بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك لحظات في تاريخ الدول لا يعود فيها السؤال: هل نريد الديمقراطية؟ بل يصبح السؤال أكثر قسوة: كيف نحمي الديمقراطية من أن تتحول، في لحظة معينة، إلى أداة لانهيار الدولة؟ في أوكرانيا، يبدو هذا السؤال وكأنه خرج من رواية سياسية قاتمة، حيث لا تقف الدولة بين خيارين واضحين، بل بين هاويتين. من جهة، هناك حرب لم تنته، وجبهات مفتوحة، ومدن تحمل آثار القصف على واجهاتها، وملايين البشر موزعون بين الداخل واللجوء والنزوح والجبهة. ومن جهة أخرى، هناك صندوق اقتراع ينتظر أن يمارس دوره الطبيعي في دولة ديمقراطية، لكنه قد يتحول، إذا فتح قبل أوانه، إلى صندوق صغير تتدافع حوله كل شظايا الحرب. لهذا حين وصف فولوديمير زيلينسكي الانتخابات المحتملة بأنها “تسونامي” يمكن أن “يشرخ أوكرانيا”، لم يكن يتحدث فقط عن خوف سياسي من خسارة السلطة. كان يضع إصبعه على جرح أعمق: ماذا يحدث للديمقراطية حين تدخل الحرب إلى داخلها، وماذا يحدث للدولة حين تدخل الحرب إلى صندوق الاقتراع؟
هذه هي المعضلة التي تجعل الانتخابات الأوكرانية، في اللحظة الراهنة، أقرب إلى عملية جراحية تجرى فوق جسد لم يتوقف نزيفه بعد. فالديمقراطية ليست ورقة تسقط في صندوق. الديمقراطية فضاء كامل من الشروط. أن يكون الناخب موجودا. أن يعرف المرشحين. أن يستطيع المرشح الوصول إليه. أن يستطيع الصحفي طرح الأسئلة. أن تستطيع المعارضة الكلام. أن يستطيع المواطن الاستماع. أن تكون هناك حملة انتخابية. أن تكون هناك مساواة معقولة في الوصول إلى الإعلام. أن تكون الحدود السياسية والجغرافية مفهومة. وأن يعرف الناس، في النهاية، أن أصواتهم ستنتقل من أيديهم إلى شرعية سياسية لا ينازعها الشك. لكن أوكرانيا التي تخوض حربا بهذا الحجم ليست دولة تجلس بهدوء حول طاولة وتناقش موعد الانتخابات. إنها دولة موزعة بين الجبهة والملجأ والمنفى. هناك جندي في الخندق. وهناك أم في مدينة أوكرانية لا تعرف إن كان الليل سيمر بلا صفارات إنذار. وهناك ملايين اللاجئين في أوروبا. وهناك مناطق تحت السيطرة الروسية. وهناك مدن دمرت أو تضررت فيها البنية الانتخابية. وهناك ملايين المواطنين الذين تغيرت عناوينهم وحياتهم ومواقعهم منذ آخر انتخابات. ثم هناك سؤال يكاد يكون أكثر قسوة من كل الأسئلة الأخرى: من هو الناخب الأوكراني اليوم؟ هل هو الشخص الذي يعيش في كييف؟ أم الجندي الذي يقاتل في الجبهة؟ أم المرأة التي غادرت البلاد مع أطفالها؟ أم الرجل الذي يعيش في منطقة محتلة؟ أم المواطن الذي فقد منزله وانتقل إلى مدينة أخرى؟ أم المواطن الذي لا يزال يحمل جوازه الأوكراني لكنه يعيش منذ سنوات خارج الحدود؟

الدولة تستطيع أن ترسم حدودا على الخريطة. لكن الحرب تعيد رسم البشر. وهنا تبدأ مشكلة الانتخابات. فبحسب المعطيات الواردة في التقرير، يضم السجل الانتخابي نحو 34 مليون ناخب، فيما يوجد ملايين الأوكرانيين خارج البلاد، ولا يملك النظام القنصلي القائم العدد الكافي من مكاتب الاقتراع لاستيعاب هذا الشتات الهائل. وفي الداخل، تضررت أو دمرت آلاف المراكز الانتخابية، بينما يوجد مئات الآلاف من العسكريين في الخدمة. هذه ليست مجرد مشكلة لوجستية. إنها مشكلة فلسفية في معنى التمثيل السياسي. كيف يمكن لدولة أن تقول إن “الشعب” صوت، بينما جزء من الشعب يقاتل، وجزء مهجر، وجزء نازح، وجزء يعيش تحت الاحتلال، وجزء آخر يعيش في مناطق يمكن أن تصل إليها الصواريخ قبل أن تصل إليها صناديق الاقتراع؟ هنا يصبح الصندوق نفسه مرآة مكسورة. كل قطعة منه تعكس جزءا من البلاد، لكن لا توجد قطعة واحدة تعكس البلاد كلها.
والأخطر من ذلك أن الحرب لا تكتفي بتغيير الخريطة. إنها تغير النفوس. الحرب تدخل إلى الذاكرة. تدخل إلى العائلة. تدخل إلى اللغة. تدخل إلى تعريف الوطن نفسه. وفي زمن السلم يمكن للناخب أن يختلف مع خصمه السياسي حول الضرائب، أو الاقتصاد، أو التعليم، أو الصحة. أما في زمن الحرب، فقد يتحول الخلاف حول إدارة المعركة إلى خلاف حول معنى الخيانة والوطنية والهزيمة والانتصار. قد تصبح مسألة الإنفاق العسكري اتهاما. وقد يصبح التفاوض مع العدو خيانة في نظر طرف، وحكمة في نظر طرف آخر. وقد يتحول السؤال عن استمرار الحرب أو إنهائها إلى خط صدع يمر وسط العائلات نفسها. وهنا تكمن المفارقة المروعة: الانتخابات التي يفترض أن تجمع المجتمع حول شرعية واحدة قد تصبح الآلة التي تعطي انقساماته شكلا رسميا. ليس معنى ذلك أن الديمقراطية هي المشكلة. بل العكس.
المشكلة أن الديمقراطية تحتاج إلى أرضية اجتماعية تسمح للخلاف بأن يبقى خلافا، لا أن يتحول إلى معركة وجود. في الحرب، يصبح كل خلاف أكثر حرارة، وكل كلمة أكثر قابلية للاشتعال، وكل حملة انتخابية قابلة لأن تتحول إلى جبهة جديدة. ثم يأتي العامل الروسي. وهنا تدخل المسألة منطقة أكثر ظلمة. لأن التدخل الخارجي في الانتخابات لا يحتاج دائما إلى صناعة رئيس موال لروسيا. قد يكون الهدف الأكثر دهاء هو شيء آخر تماما: أن يفوز أحد، لكن من دون أن يقتنع الجميع بأنه فاز. وهذه واحدة من أخطر الأسلحة السياسية في القرن الحادي والعشرين. لم تعد الحرب الهجينة تحتاج دائما إلى دبابات تعبر الحدود. قد يكفي موقع إلكتروني مزيف. وحساب آلي. وفيديو مفبرك. وصورة مصطنعة. وتسجيل صوتي مركب. وشائعة تصل إلى مليون هاتف قبل أن يتمكن الصحفي من كتابة أول سطر للتحقق منها. في الماضي، كان يمكن للدولة أن تحرس حدودها بالجنود. اليوم، عليها أن تحرس أيضا الحدود غير المرئية التي تفصل الحقيقة عن الكذبة. وهذه الحدود لا توجد في الغابات ولا على الجبال. إنها داخل الهاتف. داخل الشاشة. داخل رأس الناخب. وهنا تصبح الانتخابات في زمن الحرب معركة من نوع آخر. ليست فقط معركة على الأصوات. إنها معركة على إنتاج الواقع نفسه. من يحدد ما الذي حدث؟ من يقرر ما الذي قيل؟ من يملك القدرة على إقناع المواطن بأن صورة ما حقيقية؟ من يستطيع أن يجعل الكذبة تبدو أكثر أناقة من الحقيقة؟
في هذا النوع من الحروب، لا يحتاج الخصم إلى أن يحتل العاصمة. يكفي أحيانا أن يجعل المواطنين غير قادرين على الاتفاق على ما إذا كانت العاصمة نفسها تستحق الثقة. وهذه هي قوة الحرب المعلوماتية. إنها لا تهدم المبنى. إنها تهدم الاتفاق على معنى المبنى. لهذا فإن الانتخابات في أوكرانيا ليست فقط اختبارا لزمن الحرب. إنها اختبار للسيادة. لأن السيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تعني فقط أن تسيطر الدولة على حدودها. بل أن تظل قادرة على إنتاج قرار سياسي شرعي داخل حدودها. إذا استطاع الخارج أن يزرع الشك في كل نتيجة، فقد لا يحتاج إلى إسقاط الحكومة. يكفي أن يجعل شرعيتها موضع نزاع دائم. وهنا نفهم لماذا قد يكون تنظيم انتخابات مبكرة خطرا، لكن لماذا قد يكون تأجيلها إلى أجل غير معلوم خطرا أيضا. هذه هي العقدة التي تجعل المسألة أشبه بميزان معلق فوق هاوية. إذا استمرت الحرب وأبقيت الانتخابات مؤجلة بلا أفق واضح، فقد تتحول حالة الطوارئ من استثناء دستوري إلى عادة سياسية. وقد تنشأ قاعدة خطيرة في التاريخ السياسي: كلما استمرت الحرب، تأجلت الديمقراطية. وهذه وصفة يمكن أن تبدأ دفاعا عن الدولة وتنتهي بتآكلها من الداخل. فالسلطة التي تقول إن الحرب تمنع الانتخابات قد تكون صادقة. لكن الصدق في البداية لا يضمن أن تتحول الحجة إلى شيء صحي بعد سنوات. لأن السلطة، مهما كانت نواياها، تحتاج إلى حدود زمنية. والديمقراطية لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد في غرفة انتظار اسمها “الظروف الاستثنائية”.
لكن في المقابل، فإن تنظيم انتخابات في ظروف غير عادلة قد ينتج شيئا أخطر من التأجيل: ديمقراطية شكلية. صناديق موجودة. وأوراق موجودة. ومراقبون موجودون. لكن جزءا من الشعب لا يستطيع التصويت، وجزءا آخر لا يستطيع الوصول إلى الحملات، وجزءا ثالثا يعيش تحت الاحتلال، ومعلومات الناخبين معرضة للتلاعب، والمدن مهددة بالقصف. حينها قد تكون الانتخابات قد نجحت تقنيا وفشلت سياسيا. وقد نكتشف أن أخطر انتخابات ليست تلك التي لا تجري. بل تلك التي تجري ثم لا يستطيع أحد تصديق نتيجتها. لهذا تبدو أوكرانيا عالقة بين خطرين متعاكسين. الخطر الأول هو أن تصبح الحرب ذريعة لتجميد السياسة. والخطر الثاني هو أن تصبح الانتخابات نفسها وسيلة لتفجير السياسة. بين هذين الخطرين توجد مساحة ضيقة جدا اسمها التوقيت الديمقراطي. وهي ليست مسألة تاريخ يكتب على التقويم. إنها مسألة شروط. متى يصبح الناخب آمنا؟ متى يستطيع المرشح أن يخوض حملة؟ متى يستطيع الإعلام أن يعمل؟ متى يمكن للجيش أن يحمي مراكز الاقتراع دون أن يتحول إلى لاعب سياسي؟ متى يمكن للاجئين أن يشاركوا؟ متى يمكن للمناطق التي كانت محتلة أن تدخل في عملية انتخابية ذات معنى؟ ومتى يمكن للدولة أن تقول إن النتيجة تمثل فعلا الشعب الأوكراني، لا فقط الجزء الذي استطاع الوصول إلى الصندوق؟ هذه الأسئلة أهم من سؤال: متى موعد الانتخابات؟
لأن التاريخ يمكن أن يحدده قلم. أما الشرعية فلا يحددها إلا الواقع. ثم هناك طبقة أخرى من المأساة لا تظهر دائما في التحليلات السياسية: الذين سيصوتون ليسوا هم فقط من يعيشون الحرب. هناك أيضا الذين دفعوا ثمنها. الجندي الذي قد يصوت بيده التي تحمل السلاح. الأم التي تنتظر عودة ابنها. الطفل الذي كبر وهو يعرف صوت الصاروخ قبل أن يعرف صوت جرس المدرسة. اللاجئ الذي يعيش في بلد آخر لكنه لا يزال يحتفظ بمفتاح بيت ربما لم يعد موجودا. كيف يمكن أن نتحدث عن انتخابات في بلد كهذا من دون أن نتحدث عن الذاكرة؟ الديمقراطية ليست تقنية. إنها في النهاية طريقة لتنظيم الذاكرة الجماعية. والأوكرانيون لن يدخلوا أي انتخابات محملين ببرامج اقتصادية فقط. سيدخلون إليها محملين بصور المقابر، والبيوت المهدمة، والسنوات الضائعة، والحدود التي تغيرت، والأصدقاء الذين لم يعودوا، والخوف من أن يكون أي تنازل بداية حرب جديدة أو نهاية دولة. لذلك ستكون الانتخابات، حين تأتي، أكثر من عملية سياسية. ستكون نوعا من المحاكمة الرمزية للحرب. لكن الديمقراطية الصحية لا ينبغي أن تكون محكمة انتقامية.
يجب أن تكون مساحة لإعادة تركيب المجتمع بعد أن حطمته الحرب. وهنا ربما تكمن المهمة الأصعب التي تنتظر أوكرانيا. ليس فقط أن تختار رئيسا. بل أن تعيد تعريف نفسها بعد الحرب. من نحن بعد كل هذا الدم؟ ما حدود الدولة؟ ما معنى النصر؟ ما شكل العلاقة مع روسيا؟ ما موقع الجيش؟ ما موقع المدنيين؟ ما الذي سنفعله بملايين الذين عاشوا خارج البلاد؟ كيف سنعيد إعمار المدن؟ كيف سنعيد بناء الثقة؟ ومن سيحمل مسؤولية السنوات الماضية؟ هذه ليست أسئلة انتخابية عادية. هذه أسئلة تأسيسية. ولذلك فإن الانتخابات المقبلة، أيا كان موعدها، لن تكون انتخابات عادية. ستكون أشبه بمؤتمر تأسيسي غير معلن، يجلس فيه شعب كامل أمام مرآة ضخمة ويحاول أن يتعرف إلى وجهه بعد سنوات من النار. وربما لهذا السبب بالذات يجب ألا تستعجل أوكرانيا صندوق الاقتراع، كما يجب ألا تسمح لأحد بتحويل التأجيل إلى إقامة دائمة. فالانتخابات ليست جائزة تمنح بعد انتهاء الحرب. وليست سلاحا ينبغي استخدامه أثناء الحرب. إنها جسر. والجسر لا يبنى فوق النهر عندما تكون المياه في ذروة الفيضان من دون حساب. لكن من الخطأ أيضا أن نقول إن الجسر غير ضروري لأن النهر هائج. أوكرانيا تحتاج إلى الجسر. لكنها تحتاج أولا إلى أن تعرف أين تضع أعمدته. وعندما يأتي ذلك اليوم، لن يكون السؤال الحقيقي: من فاز؟ بل: هل استطاعت أوكرانيا أن تجعل نتيجة الانتخابات أكبر من الانقسام الذي ولدته الحرب؟
إذا استطاعت، فستكون الانتخابات بداية خروج من الحرب السياسية، حتى قبل أن ينتهي آخر صوت للمدفع. أما إذا دخلت الصناديق وهي محملة بالشكوك، والتدخلات، والناخبين الغائبين، والمناطق المقطوعة، والحملات المسمومة، فقد تخرج منها أوكرانيا برئيس منتخب، لكنها تدخل مرحلة أخطر: دولة لا تتفق على شرعية من يحكمها. وهنا تكمن المفارقة الكبرى. في زمن السلم، الانتخابات تصنع السلطة. أما في زمن الحرب، فالانتخابات قد تكشف إن كانت الدولة لا تزال قادرة على صناعة نفسها. ولهذا فإن تأجيل الانتخابات ليس بالضرورة عداء للديمقراطية. كما أن الدعوة إليها ليست بالضرورة دفاعا عنها. الديمقراطية ليست صندوقا يوضع في مكان ما ثم نغادر. الديمقراطية هي أن يكون للصندوق شعب يستطيع الوصول إليه، وحقيقة يستطيع معرفتها، وخيار يستطيع التعبير عنه، ونتيجة يستطيع الجميع العيش معها. وعندما ينتهي كل هذا، يصبح يوم الاقتراع يوما سياسيا. أما قبل ذلك، فقد يكون مجرد طقس جميل يقام فوق أرض لم تجف بعد من دم الحرب. وأوكرانيا لا تحتاج إلى طقس. إنها تحتاج إلى شرعية. وإلى دولة. وإلى سلام. وإلى ديمقراطية تستطيع أن تنجو من الحرب، لا ديمقراطية تستخدم الحرب لكي تنجو من الأسئلة.
📲 Partager sur WhatsApp