عبد الله شوكا, كاتب وصحافي-المغرب
تمرّ السنون، ويثقل العمر بخطاه، لكن بعض ذكريات الطفولة لا تشيخ. تظلّ جالسة في أقصى زوايا الذاكرة، كأنها حدثت بالأمس؛ لا يمحوها الزمن، ولا يطفئ ألوانها تعاقب الأيام. ولعل أخطر ما في ذكريات الصبا أنها لا تعود إلينا كما وقعت، وإنما كما سكنت في وجداننا: خوفا، ودهشة، وفرحا، وأحيانا ندما لا نعرف من أين جاء. ومن أعمق ما بقي عالقًا في ذاكرتي من سنوات الستينيات، رحلة قادتني، وأنا في الثالثة عشرة من عمري، من دوارنا في الرحامنة إلى أقصى مرتفعات جبالة، ناحية العرائش، في اتجاه قبة الولي عبد السلام بنمشيش.
كان والدي، رحمه الله، مولعًا بزيارة الأضرحة ومقامات الأولياء. وكان عمله مستخدما بالمكتب الوطني للسكك الحديدية يتيح له السفر بالقطار، فكان يغتنم تلك الميزة ليطوف بعدد من المزارات في المغرب. ومنذ طفولتي حفظت أسماء رجال لم أكن أعرف عنهم آنذاك إلا ما كان يرويه والدي: مولاي إبراهيم، وعبد الله غياث، وعبد السلام بنمشيش، وعبد القادر الجيلالي. وكانت والدتي، رحمها الله، ترافقه أحيانا، حتى استقر في وجدانها شيء من ذلك الاعتقاد السائد في تلك المرحلة ببركة الأولياء وقدرتهم على جلب النفع ودفع الضر. ولست اليوم أكتب ذلك لأحاكم والديّ بعين الحاضر، فقد كانا ابني زمانهما؛ زمن كانت الأمية فيه واسعة الانتشار، وكانت المعرفة الدينية والإعلامية محدودة، وكان الناس يتناقلون المعتقدات كما يتناقلون أخبار الأسواق والمواسم.
غير أن الذاكرة لا تناقش الماضي؛ إنها تستعيده فقط. وذات يوم، أسرّ إليّ والدي أنني سأرافقه إلى عبد السلام بنمشيش. فرحت فرحا لا حدود له. كنت أراه سفرا، ومغامرة، واكتشافا للعالم خارج الدوار. تخيلت أنني سأعود إلى أقراني بحكايات كثيرة، وأنني سأكون، لبعض الوقت، ذلك الفتى الذي رأى ما لم يره الآخرون. غادرنا الدوار نحو محطة سيدي عبد الله، التي كانت تبعد عنا نحو أربعة كيلومترات، وامتطينا قطار المساء، قرابة السادسة والربع. وبعد نحو ثلاث ساعات بلغنا محطة المسافرين بالدار البيضاء. وهناك اكتشفت أن أسرة من دوار مجاور لنا كانت، هي الأخرى، في طريقها إلى المقصد نفسه. واصلنا الرحلة في اتجاه فاس، على أن نغيّر القطار في سيدي قاسم ونستقل قطار طنجة. وكان القطار، وهو لا يزال متوقفا في محطة الدار البيضاء ليلا، مسرحا لأول وجبة في هذه الرحلة الطويلة. أخرج والدي دجاجة محمرة كانت والدتي قد أعدتها له، وتقاسمناها نحن الثلاثة: أنا ووالدي والأسرة المرافقة. كانت دجاجة عادية في نظر الكبار، لكنها في ذاكرة طفل مسافر كانت أشبه بوليمة على مائدة المغامرة.
تحرك القطار، وبقيت طوال الليل أراقب أسماء المحطات، وأحاول أن أحفظها كما يحفظ تلميذ أسماء المدن في كتاب الجغرافيا. وفجأة، ظهر في الأفق لهيب نار يضيء السماء. سألت والدي بدهشة، فعرفت للمرة الأولى أن تلك النار المتوهجة كانت مرتبطة بمصفاة النفط في مدينة سيدي قاسم. كانت تلك أولى اكتشافاتي الصغيرة في عالم السفر. في سيدي قاسم، غادرنا القطار المتوجه إلى فاس ووجدة، وانتقلنا إلى القطار المتوجه نحو طنجة. وهناك شرح لي والدي أن القطار الذي سنستقله كان يعمل بالكازوال، لا بالقاطرة البخارية التي كنت أعرفها. وحين بزغ الصباح، كانت طنجة تلوح لي كأنها مدينة خرجت لتوها من كتاب لا أعرفه. كانت أول مرة أرى فيها عروس الشمال، بأحيائها وصخبها ومشهد البحر الممتد بمحاذاة مسار القطار. ظل ذلك المشهد محفورًا في ذاكرتي؛ قطار يشق طريقه صباحا بمحاذاة البحر، وطفل ينظر من النافذة، ويشعر أنه فتح للتو نافذة على عالم أكبر من الدوار والحقول وألعاب الصبية.

توقّفنا في طنجة، وتناولنا الفطور في مقهى قريب من المحطة، ثم تجولنا قليلا في المدينة، قبل أن نستقل حافلة متجهة إلى تطوان. وصلنا إلى تطوان قبل غروب الشمس، لكن رحلتنا الحقيقية كانت لا تزال في بدايتها. فقد كان علينا أن نستقل حافلة أخرى، ليلية، نحو عبد السلام بنمشيش. ومنذ اللحظة التي صعدت فيها إلى تلك الحافلة، أدركت أنني لم أكن ذاهبا إلى نزهة كما تخيلت. تأملت الركاب. كان معظمهم من الشيوخ والمسنين. أما أنا، فكنت تقريبا الفتى الوحيد بينهم. كلما ابتعدت الحافلة عن تطوان، بدأت المدينة تنطفئ خلفنا، وبدأت جبالة ترتفع أمامنا. ثم بدأت الحافلة في تسلق المرتفعات. طريق ضيقة، منعطفات حادة، ظلام يتكاثف، وحافلة تهتز فوق مسالك لم أكن أعرف إن كانت تقودنا إلى مقصدنا أم إلى نهاية الطريق.
كنت، بعين طفل في الثالثة عشرة، أرى الجبل يكبر، والطريق يضيق، والمنحدرات تبتلع الضوء. وكلما بلغت الحافلة منعطفا حادا، كان الركاب يرفعون أصواتهم بالصلاة على النبي(ص). كان المشهد بالنسبة إليّ مرعبا. لم أكن أفهم هل كان هؤلاء الناس يصلون خوفا من وعورة الطريق، أم استعدادا لمواجهة خطر أكبر. وكان والدي يلاحظ الرعب في عيني، فيحاول تهدئتي. أما أنا، فكنت أندم في صمت على قبولي هذه الرحلة. وفي داخلي كانت أغنية إسماعيل أحمد تدور بإلحاح: «آش داني وعلاش مشيت…» كنت أرددها في سري، بينما الحافلة تصعد وتهبط، والركاب يرفعون أصواتهم بالصلاة، وأنا أتخيل أمي في الدوار، وأتساءل: هل سأعود إليها؟
كانت ليلة طويلة، حتى وصلنا، قبيل الفجر، إلى منطقة عبد السلام بنمشيش. نجونا من رحلة الذهاب. لكنني لم أكن أعرف أن رحلة العودة ستترك في نفسي أثرا لا تمحوه السنون. استأجر والدي غرفة لدى أحد أحفاد عبد السلام بنمشيش، وكان النوم في تلك الليلة أشبه بانهيار جسد أنهكه السفر والخوف. وعندما أشرقت الشمس، اكتشفت عالما آخر. اكتشفت «الفرشي»، ذلك الحصير الذي كان أهل المنطقة يصنعونه من أغصان الأشجار الضخمة، ويستعملونه في بيوتهم فراشا. وعلى ذلك الحصير نمنا، واسترحنا طوال إقامتنا. ثم رفعت رأسي. هناك، فوق الجبل، كانت القبة. قبة عبد السلام بنمشيش، عالقة في قلب المرتفعات، تحيط بها الغابات، وتنتشر في المكان القرود، فيما كانت الطبيعة، على الرغم من رهبتها، آسرة الجمال. لكن عيني الطفل لم تكن تلتقط الجمال وحده. كنت أرى الدماء فوق بعض الأحجار. وحين أسأل عن مصدرها، كان الجواب يأتي بسيطا ومخيفا في آن: «هذا شخص سقط هنا وضرب رأسه.» فكنت أقول في سري: يا إلهي! وتمنيت، للحظة، لو كنت عصفورا. لو كانت لي جناحان، لطرت من فوق الجبل، وتركت والدي، وتركت القبة، وتركت كل هذا الرعب، وعدت مباشرة إلى أمي والدوار.
ثم جاء موعد الزيارة. كانت المنطقة مكتظة بالناس، ويبدو أن الموسم كان في شهر شعبان، حين كانت جموع الزوار تتدفق بكثرة على المكان. أراد والدي أن نصل إلى القبة، فاستأجر رجلا قوي البنية ليفتح لنا الطريق وسط الزحام. وما زلت أذكر ذراعيه وهما يشقان الجموع، يزيحان هذا وذاك، ونحن نسير خلفه حتى بلغنا القبة. لمستها بيدي. وفرح الجميع. أما أنا، فكان داخلي خليطا غريبا من الدهشة والخوف والرغبة في العودة. أقمنا ثلاثة أيام. وكان والدي قد أدرك أنني لم أعد ذلك الطفل المتحمس الذي خرج من الدوار فرحا بالسفر. لذلك قرر أن نعود. لكن طريق العودة كانت تخبئ لنا فصلا أكثر رعبا من كل ما سبق. غادرنا المكان مع مغرب الشمس في حافلة متجهة إلى القصر الكبير، ومن هناك سنعود إلى القطار. كان الطريق ضيقا، متربا، مزدحما بالحافلات والشاحنات. وكانت المركبات تتقابل في مسالك لا تكاد تتسع لاثنتين، بينما تمتد الحافات عميقة إلى جانب الطريق.
كنت جالسا في مؤخرة الحافلة، إلى جانب والدي والأسرة التي رافقتنا، وخلفي كانت قارورة إطفاء حمراء. وبينما كنت ألتفت بين حين وآخر إلى الخلف، رأيت حافلة أخرى تسير وراءنا. ثم حدث كل شيء في لحظة. كانت الحافلة التي خلفنا تهبط في منحدر خطير. وفجأة فقد سائقها السيطرة على الفرامل. رأيتها تتجه نحونا بسرعة. تعالت الصرخات. ارتفعت الأصوات. وتحولت الحافلة إلى كتلة من الرعب. ثم جاء الاصطدام. ارتطمت الحافلتان بعنف، حتى خُيّل إليّ أن الجبل كله اهتز. وكانتا على وشك الانحراف نحو الفراغ. لحظات قليلة كانت تفصلنا عن السقوط من أعلى المرتفع إلى سفح الجبل. لكن لطف الله كان أسرع. اعترضت شجرة محاذية للطريق عجلات الحافلة القادمة خلفنا، وأوقفت اندفاعها. كانت شجرة واحدة بيننا وبين الموت.
نزلنا جميعا. توقف الطريق في الاتجاهين. حلّ الليل فوق الجبل، وحضرت عناصر الدرك الملكي، وبدأ تحرير المحاضر. وأنا واقف إلى جانب والدي، شعرت بسائل ساخن يسيل من أنفي. كان دما. اتضح أن قارورة إطفاء الحريق التي كانت خلفي ارتطمت بكتفي لحظة التصادم، فأصابتني إصابة بسيطة. ثم ناداني والدي. كانت هناك محفظة نقود ملقاة على حافة الطريق. ابتعدنا قليلًا، وفحصناها. كانت فارغة. سمعت والدي يقول: «مولاي عبد السلام ما عطانا والو.» وكان ردي، في داخلي، مختلفا: الحمد لله أنه أبقانا أحياء. بعد انتهاء الإجراءات، سمح للحافلة بمواصلة الطريق، رغم ما أصاب مؤخرها من أضرار. ظلت الرحلة ثقيلة، حتى لاح لنا ضوء العرائش وسط ظلمة الليل، ثم بلغنا القصر الكبير. ومن هناك امتطينا القطار في اتجاه مراكش. استسلمت للنوم. ولم أستيقظ إلا على يد والدي وهو يوقظني: لقد وصلنا إلى محطة مشرع بن عبو. عدنا إلى الدوار مكسوري الخاطر والجسد، بعد رحلة ظلت في ذاكرتي سنوات طويلة بوصفها «رحلة العذاب». حكيت لأمي ما جرى. ولم أستعد شيئا من توازني النفسي إلا عندما صادفنا في تلك الليلة أجواء عرس في الدوار. كان الفرح الشعبي، بأصواته وحركته، أشبه بجرعة حياة أعادتني إلى عالمي الذي ظننت أنني فقدته فوق جبال جبالة.
ومرت العقود. وكبر الطفل. وذات يوم، كنت في طنجة رفقة زوجتي، حين عرض عليّ ابن عمها أن يرافقه في رحلة بالسيارة إلى جبالة، لمجرد الاستمتاع بالطبيعة، وزيارة المنطقة التي تحتضن ضريح عبد السلام بنمشيش. قال لي إن الطريق تغيرت، وإن المسالك التي أرعبتني في طفولتي أصبحت أكثر أمانا، وإن بإمكاننا الوصول إليها في سيارة مريحة. استمعت إليه. ثم حكيت له القصة. وبعدها اعتذرت. رفضت الذهاب. لم يكن الرفض خوفا من الطريق هذه المرة، فقد تغيرت الطرق، وتغيرت السيارات، وتغير الزمن. لكن بعض الطرق، حتى حين تُعبد بالإسفلت، تظل محفورة في الذاكرة كما كانت. لم أرفض زيارة جبالة. كنت أرفض العودة إلى تلك الليلة البعيدة، إلى الحافلة التي كادت تهوي بنا، وإلى صبي الثالثة عشرة الذي كان يردد في داخله: «آش داني وعلاش مشيت».
واليوم، وأنا أستعيد هذه الذكرى بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف، أجدني أنظر إلى الماضي بعين مختلفة. أترحم على والدي ووالدتي، وأدعو الله أن يشملهما برحمته، وأفهم أكثر طبيعة الزمن الذي عاشا فيه، ومعتقدات الناس في تلك المرحلة، وكيف كانت الأمية وغياب المعرفة الدينية الصحيحة يفتحان الباب أمام تصورات لا تقوم على أساس من العقيدة السليمة. لقد كانت رحلة عبد السلام بنمشيش بالنسبة إلى والدي رحلة إيمان كما كان يفهمه في زمانه، وكانت بالنسبة إليّ، وأنا طفل، رحلة خوف واكتشاف ومغامرة. أما اليوم، فقد بقي منها درس آخر. الأولياء، مهما علت مكانتهم في حياة الناس، قد مضوا إلى رحمة الله، وصاروا ترابا كسائر البشر، وسيقفون يوم القيامة فرادى بين يدي الواحد القهار. ولا يملك الإنسان لنفسه، فضلا عن غيره، ضرا ولا نفعا إلا بإذن الله. إنما البركة التي يُرجى منها الخير هي بركة الله، والرحمة رحمته، والعطاء عطاؤه، والنجاة بيده وحده.
وما بين رحلة قطار بدأت من الرحامنة، وقطعة دجاج محمرة أعدتها أم حانية، ولهيب مصفاة سيدي قاسم، ودهشة طنجة الأولى، وحافلة تتلوى فوق جبال جبالة، وشجرة اعترضت طريق الموت، ومحفظة نقود فارغة، وطفل كان يحلم بأن يكون عصفورا كي يفر من الجبل… ما بين كل ذلك، بقيت الحكاية. وبقيت أمي في آخر الطريق. وبقي أبي في أول الذاكرة. وبقيت جبالة، بكل جمالها ورهبتها، معلقة في مكان ما بين الخوف والحنين. وهكذا تفعل ذكريات الطفولة بنا: لا تعود إلينا كي نعيشها من جديد، وإنما كي نكتشف، بعد أن يطول بنا العمر، أننا كنا نعيشها للمرة الأولى والأخيرة في آن واحد. وكل عام، وذكرى المولد النبوي الشريف مناسبة للرحمة والمحبة واستحضار السيرة النبوية الصحيحة، بعيدًا عن الغلو، وبما يقرّب الإنسان من الله الواحد الأحد.
📲 Partager sur WhatsApp