بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك تواريخ لا تسكن في التقويم، بل تسكن في الدم. وعشرون غشت واحد منها. يأتي هذا اليوم كل عام، فيبدو للعين مجرد صفحة أخرى في دفتر الزمن، لكن الزمن نفسه يعرف أنه ليس يوما عاديا. ففي المغرب، بعض الايام لا تمر، بل تقيم. لا تنقضي، بل تعيد ترتيب الذاكرة في داخلنا، كما يعيد الماء ترتيب الحصى في قاع النهر. عشرون غشت ليس رقما بين عشرات الأرقام. إنه الجرح حين تعلم كيف يصير ذاكرة، والذاكرة حين تتعلم كيف تصير وطنا. إنه اليوم الذي خرجت فيه العلاقة بين الملك والشعب من القصر إلى قلب التاريخ، ثم عادت من التاريخ إلى قلب كل مغربي، مثل نهر سري لا تراه العين، لكنك تشعر ببرودته في اعماق الارض. في ذلك اليوم، لم يكن الوطن قطعة جغرافيا تدافع عن حدودها. كان روحا تدافع عن اسمها. وكان اسمها: المغرب.
حين نفي الملك محمد الخامس، ظن الاستعمار أنه اقتلع رجلا من عرشه. لكنه لم يفهم شيئا من المغرب. لم يكن محمد الخامس، في الوعي المغربي، مجرد ملك يجلس فوق عرش. كان العرش نفسه قد صار معنى، وصار الملك بالنسبة إلى المغاربة واحدا من الرموز التي تختزن استمرارية الدولة والامة والذاكرة. لذلك حين امتدت يد المنفى إلى الملك، لم تمتد إلى رجل واحد. امتدت إلى وتر خفي في جسد وطن كامل. فاهتز الوتر. واهتز معه المغرب. وكانت المفارقة التي لم يحسن الاستعمار قراءتها أن المنفى، الذي أراد أن يصنع المسافة بين الملك وشعبه، صنع العكس تماما: جعل المسافة نفسها جسرا. صار الملك البعيد اقرب. وصار القصر، وهو بعيد، يسكن البيوت. وصارت صورة الملك في المخيال الشعبي أشبه بقنديل وضعته الذاكرة في نافذة الوطن كي لا يضيع الليل.
الثورات الكبرى لا تبدأ دائما بصوت المدافع. بعضها يبدأ بصمت. صمت امرأة تخبئ صورة الملك. صمت فلاح يرفض أن ينسى. صمت شيخ يحكي لطفل عن ملك لم يره. صمت مدينة تعرف أن الغياب ليس موتا. وصمت شعب يقرر، في لحظة تاريخية، أن يقول للاحتلال: يمكنك أن تتحكم في الارض، لكنك لن تتحكم في معنى الوطن. من هنا كانت المقاومة المغربية أعمق من مواجهة عسكرية. كانت معركة على الذاكرة. ومن يملك الذاكرة، يملك مفتاح المستقبل. كان الاستعمار يريد مغربا بلا رموز، بلا امتداد، بلا مركز روحي، بلا حبل يصل الحاضر بالماضي. لكن المغرب احتفظ بالحبل. وظل يشده من طرفه. وكان الطرف الآخر هو الملك.

أكبر خطأ يمكن أن يقع فيه من يريد فهم المغرب هو أن ينظر إليه كخريطة. المغرب ليس خريطة فقط. الخريطة ترسم الحدود، لكنها لا ترسم الرائحة. لا ترسم صوت المؤذن حين يهبط المساء على قرية في جبال الاطلس. لا ترسم رطوبة الاطلسي. لا ترسم لون التراب بعد المطر. لا ترسم يد الام وهي تخبز. لا ترسم قصص الجدود. ولا تستطيع أن تشرح لماذا يمكن لمغربي بعيد آلاف الكيلومترات أن يسمع اسمه الحقيقي بمجرد أن يسمع كلمة واحدة: المغرب. الوطن، في معناه الاعمق، ليس المكان الذي نسكنه. إنه المكان الذي يسكننا. ولهذا لم يكن الدفاع عن الملك في عشرين غشت دفاعا عن شخص فقط، بل كان، في المخيال الوطني، دفاعا عن استمرارية المغرب نفسه، عن ذاكرته السيادية، وعن حقه في أن يكتب تاريخه بيده لا بقلم منفى مفروض عليه.
ومن المدهش في التجربة المغربية أن الملكية لم تكن، في الوعي الوطني، مجرد سلسلة من الأسماء. محمد الخامس ارتبط بذاكرة التحرر والاستقلال. الحسن الثاني ارتبط بمرحلة بناء الدولة وتثبيت مؤسساتها واستكمال الوحدة الترابية. ومحمد السادس ارتبط بمغرب دخل قرنا جديدا محملا بأسئلة التنمية والعدالة الاجتماعية والتحديث والانفتاح، مع استمرار مركزية الملكية في بنية الدولة. هنا لا يتعلق الأمر بتشابه الأزمنة، فهي مختلفة. ولا يتعلق الأمر بتقديس التاريخ، فالتاريخ لا يقدس. إنّما يتعلق باستمرار فكرة واحدة: أن المغرب، رغم التحولات، لم يسمح لذاكرته السياسية بأن تتحول إلى قطيعة كاملة مع جذورها. وهذا ربما سر من أسرار صموده. الشجرة التي تنسى جذورها تستطيع أن تكبر بسرعة. لكنها تسقط بسرعة أكبر. أما الشجرة التي تعرف أين غرست جذورها، فإن الريح تستطيع أن تهز أغصانها، لكنّها لا تستطيع أن تقنعها بأنّها ليست شجرة.
ثمة شيء في العلاقة المغربية بالملك يصعب ترجمته إلى لغة السياسة الباردة. يمكن للعلوم السياسية أن تتحدث عن النظام، والمؤسسات، والدستور، والسلطات، والشرعية. وكل ذلك ضروري. لكن هناك طبقة أخرى لا تدخل بسهولة في الجداول. طبقة وجدانية. رمزية. تكاد تكون صوفية. ففي المخيال المغربي، الملك ليس فقط مؤسسة دستورية، بل هو أيضا امتداد لذاكرة عريقة تربط الدولة بالبيعة، وتربط الشرعية السياسية بسلسلة تاريخية طويلة. لهذا تبدو العلاقة بين الملك والوطن، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المغاربة، أقل شبها بعلاقة الناخب بالمسؤول المنتخب، وأكثر شبها بعلاقة الذاكرة بمفتاحها. وهنا بالضبط ينبغي أن يفهم السياسيون شيئا لا يظهر في استطلاعات الرأي: هناك روابط سياسية لا تصنعها الحملات الانتخابية. هناك روابط تصنعها القرون.

مساندة الدولة لا تعني إلغاء السؤال. والوطنية الحقيقية لا تحتاج إلى إغلاق العيون، بل إلى فتحها على اتساعها. فالوطن الذي نحبّه لا نجامله. نحرسه. والحارس الحقيقي ليس من يقول دائما إن كل شيء جميل، بل من يخاف على الجميل من القبح، وعلى القوي من الضعف، وعلى الدولة من العبث، وعلى المجتمع من اليأس. ومن هنا يمكن لعشرون غشت أن يكون أكثر من ذكرى. يمكن أن يكون مرآة. نسأل فيها أنفسنا: هل نستحق حجم التضحيات التي صنعت استقلالنا؟ هل نعرف ماذا يعني أن تكون للمغربي دولة لها هذا العمق التاريخي؟ هل نعامل الوطن كوديعة، أم كغنيمة؟ هل نحفظ الجذور ونحن نركض نحو المستقبل؟ هذه الأسئلة ليست ضد الوطن. إنها من علامات حبّه.
في لحظات الانقسام، تظهر قيمة الرموز الجامعة. وفي زمن عالمي تتحرك فيه الحدود والأفكار والاقتصادات والهويات بسرعة البرق، تصبح الدول التي تعرف مركز ثقلها أقل عرضة لأن تتحول إلى ورقة في مهب الريح. والمغرب، بكل تناقضاته وتعدد روافده، يملك هذا المركز التاريخي: ملكية. وطن. ذاكرة. دين. لغة. ثقافة. تراب. وحدة. وتاريخ طويل لم يكن دائما مستقيما، لكنّه ظل يعرف كيف يعود إلى نفسه. لهذا تبدو صورة الملك في المخيال المغربي شبيهة بجذع شجرة ضخمة: قد تتبدل الفصول حوله، وقد تتغير الاوراق، وقد تأتي الرياح من جهات لم يعرفها الاجداد، لكن الجذع يظل شاهدا على أن الزمن لم ينجح في اقتلاع الشجرة.

أخطر شيء يمكن أن نفعله بالذاكرة أن نحولها إلى متحف. عشرون غشت ليس مناسبة لنقول: كان هناك رجال ونساء قاوموا ذات يوم. بل مناسبة لنسأل: ماذا نفعل نحن اليوم بالحرية التي تركوها لنا؟ الاستقلال ليس شهادة تعلّق على الجدار. إنه مسؤولية يومية. أن تكون مغربيا يعني أن تعرف أن الوطن ليس ملك جيل واحد. نحن نستعير المغرب من الذين سبقونا، ونحاول أن نسلمه إلى الذين سيأتون بعدنا أقل كسرا وأكثر قوة. وهذا هو المعنى الحقيقي للوطنية. الوطنية ليست أن تضع يدك على قلبك عندما يعزف النشيد فقط. الوطنية أن تضع الوطن في ضميرك عندما لا يسمعك أحد.
في زمن صاخب، يبقى المغرب هادئا مثل صلاة قديمة. فالعالم اليوم يشبه سوقا هائلا من الاصوات. كل دولة تصرخ. كل ايديولوجيا تبحث عن ميكروفون. كل منصة تريد أن تجعل العالم يشبهها. وفي وسط هذا الضجيج، هناك بلدان تحاول أن تتذكر من تكون. المغرب واحد منها. ليس لأنه كامل. لا يوجد وطن كامل. ولكن لأن لديه ما هو أثمن من الكمال: لديه ذاكرة. والذاكرة، حين تكون عميقة، تمنح الامة قدرة عجيبة على النجاة من نفسها. عشرون غشت هو أحد مفاتيح هذه الذاكرة. حين نذكره، لا نستعيد فقط حادثة سياسية. نستعيد لحظة قال فيها المغرب، بطريقة أو بأخرى، إن الملك ليس غريبا عن الوطن، وإن الوطن ليس بلا ذاكرة، وإن السيادة ليست ورقة تمنحها قوة وتستعيدها قوة أخرى. كانت هناك كرامة. وكان هناك شعب. وكان هناك ملك في المنفى. وكان التاريخ يتهيأ لكتابة سطر لا يزال حيا.
قد يستطيع السياسي أن يحصي الأصوات. وقد يستطيع الاقتصادي أن يحصي الأرقام. وقد يستطيع عالم الاجتماع أن يحصي الاتجاهات. لكن هناك شيئا لا يظهر بسهولة في الإحصاءات: لماذا يحب الناس وطنهم؟ ولماذا يظل بعض الرموز حاضرا بعد عقود؟ ولماذا يستطيع اسم ملك أن يعبر من جيل إلى جيل دون أن يفقد كل معانيه؟ هنا تقف السياسة عند باب الشعر. وهنا يبدأ الوطن في استعصاء تفسيره. لأن الوطن ليس معادلة. إنه ذاكرة جماعية ترتدي أحيانا شكل تراب، وأحيانا شكل علم، وأحيانا صوت أم، وأحيانا صورة ملك، وأحيانا صلاة لا يعرف صاحبها لماذا تدمع عيناه وهو يؤديها.
عشرون غشت هو ذلك اليوم الذي يصير فيه التاريخ مرآة والمرآة نافذة. ننظر إلى الوراء فنرى محمد الخامس. ننظر إلى الأمام فنرى المغرب شامخا في شخص ملكنا محمد السادس -نصره الله-. وبين الصورتين يقف شعب كامل، يحمل في يده خيطا رفيعا اسمه الذاكرة، وفي قلبه جذرا اسمه ملحمة ثلاثية الأبعاد ملك وطن وشعب. قد تتغير الحكومات. قد تتبدل النخب. قد تتغير الوجوه. قد تتغير خرائط القوة في العالم. وقد تعبر فوق المغرب عواصف لم تولد بعد. لكن هناك شيئا واحدا لا ينبغي أن يتغير: أن يعرف المغربي أن المغرب ليس صدفة. وأن يعرف أن الاستقلال لم يسقط من السماء. وأن يعرف أن الملكية ليست تفصيلا عابرا في تاريخ البلاد. وأن يعرف، قبل كل شيء، أن الوطنية ليست صخبا. الوطنية خشوع. هي أن نقف أمام تاريخ بلدنا كما يقف الصوفي أمام محراب لا يملك تفسيره كله، لكنه يعرف أنّه مقدس في وجدانه.

هنا يصير الوطن صلاة…ربّما لهذا لا أحب أن أرى عشرين غشت كعيد من أعياد التقويم. أراه كصلاة وطنية بلا محراب. صلاة يؤديها المغربي في قلبه حين يتذكر من دفعوا ثمن الحرية من أمهاتنا وآبائنا و جداتنا وأجدادنا . حين يُتذكَّر ملكا عاد من المنفى. حين يتذكر شعبا لم يسمح للنفي أن ينفي ذاكرته. حين ينظر إلى علم بلاده فيرفعه لا بيده فقط، بل بكل الذين لم يستطيعوا أن يرفعوه يوما. عشرون غشت يقول لنا شيئا بسيطا وعميقا في آن واحد: الوطن الذي يفقد ذاكرته يفقد طريقه، والوطن الذي يحفظ جذوره يستطيع أن يواجه العاصفة دون أن يخلع السماء من فوقه. والمغرب ليس قويا لأنه لا يتغير. بل لأنه يعرف كيف يتغير دون أن يتنكر لنفسه. تلك هي الحيلة المغربية القديمة. أن تمشي نحو المستقبل وظهرك إلى الجذور. أن تفتح النوافذ للريح، من دون أن تقتلع الأبواب. أن تستقبل العصر، من دون أن تسلم له مفاتيح الذاكرة. وفي كل عشرين غشت، حين يعود التاريخ مثل طائر مهاجر إلى عشه الاول، نفهم أن الوطن ليس الارض التي تحت اقدامنا فقط. الوطن هو ما يبقى فينا حين تسقط كل الخرائط. والمغرب، في أعمق معانيه، ليس مجرد بلد نعيش فيه. إنه بلد يعيش فينا. وحين يصبح الوطن جزءا من الروح، لا يعود الدفاع عنه موقفا سياسيا فقط؛ يصبح نوعا من الوفاء للذات.
📲 Partager sur WhatsApp
لم يفهم الاستعمار بأن الإنسان كاءن نباتي، له جذور يحيا بها من نسغ تربة الأرض التي يتجذر فيها كيان الجسد، مجسدا نفسه في إمبراطورية دلالية، ذات ذاكرة وتاريخ، هي عينها اسمنت الانتماء. لذا فشلت تجارب المستعمر في محاولة الاقتلاع، تمكن فقط من عقد الهدنة، واكتفى بوضع اليد على خيرات تلك الأرض فقط.