من الصفر، بكل تعقيداتها الحسية والعصبية والبيولوجية. لقد صغر حجم الذبابة. لكن لم تصغر أسرارها.

وفي اليونان القديمة أيضا كانت الذبابة أكثر من ذبابة. فالحضارات القديمة لم تكن ترى الحيوان دائما بعين المختبر الحديث. كانت تمنحه أحيانا وظيفة رمزية أو أسطورية. في المخيال اليوناني القديم ظهر Myiagros، وهو كيان مرتبط بطرد الذباب، في صورة تكشف شيئا طريفا عن علاقة الإنسان القديم بهذه الحشرة: حين يعجز الإنسان عن فهم الإزعاج، قد يمنحه اسما أسطوريا. فما لا نستطيع السيطرة عليه تماما، نحوله أحيانا إلى قصة. وما لا نستطيع تفسيره، نعطيه إلها. أما أرسطو، الذي كان من أكثر عقول العالم القديم شغفا بمراقبة الحيوان وتصنيف ظواهره، فقد جعل من دراسة الكائنات جزءا من مشروعه في فهم الطبيعة. كان العالم القديم يراقب الذبابة بعين الفيلسوف، والعالم الحديث يفحصها بالمجهر والمختبر والتجربة الجينية. لكن المدهش أن السؤال لم يتغير تماما: كيف يستطيع هذا الكائن الصغير أن يفعل كل ما يفعله؟

الذبابة ليست غبية، بل نحن نستخدم مقياسا خاطئا. نحن نميل إلى قياس الذكاء بطريقة بشرية: ذاكرة، لغة، تخطيط، أدوات، قدرة على التجريد. لكن الطبيعة لا توزع الذكاء بهذه الطريقة. هناك ذكاء يشبه مكتبة. وهناك ذكاء يشبه سهم الريح. ذكاء الإنسان تراكم فوق ملايين الصفحات من الثقافة، بينما يمكن أن يكون ذكاء الذبابة مختصرا في شبكة عصبية صغيرة، لكنها محسنة عبر تاريخ تطوري هائل لتمييز الروائح، والحركة، والحرارة، والرطوبة، والمواد القابلة للاستغلال، والهرب من الخطر. ليست المسألة أن الذبابة تعرف أقل. المسألة أنها تحتاج إلى معرفة مختلفة. وهنا يقع الإنسان في خطأ قديم: يخلط بين صغر الدماغ وصغر العالم. الذبابة لا تحتاج إلى أن تعرف شكسبير. ولا إلى حل معادلات أينشتاين. ولا إلى أن تفهم لماذا يشعر الإنسان بالإهانة حين تحط على أنفه. يكفيها أن تعرف شيئا واحدا بالغ الأهمية: أين يوجد ما يمكن أكله، وأين يوجد الخطر. وقد تكون هذه، في النهاية، خلاصة الحياة في أبسط صورها.

ربما أكثر ما يزعجنا في الذبابة ليس أنها تحط علينا. بل أنها تذكرنا، من دون قصد، بأننا لسنا مركز العالم. نحن نرى أنفسنا أشخاصا، أصحاب سيرة واسم وذاكرة ومشاريع ومخاوف، ثم تأتي ذبابة وتهبط على جبهتنا وكأن كل هذه الهندسة المهيبة للذات البشرية ليست ذات صلة بالموضوع. بالنسبة إليها، قد تكون جبهتنا مجرد سطح دافئ. وهذا مضحك على نحو فلسفي. نحن نحتاج إلى قرون من الفلسفة لكي نسأل: من نحن؟ والذبابة تحتاج إلى جزء من الثانية لكي تسأل سؤالا أكثر عملية: هل على هذا السطح شيء يستحق التجربة؟ ثم تهبط. إنها لا تحتقرنا. وهذا ربما أسوأ.الاحتقار يتطلب أن تعرف من نحن.أما اللامبالاة، فهي أكثر قسوة.

حين تهبط الذبابة على جلدنا، لا تكون بصدد زيارة شخصية. لا تعرف اسمنا، ولا عمرنا، ولا مهنتنا، ولا عدد الكتب التي قرأناها، ولا المناصب التي شغلناها، ولا الأحلام التي نؤجلها إلى الغد. إنها تقرأ ما لا نقرأه في أنفسنا: حرارة، رطوبة، أملاح، روائح، إشارات كيميائية. وهكذا يصبح الجلد، فجأة، نصا بيولوجيا. نحن نعيش داخل أجسادنا حتى ننسى أنها أيضا بيئات. نحن بالنسبة إلى أنفسنا “أنا”. أما بالنسبة إلى كائن مجهري الحساسية، فقد نكون مناخا. وهذه واحدة من أجمل المفارقات التي تمنحنا إياها الطبيعة: أن الإنسان، الذي يصف نفسه بأنه كائن عاقل، قد يكون في لحظة ما مجرد سطح جيد للهبوط. لذلك لا تعود الذبابة دائما لأنها عنيدة قد تعود لأنها وجدت شيئا يستحق الفحص. قد تعود لأن المكان نفسه ما زال يرسل الإشارة نفسها. وقد تعود لأننا، ببساطة، لم نفهم أن اليد التي تطردها لا تغير العالم الذي جذبها. وهنا يصبح المشهد الصغير بين إنسان وذبابة درسا غريبا في المعرفة: نحن نتصرف بناء على ما نراه. وهي تتصرف بناء على ما تشمه وتلمسه وتستشعره. نحن نرى الإزعاج. وهي ترى معلومة. نحن نرى كائنا حقيرا. وهي ترى سطحا محتملا للطعام. نحن نلوح بيدنا. وهي تجمع بياناتها. ثم ترحل. أو تعود. وفي الحالتين، تترك وراءها سؤالا أكبر من حجمها: كم من الأشياء التي تحدث حولنا لا نراها، لا لأنها خفية، بل لأن حواسنا لم تصمم لرؤيتها؟ ربما ليست المشكلة دائما في أن العالم غامض. ربما العالم واضح جدا. لكننا نملك الحواس الخطأ. والذبابة، تلك المخلوقة التي لا نمنحها عادة أكثر من صفعة، تأتي لتذكرنا بهذه الحقيقة المربكة: قد تكون على جلدنا قصة كاملة، بينما نحن لا نرى فيها سوى ذبابة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *