الحلقة الحادية عشرة من سلسلة «أسطورة النكتة في الحي المحمدي» – المرحوم كيرا
بقلم عبد الله شوكا، كاتب وصحافي- المغرب
كان أبناء الحي المحمدي يعرفون، كما تعرف البيوت أسرار أهلها، أن الفنان الغيواني العربي باطما كان يكن لأسطورة النكتة كيرا محبة خاصة، ويجد في صحبته فسحة نادرة من الضحك والأنس. وكان كثيرا ما يرافقه في سيارته، ويحمله معه إلى بيته بحي كوتيي في قلب الدار البيضاء، حيث كان يحرص على الانفراد به، لا لشيء إلا ليستمتع بذلك النبع العجيب الذي كان كيرا يستمد منه قفشاته ونكته وطرائفه. كان كيرا، بالنسبة إلى العربي باطما، أكثر من مجرد صاحب نكتة؛ كان رجلا يعرف كيف يلتقط المفارقة من حيث لا يراها أحد، وكيف يحول أبسط المواقف إلى مشهد ساخر يظل عالقا في الذاكرة. وكان العربي يعرف أن وجود كيرا في مجلسه كفيل بأن يمنح الجلسة روحا أخرى، وأن يجعل للضحك مكانا لا ينافسه فيه شيء.
وفي أحد الأيام، كان العربي باطما جالسا في بيته برفقة كيرا، حين رن جرس الباب. كان العربي يعرف مسبقا من يقف وراء الباب، وكان، على ما يبدو، قد أعد في ذهنه فصلا صغيرا من فصول المقالب الجميلة، يريد أن يمنح فيه كيرا فرصة نادرة للظهور أمام ضيفه. التفت إلى كيرا وقال له:
ـ افتح الباب
نهض كيرا من مكانه من دون تردد، واتجه إلى الباب وفتحه. فإذا بالضيف هو الفنان الكبير عبد الوهاب الدكالي. دخل الدكالي، ولم يكن يعرف أن الرجل البسيط الهيئة الذي فتح له الباب يخفي وراء مظهره واحدا من أمضى ألسنة النكتة في الحي المحمدي. فلم يعر كيرا كبير اهتمام، وتجاوزه متوجها مباشرة إلى العربي باطما، ليسلم عليه ويطمئن إلى أحواله. وكان العربي يتابع المشهد في صمت، بعينين تختزن كل شيء. ولعل حاله كان يقول في سره لعبد الوهاب الدكالي:
«غير بلاتي دابا تشوف!»
جلس الثلاثة، وتبادلوا التحية والسلام والسؤال عن الأحوال الشخصية والفنية، ثم انفتح الحديث بين العربي باطما وعبد الوهاب الدكالي. ولأن العربي كان يعرف كيف يجعل من الزيارة العادية مجلسا فنيا، طلب من الدكالي أن يتحفهم بأغنية «كان يا ما كان»، تلك الأغنية التي كان لها، منذ ظهورها في مطلع الثمانينيات، وقع خاص في وجدان عشاق الأغنية المغربية. تناول عبد الوهاب الدكالي آلة العود، واستقرت الجلسة على إيقاع الفن. بدأ يغني، والعربي باطما يصغي إليه، بينما كان كيرا جالسا في مكانه، يراقب المشهد بعينين لا تفوتهما شاردة ولا واردة. ومضى الدكالي في أداء الأغنية، إلى أن بلغ المقطع:
«وفي يوم من الأيام
ولد شيخ البلاد
كان على جوادو هواد
شاف غزالي في الواد
خطفها وزاد»
هنا، وفي اللحظة التي كان فيها الجميع منصتا إلى الغناء، خرجت قذيفة كيرا من دون سابق إنذار. التفت إلى عبد الوهاب الدكالي وقال له، بكل برودة الأعصاب:
«قولبك!»
كلمة واحدة، لكنها كانت كافية لأن تقلب مقام الجلسة من الطرب إلى الضحك، ومن الوقار الفني إلى الانفجار الكوميدي. كان كيرا يشير إلى «ولد شيخ البلاد» الذي خطف غزال الدكالي في سياق الأغنية، وكأنه لم يسمع حكاية غنائية، بل ضبط المتهم متلبسا بجريمته، ثم قرر أن يواجهه بها أمام الجميع. وهنا انفجر العربي باطما وعبد الوهاب الدكالي في ضحك هستيري. وتروي المصادر أن العربي باطما، من شدة الضحك، سقط من فوق الأريكة، بعدما عجز عن مقاومة تلك الضربة الكيراوية التي جاءت في لحظتها، وأصابت هدفها من دون مقدمات. أما كيرا، فبقي على بساطته، وكأن شيئا لم يحدث.
وهنا تكمن عبقرية الرجل. فكيرا لم يكن يحتاج إلى مقدمات طويلة، ولا إلى سرد متكلف، ولا إلى البحث عن النكتة بحثا. كان ينتظر اللحظة فقط، ثم يطلق كلمته في المكان الذي ينبغي أن تقع فيه، فتفعل فعلها. كانت «قولبك» كلمة قصيرة، لكنها حملت من السخرية ما لا تحمله صفحات، لأنها قلبت معنى الأغنية من حكاية عن «ولد شيخ البلاد» إلى مشهد شخصي، وكأن الدكالي فقد غزاله فعلا، وكأن كيرا لم يكن مستمعا إلى أغنية، بل شاهدا على الواقعة. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد شهرة كيرا محصورة في أحياء الحي المحمدي ومجالس أبنائه، فقد كان العربي باطما، بحبه له ومرافقته الدائمة، يفتح له أبوابا أخرى. وصار الفنانون المغاربة الذين يقصدون بيت العربي باطما يتعرفون، واحدا بعد آخر، إلى ذلك الرجل الذي لم يحمل آلة موسيقية، ولم يطلب ميكروفونا، ولم يقف تحت أضواء المسرح، لكنه كان قادرا على أن يخطف الأضواء كلها بجملة واحدة. كان بيت العربي باطما، في تلك الأيام، فضاء تلتقي فيه الموسيقى بالنكتة، ويلتقي فيه كبار الفنانين برجل من عامة الناس، لكنه كان يمتلك موهبة لا تقل ندرة عن موهبة أهل الفن: موهبة صناعة اللحظة.
وهكذا كان كيرا. بسيطا في مظهره، عميقا في حسه، سريع البديهة، شديد الإصابة في النكتة، يعرف أن أجمل الطرائف ليست تلك التي ترفع صوتها، وإنما تلك التي تأتي هادئة، في اللحظة المناسبة، ثم تترك المجلس كله يتهاوى من شدة الضحك. ولذلك بقيت واقعة «قولبك» واحدة من تلك الحكايات التي تختصر سيرة رجل جعل من النكتة فنا، ومن البساطة عبقرية، ومن المجالس العابرة ذاكرة لا تزال تضحك كلما أعيدت على مسامع من عرفوا كيرا، أو سمعوا عنه. لقد فتح الدكالي باب الطرب بالعود، لكن كيرا فتح باب الضحك بكلمة واحدة. وكانت تلك، مرة أخرى، فسحة من فسحات كيرا.
📲 Partager sur WhatsApp