بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك لحظات في السياسة لا تعود فيها العقوبات أداة من أدوات السياسة الخارجية، بل تتحول إلى لغة كاملة، إلى فلسفة في النظر إلى العالم. وعندما يقول البيت الأبيض إنه يريد “قطع كل الموارد الاقتصادية” عن إيران، فالمسألة لا تتعلق هذه المرة بعقوبة جديدة تضاف إلى سجل طويل، بل بمحاولة إعادة تعريف معنى القوة نفسها: هل تستطيع دولة أن تخنق دولة أخرى اقتصاديا حتى تستسلم سياسيا؟ وهل يمكن لاقتصاد عاش نصف قرن تقريبا تحت الحصار أن يموت من الاختناق، أم أنه يكون قد تعلم، كيف يتنفس من الشقوق؟ هنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة في المشهد الإيراني: واشنطن تتحدث عن خنق إيران، بينما إيران نفسها تعيش منذ عقود في غرفة لا تكاد تدخلها الشمس. منذ أزمة الرهائن عام 1979 توالت العقوبات، وتغيرت الإدارات، وتبدلت اللهجات، وارتفعت حدة الخطاب وانخفضت، لكن الفكرة ظلت واحدة: إغلاق الأبواب الاقتصادية أملا في أن تفتح الأبواب السياسية. غير أن التاريخ السياسي لا يعمل دائما بهذه الهندسة النظيفة. الدولة المحاصرة لا تبقى بالضرورة دولة محاصرة بالطريقة التي أرادها خصومها. إنها تتعلم. تطور وسائط بديلة للتجارة، تنسج شبكات مالية موازية، تعيد توجيه تجارتها، تتعلم فن الالتفاف، وتخلق اقتصادا لا يشبه الاقتصاد الطبيعي في الدول المفتوحة، لكنه قادر على البقاء. وهنا تصبح العقوبة مفارقة تاريخية: ما كان يفترض أن يكون أداة لإخضاع الدولة قد يتحول، مع طول الزمن، إلى مدرسة لتدريبها على المقاومة.
ترامب يفهم شيئا لا يفهمه كثير من خصومه: السياسة ليست دائما إدارة للوقائع، بل إدارة للصدمة. إنه لا يدخل المسرح السياسي كما يدخل موظف إلى مكتب. يدخل كما يدخل الممثل إلى الخشبة وهو يعرف أن الجمهور ينتظر المشهد قبل أن ينتظر الحوار. لهذا كانت لغته دائما أكبر من البيانات الدبلوماسية التقليدية. “D-Day اقتصادي” ليست عبارة تقنية. إنها صورة حرب. إنها استدعاء لحدث عسكري محفور في الذاكرة الغربية، وتحويله إلى استعارة اقتصادية. الاقتصاد هنا ليس سوقا وأسعارا ومصارف فحسب، بل ساحة إنزال عسكري بلا جنود، ومدافعها حسابات مصرفية، وذخيرتها العقوبات، وخطوط جبهتها الموانئ وشبكات التجارة. وهذا بالضبط هو سر ترامب: إنه يعرف أن الكلمة السياسية قد تكون في بعض الأحيان سلاحا قبل أن تكون وصفا. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح البلاغة أكبر من القدرة على تحويلها إلى نتيجة. فالعقوبات تستطيع أن تخفض عائدات دولة، وتزيد كلفة تجارتها، وتضغط على عملتها، وتعمق التضخم، وتدفع الاستثمار إلى الهروب. لكنها لا تملك وحدها مفتاح الروح السياسية للمجتمع. قد تجعل الناس أفقر، لكنها لا تجعلهم بالضرورة أكثر طاعة. وقد تجعل الدولة أكثر عزلة، لكنها لا تجعل النظام بالضرورة أكثر ضعفا. بل قد يحدث العكس في بعض الظروف: حين تشعر السلطة أن بقاءها أصبح مرتبطا ببقاء الدولة، تتحول العقوبات في خطابها الداخلي إلى دليل جديد على المؤامرة الخارجية، وتتحول المعاناة الاقتصادية إلى مادة لإعادة إنتاج الولاء والخوف. وهنا تبدأ اللعبة الخطيرة.
العقوبات لا تسقط الأنظمة بالضرورة، لكنها تغير طبيعة المجتمع الذي تعاقبه. اقتصاد العقوبات ليس مجرد اقتصاد فقير. إنه اقتصاد يعيد تشكيل الأخلاق اليومية نفسها. عندما يصبح الوصول إلى العملة الصعبة امتيازا، تصبح العلاقة بين الدولة والسوق أكثر غموضا. وعندما تصبح القنوات التجارية القانونية ضيقة، تنمو القنوات غير الرسمية. وعندما يصبح القانون الاقتصادي عاجزا عن تفسير حركة البضائع والأموال، تظهر طبقات كاملة من الوسطاء الذين يعيشون في المنطقة الرمادية بين الدولة والسوق. بمرور الزمن، لا يعود السؤال: هل تستطيع إيران بيع النفط؟ بل يصبح السؤال الأكثر عمقا: كم من الاقتصاد الإيراني تعلم أن يعيش خارج النظام الذي تحاول واشنطن إغلاقه؟ وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تقلق صانع القرار الأمريكي. لأن العقوبات تكون أكثر فاعلية عندما تكون الدولة المستهدفة متصلة بالنظام الدولي إلى درجة تجعل عزلها أشبه بقطع شريان رئيسي. أما حين يكون العزل قد طال، فقد تبدأ الدولة في بناء أوعية دموية بديلة. قد تكون أكثر فقرا، نعم. قد تكون أكثر فسادا، نعم. قد يكون مجتمعها أكثر تعبا، نعم. لكنها قد تكون أيضا أكثر خبرة في البقاء.
ومع ذلك، سيكون من السذاجة تحويل إيران إلى أسطورة دولة لا تقهر. فالعقوبات ليست وهما. والضغط الاقتصادي ليس مسرحية. الفقر يقتل. التضخم ينهش الطبقات الوسطى. انهيار العملة يلتهم المدخرات. هجرة الكفاءات تفرغ المجتمع من بعض أفضل موارده. والاقتصاد الذي يعيش طويلا تحت الضغط لا يخرج سليما حتى لو بقي النظام السياسي واقفا. المشكلة أن واشنطن قد تنتصر في الاقتصاد من دون أن تنتصر في السياسة. وهذا هو الفارق الذي كثيرا ما يغيب في الحسابات الجيوسياسية. يمكنك أن تجعل بلدا أفقر من دون أن تجعله أكثر استعدادا للاستسلام. يمكنك أن تجعل مواطنيه غاضبين من حكومتهم، لكنك لا تستطيع أن تضمن أن غضبهم سيتجه إلى الحكومة وحدها. فالإنسان الذي يشعر أن بلاده تتعرض للخنق من الخارج قد يحمل غضبا مزدوجا: غضبا على سلطته وغضبا على من يحاصره. والسياسة، في لحظات الأزمات الكبرى، تعيش على هذه الازدواجية.
لكن لماذا كل هذا العداء لترامب؟ السؤال نفسه يحتاج إلى تحريره من التبسيط. ليس هناك “عداء” واحد لترامب، كما ليست هناك صورة واحدة له. هناك من يرفضه لسياساته، ومن يخشاه بسبب أسلوبه، ومن يحتقره بسبب خرقه لقواعد النخبة السياسية التقليدية، ومن يرى فيه تهديدا للنظام الليبرالي الغربي، ومن يختلف معه في ملف الهجرة أو التجارة أو التحالفات أو الحروب. لكن هناك سببا أعمق ربما. ترامب لم يزعج النخب الغربية فقط بسبب ما يقوله، بل بسبب الطريقة التي يقول بها الأشياء. لقد كسر القواعد الجمالية للسياسة. السياسي التقليدي يتحدث بلغة محسوبة، يترك دائما ممرا للتراجع، يضع عباراته في قفازات دبلوماسية. أما ترامب فيدخل إلى الجملة كما تدخل شاحنة ثقيلة إلى شارع ضيق. إنه لا يكتفي بالسياسة، بل يعيد مسرحتها. ولهذا كان مستفزا ومغريا في الوقت نفسه. فيه شيء من النجم التلفزيوني، وشيء من رجل الأعمال، وشيء من الشعبوي، وشيء من المفاوض الذي يريد أن يجعل الطرف الآخر يعتقد أن الطاولة يمكن أن تنقلب في أي لحظة. قد يختلف المرء معه بشدة، لكن يصعب إنكار أنه أعاد السياسة إلى مستوى من الفرجة لم يعد مألوفا في الجمهوريات الغربية الحديثة. وهنا تكمن المفارقة الأكبر: بعض الذين يكرهونه يمنحونه، من حيث لا يريدون، ما يحتاج إليه لكي يبقى حاضرا. فالسياسي العادي يختفي عندما يصمت. ترامب قد يصبح أكثر حضورا عندما يصمت الآخرون عنه.
لكن البطولة السياسية ليست في القدرة على إثارة العاصفة. البطولة الحقيقية في معرفة ما الذي يبقى بعد العاصفة. إذا كانت واشنطن تريد فعلا تغيير سلوك طهران، فعليها أن تجيب عن السؤال الذي هو أقدم من ترامب وإيران معا: ماذا سيحدث في اليوم التالي؟ فالعقوبة وسيلة وليست استراتيجية. والخنق ليس بديلا عن السياسة. والاقتصاد لا يعيش في فراغ سياسي. إذا أغلقت كل الأبواب أمام إيران، ثم لم تترك لها بابا للتراجع، فقد يتحول الضغط من وسيلة للتفاوض إلى ماكينة لإعادة إنتاج الصراع. الدول الكبرى لا تقاس فقط بقدرتها على معاقبة خصومها، بل بقدرتها على تصور العالم الذي سيولد بعد العقوبة. وهنا ربما يكون الاختبار الحقيقي لترامب. ليس هل يستطيع أن يرفع كلفة البقاء على إيران. بل هل يستطيع أن يجعل كلفة التسوية أقل من كلفة الحرب، وأقل من كلفة استمرار القطيعة، وأقل من كلفة الكبرياء السياسي لدى الطرفين؟ ذلك هو الفرق بين رجل يصنع الضجيج ورجل يصنع التاريخ.
إيران ليست دولة في غرفة تنتظر من يطفئ عنها الهواء. إنها دولة تعلمت، عبر عقود من الحصار، أن تبني لنفسها رئات إضافية. لكن الرئات الإضافية ليست حياة طبيعية. إنها علامة على أن الجسد مريض. وهنا أيضا لا ينبغي أن يقع أحد في الوهم المعاكس: بقاء النظام لا يعني انتصار المجتمع، كما أن استمرار الدولة لا يعني سلامة اقتصادها. قد يكون النظام قادرا على البقاء، بينما يدفع المجتمع ثمنا هائلا. وقد تنجح العقوبات في إضعاف الدولة من دون أن تحقق الهدف السياسي الذي وضعت من أجله. وهذه هي المأساة الصامتة في كل حرب اقتصادية طويلة: المنتصر المحتمل لا يعرف دائما أنه انتصر، والخاسر لا يسقط بالضرورة. يبقى الجميع داخل الغرفة نفسها، لكن مع كمية أقل من الهواء. وربما لهذا تبدو عبارة “D-Day اقتصادي” أكبر من مجرد شعار. إنها إعلان عن معركة، نعم. لكنها أيضا اعتراف ضمني بأن الحرب العسكرية ليست دائما ممكنة، وأن الاقتصاد صار ميدان الحرب الجديد، وأن الدول الكبرى بدأت تطلق صواريخها من المصارف بدلا من الطائرات. والسؤال الذي سيحسم الفصل المقبل ليس من يستطيع خنق الآخر. بل من يستطيع أن يعيش طويلا في عالم بلا هواء. في هذه اللعبة، قد يكتشف ترامب أن إيران لم تتعلم كيف تتنفس بشكل طبيعي. لقد تعلمت شيئا أكثر خطورة: كيف تتنفس وهي مخنوقة.
📲 Partager sur WhatsApp