نيجيريا: صندوق الاقتراع على حافة البركان

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ليس السؤال في نيجيريا هو من سيجلس في قصر آسو روك، بل أي صورة من صور غرب إفريقيا ستبقى قائمة حين تستقر غبار التحولات على الخريطة. فنيجيريا ليست دولة كبيرة داخل إقليم مضطرب فحسب؛ إنها الثقل الذي يمنع الإقليم من الانقلاب إلى فراغ جيوسياسي، والكتلة التي إذا تحركت اختل ميزان القارة كما يختل ميزان سفينة حين ينسحب ثقلها من موضعه. ولهذا تبدو الانتخابات النيجيرية، في معناها العميق، أقل شبها بموسم تنافس حزبي وأكثر شبها بلحظة امتحان لتماسك غرب إفريقيا نفسه: هل يبقى المحيط الأطلسي فضاء للتجارة والعبور، أم يتحول إلى حافة مفتوحة لاقتصاد الحرب والهجرة والتهريب وتنازع النفوذ؟

منذ انكشاف الشرخ بين المؤسسة الإقليمية والانقلابات العسكرية في الساحل، لم يعد ممكنا قراءة مستقبل غرب إفريقيا من الخرائط السياسية التقليدية. فقد بدأت المنطقة تفقد شيئا كان يبدو حتى وقت قريب بديهيا: وحدة المجال الاستراتيجي. انسحبت دول الساحل من مدار الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، وتراجعت قدرة المؤسسات الإقليمية على فرض قواعدها، بينما أخذت القوى الخارجية تتعامل مع التشظي باعتباره فرصة لا كارثة. وهنا بالضبط تصبح نيجيريا أكثر من دولة محورية؛ تصبح آخر عقدة تمنع السلسلة من الانقطاع الكامل. فحين يتصدع المركز، لا تسقط الأطراف دفعة واحدة؛ بل تبدأ الخريطة نفسها في فقدان معناها. الطرق التجارية تنكمش، الحدود تتحول من خطوط قانونية إلى مناطق رمادية، والطاقة تصبح رهينة للأمن، والأمن يصبح رهينة للتمويل، والتمويل يصبح رهينة للقوة السياسية. عند هذه النقطة لا تعود الدولة الضعيفة دولة فقيرة فحسب، بل تتحول إلى مضاعف للأزمات. وهذا هو الخطر الحقيقي الذي يحيط بغرب إفريقيا: ليس انهيار دولة واحدة، وإنما نشوء منظومة إقليمية تتغذى فيها أزمات الدول بعضها من بعض حتى يصبح الاستقرار استثناء والفوضى قاعدة.

في قلب هذا المشهد تقف نيجيريا، لا باعتبارها عملاقا سكانيا فحسب، بل باعتبارها آخر دولة تمتلك في الوقت نفسه الحجم الديموغرافي، والقدرة الاقتصادية، والعمق العسكري، والموقع البحري، والوزن الدبلوماسي، والشرعية المؤسساتية الكافية للتحدث باسم فكرة الإقليم الموحد. ولذلك فإن أي انتقال سياسي في أبوجا لن يكون مجرد تبديل في أسماء الوزراء أو إعادة ترتيب للمقاعد في الجمعية الوطنية؛ إنه قد يكون إعادة ضبط للبوصلة التي تتحرك بها المنطقة كلها. إن مفارقة نيجيريا الكبرى أن قوتها تكمن في شيء لا يبدو للقوة صلة مباشرة به: هشاشتها نفسها. فهي دولة ضخمة، شديدة التنوع، مثقلة بالتفاوت الاجتماعي، ومواجهة بتحديات أمنية واقتصادية هائلة، لكنها استطاعت، رغم كل ذلك، أن تحافظ على آلية تداول السلطة والاحتكام إلى المؤسسات. وفي قارة شهدت خلال السنوات الأخيرة عودة الانقلابات العسكرية إلى الواجهة، تصبح الانتخابات النيجيرية نوعا من البنية التحتية السياسية؛ شيئا شبيها بالسد الذي لا يلفت النظر إليه أحد إلا حين يبدأ الماء في الارتفاع.

ومن هنا فإن قيمة الاستحقاق الانتخابي تحدد بما إذا كان الخاسر سيقبل بالخسارة، وما إذا كانت المؤسسة ستبقى أكبر من الشخص، وما إذا كان الجيش سيظل داخل ثكناته، وما إذا كان القضاء سيحافظ على قدرته على إنتاج الشرعية لا مجرد تسجيل نتائجها. إن الديمقراطية في هذا السياق ليست زينة دستورية، بل نظام دفاع جيوسياسي. كل انتخابات ناجحة في نيجيريا تقول للمنطقة إن الدولة لا تزال قادرة على تغيير قيادتها من دون تغيير نظامها بالقوة؛ وكل أزمة انتخابية كبيرة تقول العكس. ولذلك فإن المعركة الاقتصادية في أبوجا ليست منفصلة عن المعركة الجيوسياسية. فإصلاحات الرئيس بولا أحمد تينوبو، وعلى رأسها رفع دعم الوقود وتوحيد سوق الصرف، ليست مجرد قرارات مالية باردة كما تبدو في جداول وزارة المالية. إنها محاولة لإعادة بناء الدولة من داخل خزنتها. لكن الإصلاح الاقتصادي الذي يطلب من المواطن أن يتحمل الألم اليوم مقابل وعد بالاستقرار غدا يظل معرضا لأخطر امتحان سياسي: ماذا يحدث عندما تصبح الدولة أكثر انضباطا ماليا بينما يشعر المجتمع بأنه أصبح أقل قدرة على شراء المستقبل؟

هنا يظهر التناقض الذي سيحكم الانتخابات المقبلة. الحكومة ترى أن الدولة لا تستطيع تمويل مستقبلها وهي تنزف مواردها في دعم غير قابل للاستمرار، بينما يرى خصومها أن الدولة التي تطلب من مواطنيها تحمل كلفة الإصلاح مطالبة أولا بأن تثبت أنها قادرة على تحويل التقشف إلى كهرباء، وطرق، ومصانع، وفرص عمل، وطاقة رخيصة، وأمن يومي. بين الرؤيتين توجد هوة فلسفية قبل أن تكون اقتصادية: هل ينبغي إنقاذ ميزانية الدولة أولا كي تنقذ الدولة المجتمع، أم إنقاذ المجتمع أولا كي يصبح إصلاح الميزانية قابلا للحياة؟ ولهذا فإن الكهرباء النيجيرية أكثر أهمية من كثير من الخطب الانتخابية. فالدولة التي تريد أن تصبح قوة إقليمية لا تستطيع أن تقنع مواطنيها بأن القرن الحادي والعشرين بدأ إذا ظل إنتاجها الكهربائي محاصرا في نطاق لا يتناسب مع حجمها السكاني والاقتصادي. إن الكهرباء ليست مجرد سلعة؛ إنها الشكل الفيزيائي للسيادة. حين ينطفئ المصنع، تتراجع الصناعة. حين تتراجع الصناعة، يتوسع الاقتصاد غير الرسمي. وحين يتسع الاقتصاد غير الرسمي، تضعف قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات. وحين تضعف الإيرادات، يصبح الأمن أكثر كلفة. وهكذا يتحول انقطاع الكهرباء، في نهاية المطاف، إلى معادلة جيوسياسية كاملة.

أما الطاقة، فهي الحبل الآخر الذي يربط نيجيريا بأوروبا وشمال إفريقيا والساحل. فالمنافسة بين مشروع الغاز العابر للصحراء ومشروع خط أنابيب نيجيريا ـ المغرب ليست مجرد منافسة بين مسارين هندسيين؛ إنها صراع صامت بين جغرافيتين. المسار الصحراوي يمر عبر فضاء تتنازعه الانقلابات والجماعات المسلحة وانهيار الثقة بين الحكومات، بينما يراهن المسار الأطلسي على تحويل الساحل البحري إلى شريان اقتصادي يتجاوز قلب القارة المضطرب. وفي هذه المفارقة تكمن إحدى أعظم حقائق الجغرافيا السياسية المعاصرة: أحيانا لا تغير الحرب اتجاه الطاقة، بل تغير الطاقة اتجاه الجغرافيا. فإذا أصبح المرور عبر الداخل أكثر خطرا، تمددت البنية التحتية نحو البحر. وإذا أصبح البحر أكثر أمنا من اليابسة، أعادت الأسواق رسم خريطة القارة من دون إطلاق رصاصة واحدة. وهنا يمكن أن يتحول مشروع نيجيريا ـ المغرب من أنبوب غاز إلى نوع من العمود الفقري الاقتصادي الأطلسي، إذا تمكنت الدول المعنية من تحويله من وعد هندسي إلى نظام سياسي واقتصادي متكامل.

لكن هذا المسار نفسه لا يعيش في فراغ. واشنطن تنظر إلى نيجيريا بعين مختلفة عن تلك التي تنظر بها إلى الساحل. الولايات المتحدة لا تحتاج إلى احتلال موقع في إفريقيا لكي تؤثر فيها؛ يكفيها أن تكون حاضرة حيث تمر التجارة، وحيث تتحرك الطاقة، وحيث يصبح أمن البحر مسألة اقتصادية عالمية. لذلك فإن استقرار نيجيريا ليس شأنا غرب إفريقيا خالصا، لأن أي اضطراب واسع في دلتا النيجر أو خليج غينيا يمكن أن يرفع كلفة الملاحة والتأمين والطاقة، ويمنح شبكات الجريمة المنظمة والإرهاب مساحة أوسع للتنفس. وفي الجهة المقابلة، لا تتقدم موسكو بالطريقة نفسها. روسيا لا تحتاج إلى بناء منظومة تنموية شاملة كي تكتسب نفوذا؛ يكفيها أن تجد في البيئات الهشة طلبا على السلاح والحماية والخبرة الأمنية. إن حضورها في الساحل يقوم، في جوهره، على اقتصاد مختلف للنفوذ: حيث ترى الدول الغربية أزمة مؤسساتية تحتاج إلى سنوات من الاستثمار، تستطيع موسكو أن ترى في الفراغ الأمني سوقا سياسية عاجلة. وهذا أحد أسباب خطورة تمدد الفراغ حول نيجيريا: فكلما تقلصت قدرة المؤسسات الإقليمية على إنتاج الأمن، ارتفعت قيمة الجهات التي تستطيع بيع الأمن بسرعة.

أما الصين فتدخل من الباب الآخر. لا تقدم نفسها بوصفها قوة إنقاذ عسكري، بل قوة بنية تحتية. الميناء والسكك الحديدية والمنطقة الصناعية والطاقة ليست في الحساب الصيني مشاريع منفصلة؛ إنها أجزاء من هندسة طويلة تجعل التجارة نفسها وسيلة نفوذ. وفي نيجيريا، حيث يلتقي الحجم السكاني بالموارد الطبيعية والأسواق المتنامية، تصبح البنية التحتية لغة استراتيجية لا تقل قوة عن لغة الدبلوماسية. وهكذا تجد أبوجا نفسها بين ثلاث لغات للقوة: واشنطن تتحدث بلغة الأمن والانفتاح التجاري، وبكين بلغة البنية التحتية وسلاسل الإمداد، وموسكو بلغة الأمن الصلب والفراغات الاستراتيجية. أما نيجيريا نفسها فعليها أن تتحدث بلغتها الخاصة، وإلا تحولت إلى جملة في قاموس الآخرين. وهذه هي النقطة التي تجعل الانتخابات المقبلة ذات معنى يتجاوز صندوق الاقتراع. فالخيار النيجيري الحقيقي ليس بين شخص وآخر فقط، وإنما بين نمطين من تعريف الدولة لدورها: هل تكون نيجيريا قوة توازن إقليمية تستخدم ثقلها لحماية المجال الغربي، أم قوة وطنية منكمشة تستنزفها أزماتها الداخلية وتترك الفراغ يتسع حولها؟

لا يعني ذلك أن أي حكومة جديدة ستلغي الاتفاقات القائمة أو تهدم مشاريع الطاقة بمجرد وصولها إلى السلطة. فالدول الكبرى لا تتحرك مثل الحملات الانتخابية. العقود والاتفاقات والالتزامات الدولية تمتلك ذاكرة أطول من ذاكرة الحكومات. لكن الحكومات تستطيع أن تغير سرعة المشاريع، وشروط تمويلها، وأولوياتها، والضمانات المرتبطة بها، وحتى تعريفها للمصلحة الوطنية. وفي عالم البنية التحتية، قد يكون تأخير المشروع ثلاث سنوات شكلا من أشكال إعادة التفاوض الاستراتيجي. ومن هنا فإن الخطر ليس في أن تستيقظ نيجيريا بعد الانتخابات وقد أصبحت دولة أخرى، بل في أن تصبح الدولة نفسها أقل قدرة على اتخاذ القرارات الكبرى. فالدولة لا تنهار دائما عندما تسقط مؤسساتها؛ قد تبدأ في الانهيار حين تصبح مؤسساتها عاجزة عن تحويل حجمها إلى قوة. الدولة التي تمتلك الغاز ولا تستطيع تصديره، والموانئ ولا تستطيع حماية طرقها، والسكان ولا تستطيع تشغيلهم، والجيش ولا تستطيع ترجمة قوته إلى أمن مستدام، تشبه سفينة ضخمة عالقة في ميناء ضيق: ضخامة لا تتحول إلى حركة.

ولهذا فإن الرهان على نيجيريا ليس رهانا على حكومة تينوبو وحدها، ولا على معارضة بعينها، ولا على نتيجة انتخابية منفردة. إنه رهان على استمرار الفكرة النيجيرية نفسها: أن دولة بهذا الحجم تستطيع أن تكون كبيرة من دون أن تصبح مهيمنة، قوية من دون أن تصبح عسكرية، مستقلة من دون أن تنعزل، ومنفتحة على القوى الكبرى من دون أن تصبح تابعا لأي منها. وهنا ربما يكمن المعنى الأعمق لما يحدث في غرب إفريقيا. إن الانقلاب العسكري في دولة صغيرة قد يغير حكومتها، لكنه لا يعيد رسم القارة وحده. أما إذا تآكلت قدرة نيجيريا على أداء وظيفتها الإقليمية، فإن الأمر يصبح مختلفا؛ لأن الكتلة التي كانت تمتص الصدمات قد تتحول إلى جزء من الصدمة نفسها. عندها لن يكون الساحل مجرد منطقة مضطربة في شمال غرب إفريقيا، بل سيصبح اضطرابه ممتدا إلى الأطلسي، ومن الأطلسي إلى سلاسل الطاقة، ومن الطاقة إلى أوروبا، ومن التجارة إلى الأمن الدولي.

لهذا تبدو نيجيريا اليوم كأنها تقف عند بوابة زمنين. خلفها غرب إفريقيا الذي عرفته المؤسسات الإقليمية، حيث كان الخلاف السياسي قابلا للاحتواء داخل قواعد مشتركة؛ وأمامها غرب إفريقيا جديد، أكثر تشظيا، تتقاطع فيه الجيوش والموارد والموانئ والشركات الكبرى والمنافسات الدولية في مشهد لا توجد له حتى الآن هندسة مستقرة. إن الانتخابات النيجيرية، في هذا المعنى، ليست ساعة ديمقراطية فقط؛ إنها ساعة جيوسياسية. وفي لحظة كهذه، لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو من يربح الانتخابات، بل هل تربح الدولة نفسها. فإذا نجحت نيجيريا في تحويل قوتها الديموغرافية إلى إنتاج، ومواردها إلى طاقة، وموانئها إلى تجارة، ومؤسساتها إلى شرعية، وجيشها إلى أمن، ودبلوماسيتها إلى توازن، فإنها لن تكون مجرد أكبر دولة في غرب إفريقيا؛ ستكون آخر جسر يمكن للقارة أن تعبر عليه من زمن التفكك إلى زمن إعادة بناء المجال.

أما إذا فشلت، فلن يسقط غرب إفريقيا في يوم واحد. ستحدث أشياء أصغر وأكثر هدوءا: مشروع يتأخر، طريق يصبح أخطر، ميناء يفقد جزءا من قدرته، مستثمر ينسحب، شاب يهاجر، جماعة مسلحة تعثر على ممول جديد، وحكومة تفقد ثقتها بجارتها. ثم، بعد سنوات، يكتشف الجميع أن القارة لم تنهَر بصوت الرعد، بل تسربت من بين أصابع مؤسساتها مثل الرمل. وهنا بالضبط تكمن المفارقة النيجيرية الكبرى: قد يكون أقوى سلاح تملكه أبوجا في مواجهة تفكك غرب إفريقيا ليس صاروخا ولا دبابة ولا حتى خط أنابيب، بل القدرة على إقناع مواطنيها والعالم بأن الدولة النيجيرية لا تزال قادرة على تغيير نفسها من داخلها. ففي الجغرافيا السياسية، كما في الفيزياء، ليست الكتلة وحدها هي التي تصنع التوازن؛ إنما موقع الكتلة داخل النظام. ونيجيريا اليوم هي الكتلة التي يقف عندها ميزان غرب إفريقيا. إذا بقيت واقفة، بقيت للمنطقة فرصة لإعادة ترتيب نفسها. وإذا مالت، فقد لا يكون هناك ما يكفي من الجدران لمنع السقف من السقوط.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *