بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك لحظة غريبة في تاريخ المؤسسات الكبرى، حين يتوقف الرجل عن أن يكون مجرد رئيس، وتبدأ المؤسسة نفسها في ارتداء ملامحه. تصبح صورته على الشاشات، واسمه في المؤتمرات، وصوته في القرارات، حتى يبدو للناس أنهم لا يتعاملون مع مؤسسة اسمها الفيفا، بل مع دولة صغيرة لها علم غير مرئي، وحدود لا ترسمها الجغرافيا، وجيش من الملاعب، واقتصاد يتحرك بين القارات كما تتحرك الرياح. وهنا بالضبط تبدأ الحكاية المعقدةلجياني إنفانتينو. الرجل الذي جاء الى رأس الاتحاد الدولي لكرة القدم بوصفه واحدا من رجال الإدارة الحديثة للعبة، صار اليوم في قلب عاصفة لا تتعلق بكرة القدم وحدها، بل بالسؤال الأقدم في السياسة: ماذا يحدث حين تصبح السلطة التي يفترض أن تدير اللعبة أكبر من اللعبة نفسها؟ إنفانتينو لم يعد يواجه مجرد معارضين لقرار. إنه يواجه مناخا كاملا من الشك. ومن الغريب أن بعض الذين كانوا يرونه رجل المرحلة، يرونه اليوم جزءا من الأزمة. فما الذي تغير؟ هل تغير الرجل؟ أم تغيرت صورة السلطة حين اقتربت كثيرا من الضوء؟
جياني إنفانتينو لم يكن نجما فوق العشب بالمعنى التقليدي. لم يكن يراوغ مدافعين، ولم يسجل هدفا في الدقيقة التسعين، ولم يرفع كأس العالم وسط آلاف الجماهير. ومع ذلك، استطاع ان يصبح واحدا من أكثر رجال كرة القدم حضورا على المسرح العالمي. وهنا المفارقة. في كرة القدم، النجم الذي يسجل هدفا يصبح بطلا. أما الرجل الذي يدير المؤسسة التي توزع الضوء على النجوم، فيصبح شيئا أكثر تعقيدا. يصبح حارسا للبوابة. والذي يملك مفاتيح البوابة يثير دائما سؤالا بسيطا ومرعبا: لمن تفتح؟ ولمن تغلق؟ إنفانتينو دخل الى هذا العالم وهو يحمل خطابا يقوم على توسيع اللعبة، وتغيير بنيتها، ومنح مزيد من الدول فرصة الوصول إلى أكبر مسرح كروي في العالم. لكن السلطة لا تقاس فقط بما تقترحه. بل بما تفعله بالذين يقفون في طريقها. وهنا بدأت المسافة بين إنفانتينو وبعض خصومه تتسع.
من السهل جدا أن نحول القصة الى معركة شخصية. إنفانتينو ضد قدامى اللاعبين. إنفانتينو ضد الاتحادات الوطنية. إنفانتينو ضد الصحافة. إنفانتينو ضد منتقديه. لكن هذا التفسير، رغم سهولته، يبدو فقيرا. لأن الأزمة الحقيقية أعمق من اسم الرجل. إنّها أزمة نموذج. حين تصبح كرة القدم صناعة عالمية بمليارات الدولارات، لا يعود السؤال: من يفوز في المباراة؟ بل: من يملك المباراة؟ ومن يملك حقوقها؟ ومن يدير عائداتها؟ ومن يقرر أين تذهب الأموال؟ ومن يملك حق تحويل البطولة من مناسبة رياضية الى منتج تجاري؟ وهنا يصبح الملعب نفسه شبيها بمرآة عملاقة تعكس النظام الاقتصادي العالمي. كرة القدم لم تعد تسعين دقيقة. انها تسعون دقيقة فوقها طبقات من المال والسياسة والإعلام والاستثمار والنفوذ. الكرة في الأسفل. وفوقها امبراطوريات كاملة.
المشروع الذي أثار العاصفة، والمتعلق بفتح إيرادات كأس العالم أمام مستثمرين من القطاع الخاص عبر شركة تجارية، لم يكن بالنسبة الى منتقديه مجرد فكرة مالية. كان بالنسبة إليهم لحظة رمزية. لأن هناك فرقا هائلا بين أن تقول: نريد تمويل كرة القدم. وبين أن تقول: نريد إعادة هندسة الطريقة التي تتحرك بها الأموال حول كرة القدم. الأولى مسألة اقتصادية. أما الثانية فهي مسألة سلطة. وحين يدخل المستثمر الى غرفة القرار، لا يدخل ومعه دفتر شيكات فقط. يدخل ومعه منطق آخر. منطق العائد. والسرعة. والتوسع. والربحية. والحسابات. لكن كرة القدم ليست شركة عادية. إنها مؤسسة عاطفية تكاد تكون دينا علمانيا. الناس لا تشجع فريقا لأن ميزانيته جيدة. تشجعه لأن أبا أعطى ابنه قميصا ذات مساء، ولأن مدينة كاملة بكت بعد هدف، ولأن شابا حفظ اسم لاعبه المفضل قبل أن يحفظ اسماء وزرائه. لهذا السبب، كلما اقترب المال كثيرا من قلب اللعبة، يبدأ الجمهور في طرح سؤال أخلاقي: هل ما زلنا نشاهد كرة القدم، أم نشاهد المال وهو يلعب كرة القدم؟ ولماذا خرج النجوم من صمتهم؟
حين يوقع لاعبون سابقون ونجوم دوليون على رسالة تقول أن التغيير أصبح ضروريا في قيادة الفيفا، فالمسألة تستحق التوقف. لأن هؤلاء ليسوا مجرد موظفين سابقين في مؤسسة. هؤلاء جزء من ذاكرة اللعبة. هم الذين جعلوا الملاعب مسارح. والقمصان رايات. والأهداف قصائد جماهيرية. وحين يتكلم اللاعب المعتزل ضد رجل المؤسسة، فهناك معنى رمزي كبير في المشهد. إنه صوت العشب في وجه صوت المكتب. صوت غرفة الملابس في مواجهة لغة الإدارة. صوت اللاعب الذي كان يرى الكرة أمامه، في مواجهة الرجل الذي يرى شبكة المصالح المحيطة بها. لكن علينا اأضا ان نكون حذرين. الشهرة لا تمنح دائما الحقيقة. واللاعب العظيم ليس بالضرورة رجل سياسة عظيما. والبطل الذي يعرف كيف يسدد الكرة في الزاوية العليا لا يعرف بالضرورة كيف يدير مؤسسة عالمية. لهذا لا يكفي أن نكون ضد إنفانتينو لأن لاعبين مشهورين يعارضونه. السؤال الأهم هو: هل هناك خلل حقيقي في طريقة إدارة السلطة داخل الفيفا؟ وهذا هو السؤال الذي لا ينبغي أن تضيع إجابته وسط الصخب.
إنفانتينو فهم شيئا جوهريا في السياسة الحديثة: النفوذ لا يأتي فقط من المال. يأتي من توزيع الفرص. ومنح الملاعب. وتوسيع البطولات. وإعادة رسم خريطة المشاركين. وحين توسعت كأس العالم، لم يكن الأمر رياضيا فقط. كان سياسيا أيضا. كل دولة جديدة تدخل إلى المونديال تدخل معها جماهيرها، وسوقها، وشركاتها، وإعلامها، ووزنها السياسي. وهكذا تصبح كرة القدم نوعا من الدبلوماسية الناعمة. الدول لا تحتاج دائما الى سفارة كي تبني نفوذا. أحيانا يكفيها منتخب يصل إلى دور متقدم في كأس العالم. وأحيانا يكفيها ملعب ممتلئ. وأحيانا يكفي أن يذكر العالم اسمها على شاشة تلفزيونية لعدة أسابيع. وهنا تكمن براعة إنفانتينو وخطره في الوقت نفسه. لقد فهم أن الفيفا ليست مجرد مؤسسة رياضية. إنها واحدة من أكبر خرائط النفوذ في العالم. لكن كل من يفهم خريطة النفوذ يكتشف في الوقت نفسه أن كل خطوة لها ثمنا.
إنفانتينو يقف في نقطة تتقاطع فيها مصالح لا يمكن جمعها بسهولة. هناك الاتحادات. هناك اللاعبون. هناك الجماهير. هناك الرعاة. هناك المستثمرون. هناك الحكومات. هناك الإعلام. وهناك الفيفا نفسها، التي تريد أن تبقى صاحبة الكلمة الأخيرة في لعبة تتضخم كل يوم. كل طرف يريد كرة قدم مختلفة. الجمهور يريد المتعة. اللاعب يريد الحماية. النادي يريد المال. الراعي يريد المشاهدة. المستثمر يريد العائد. الاتحاد يريد النفوذ. والسياسي يريد الصورة. أما رئيس الفيفا فعليه أن يجعل كل هذه الوحوش تنام في غرفة واحدة. وهذه مهمة لا تنجح دائما. بل ربما يستحيل أن تنجح دائما. ربما تكون المفارقة الكبرى في قصة الرجل انه قد يكون ضحية نجاحه نفسه. كلما كبرت الفيفا، كبرت سلطته. وكلما كبرت سلطة الفيفا، كبر حجم الأموال التي تمر عبرها. وكلما كبرت الأموال، ارتفعت حساسية القرارات. وكلما ارتفعت حساسية القرارات، أصبح كل اقتراح مالي يبدو وكأنه معركة سياسية. وهكذا تتحول المؤسسة إلى كائن ضخم. وفي داخل الكائن الضخم، يصبح الرئيس شخصا صغيرا أمام الأسئلة التي صنعها منصبه. هذه هي مفارقة السلطة. أنت تصعد إلى القمة لكي تسيطر على المؤسسة. ثم تكتشف أن المؤسسة نفسها أصبحت أكبر منك.
هنا يجب أن نطرح السؤال الذي لا يحبه المعارضون عادة: إذا رحل إنفانتينو، ماذا بعد؟ هل المشكلة في الشخص فقط؟ أم في النموذج؟ اذا جاء رئيس جديد ووجد الفيفا نفسها أمام نفس المليارات، ونفس الرعاة، ونفس الضغوط، ونفس الصراع بين الرياضة والتجارة، فهل سيتغير شيء جوهري؟ ربما يتغير الوجه. لكن هل سيتغير النظام؟ هذه نقطة شديدة الأهمية. لأن التاريخ السياسي يعلمنا أنّ إسقاط الرجل لا يعني دائما إسقاط الطريقة التي صنعت الرجل. قد يغادر الرجل المبنى، بينما تبقى هندسة المبنى كما هي. وقد يتغير الحارس، بينما تبقى أبواب القلعة نفسها. وقد يختفي الإسم من العناوين، بينما تبقى المشكلة جالسة في الكرسي نفسه. المسألة في النهاية ليست الدفاع عن إنفانتينو ولا المطالبة برحيله. المسألة أكبر. كرة القدم العالمية تحتاج الى مؤسسات قوية، نعم. لكنها تحتاج أيضا الى مؤسسات يمكن مساءلتها. تحتاج إلى إدارة تستطيع أن تتخذ قرارات كبيرة، ولكنها لا تتحول إلى جزيرة مغلقة. تحتاج إلى المال، لكن من دون أن يصبح المال اللغة الوحيدة. تحتاج إلى الاستثمار، لكن من دون أن تتحول اللعبة إلى بورصة ترتدي قميصا رياضيا. وتحتاج إلى رئيس قوي، لكن ليس إلى رجل يصبح اسمه مرادفا للمؤسسة. لأن المؤسسات التي ترتبط بشخص واحد تصبح هشة مهما بدا صاحبها قويا.
قد يكون هذا هو التفسير الأعمق للعداء المتزايد. ليس لان إنفانتينو شخص مكروه بالضرورة. بل لأن كل سلطة طويلة تصبح مع الزمن محاطة بشبكة من الخصومات. الرجل الذي يملك القرار اليوم قد يكون هو نفسه الرجل الذي أغلق بابا على شخص آخر بالأمس. والذي منح فرصة لاتحاد قد يكون قد خسر اتحادا آخر. والذي وسع نفوذ دولة قد يكون قد قلص نفوذ دولة ثانية. في عالم المصالح، لا يمكن لرئيس مؤسسة عالمية أن يربح الجميع. لكنه يستطيع أن يفعل شيئا أهم: أن يقنع الجميع بان قواعد اللعبة أكبر من الأشخاص. وهنا تكمن الامتحانات الحقيقية لأي قيادة. هذه هي الجملة التي ينبغي ان تبقى فوق كل مؤتمر للفيفا: كرة القدم ليست ملكا لمن يديرها. هي ملك رمزي لملايين البشر الذين لم يجتمعوا يوما في غرفة واحدة، ومع ذلك يتقاسمون ذاكرة واحدة. طفل في الدار البيضاء. عامل في ساو باولو. امرأة في طوكيو. شاب في نيروبي. عجوز في نابولي. جمهور في بوينس آيرس.
كل هؤلاء يملكون جزءا من اللعبة، لا بالأسهم، بل بالحب. ولهذا لا يمكن اختزال كرة القدم في ميزانية. لأن بعض الأشياء لا تقاس بما تساويه في السوق. الدمعة بعد الهزيمة ليست أصلا ماليا. والفرح بعد الهدف ليس ربحا صافيا. والقميص الذي يحتفظ به رجل في خزانته عشرين عاما ليس منتجا استهلاكيا فقط. هناك اقتصاد للمال. وهناك اقتصاد للمعنى. وكرة القدم تعيش في المسافة بين الإثنين.السؤال الذي سيبقى بعد إنفانتينو قد يرحل إنفانتينو يوما. وقد يبقى. وقد يفوز خصومه. وقد يتراجعون. وقد يظهر رئيس آخر بصورة مختلفة وخطاب جديد. لكن السؤال سيبقى. هل تستطيع كرة القدم أن تكبر من دون ان تفقد روحها؟ هل تستطيع أن تصبح صناعة بمليارات الدولارات من دون أن تتحول إلى مجرد آلة لجني المليارات؟ هل يمكن للمال أن يخدم اللعبة، بدلا من ان تصبح اللعبة خادمة للمال؟ وهل تستطيع الفيفا ان تكون قوية من دون أن تصبح فوق المساءلة؟
هذه هي المعركة الحقيقية. أما إنفانتينو، فربما يكون مجرد رجل يقف الآن في قلب العاصفة، بينما العاصفة نفسها أكبر من الرجل. إنها عاصفة كرة القدم الحديثة. كرة القدم التي خرجت من الملعب وصارت دولة. والدولة التي دخلت السوق وصارت شركة. والشركة التي اكتشفت ان الناس لا يشترون منتجاتها فقط، بل يؤمنون بها. وهنا يصبح الخطر أعظم. لأنك تستطيع تغيير رئيس شركة. لكن من الصعب جدا أن تغير عقيدة جماهير العالم. ولهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا يرفضون إنفانتينو؟ بل: لماذا أصبحت رئاسة الفيفا نفسها موقعا يمكن أن يشعل كل هذا الصراع؟ حين يصبح كرسي واحد قادرا على تحريك مليارات الدولارات، وتوزيع النفوذ بين القارات، وإعادة رسم خريطة كرة القدم العالمية، فإن الصراع حوله لم يعد صراعا على كرة. إنه صراع على من يملك حق رسم المستقبل.وهنا فقط نفهم لماذا يبدو الملعب صغيرا جدا امام ما يحدث خارجه.
📲 Partager sur WhatsApp