حين يضيق العالم عند مضيق هرمز

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

في الجغرافيا السياسية، لا توجد ممرات صغيرة. هناك فقط شرايين لم نكن نراها. مضيق هرمز، في الظاهر، قطعة ضيقة من الماء بين ضفتين متوترتين. لكنه في الحقيقة شيء آخر تماما: شريان أسود يمر فيه جزء من دم الاقتصاد العالمي، ومفتاح صغير تستطيع يد واحدة أن تديره في وجه قفل هائل اسمه النظام الدولي. ولهذا لم يعد هرمز مجرد مضيق. صار مرآة. مرآة يرى فيها العالم صورة اختناقه. ما يجري بين إيران وعمان حول فتح ممر مؤقت للملاحة، وتوزيع الحصص والمداخيل في مياه المضيق، ليس تفصيلا تقنيا من هوامش حرب طويلة. إنه فصل جديد في قصة أكبر بكثير: قصة عالم بدأت فيه السياسة تفقد قدرتها على الحركة كلما حاول الاقتصاد أن يتنفس. وهنا يظهر دونالد ترامب، لا كرجل يقف خارج المشهد، بل كرجل وجد نفسه داخل متاهة من صنع القوة نفسها التي طالما اعتقد أن القوة قادرة على فتح كل الأبواب.

ترامب يعرف منطق الضغط. لكنه يصطدم الآن بحقيقة أكثر قسوة: الضغط حين يطول يتحول من سلاح إلى جدار. كان يمكن للقوة الأمريكية أن تقول: افتحوا المضيق. لكن من يفتح المضيق إذا كانت الحرب نفسها لم تغلقه تماما؟ ومن يدفع ثمن بقاء البحر رهينة للصراع؟ ومن يملك الحق في فرض ثمن المرور فوق الماء، إذا كان الماء نفسه قد أصبح جزءا من المفاوضات؟ هنا تبدأ السياسة في الاقتراب من منطقة غريبة، حيث تختلط السيادة بالمحاسبة، والممر الملاحي بالفاتورة، والحرب بعقد تجاري، والجغرافيا بالحسابات البنكية. لقد كان القرن العشرون يتعامل مع المضائق بوصفها مواقع استراتيجية. أما القرن الحادي والعشرون، فيتعامل معها بوصفها مفاتيح للقلق. كل سفينة تنتظر، كل ناقلة تغير مسارها، كل شركة تأمين تعيد حساب المخاطر، كل برميل نفط يضاف إليه دولار بسبب الخوف، هو في النهاية تصويت صامت على هشاشة النظام العالمي.

الحرب لا تحتاج دائما إلى تدمير الاقتصاد. يكفي أحيانا أن تجعله خائفا. فالاقتصاد الحديث ليس آلة حديدية ضخمة تتحرك بقوة محركاتها، بل كائن عصبي. يسمع الشائعة قبل الخبر، ويشم الخطر قبل وقوعه، ويرفع كلفة الأشياء قبل أن تصل النار إلى الميناء. ولهذا فإن اختناق هرمز لا يعني فقط أن السفن تتباطأ. إنه يعني أن الخوف نفسه أصبح جزءا من سعر السلعة. وهنا تكمن المفارقة الكبرى. العالم الذي بنى أسطورته على حرية الحركة يجد نفسه الآن رهينة لممر بحري ضيق. عصر العولمة، الذي وعد بتحويل الكوكب إلى قرية مفتوحة، اكتشف فجأة أن القرية يمكن أن تغلق بابها بمفتاح صغير. إيران تدرك ذلك جيدا. وواشنطن تدركه أيضا. وعمان، بحكم موقعها وتاريخها الدبلوماسي، تحاول أن تقف في المسافة الفاصلة بين النار والماء. ولهذا فإن الحديث عن «ممر مؤقت» ليس مجرد صيغة دبلوماسية. إنه تعبير شديد الدلالة عن طبيعة المرحلة نفسها. كل شيء صار مؤقتا. الهدنة مؤقتة. الممر مؤقت. الضمانات مؤقتة. الاتفاقات قابلة للانهيار. والثقة نفسها تبدو وكأنها عملة خرجت من التداول. حتى البحر لم يعد يملك استقرارا دائما.

لقد دخل البحر في السياسة، ودخلت السياسة في الحسابات الدقيقة للبحر. وهذا هو الاختناق الحقيقي. ليس اختناق مضيق هرمز وحده، بل اختناق المخيلة السياسية. لأن القوى الكبرى ما زالت تتصرف أحيانا كما لو أن القرن السابق لم ينته. تفكر بمنطق الضغط، العقوبة، الحصار، الردع، التفوق العسكري، ثم تكتشف بعد ذلك أن العالم الاقتصادي لا يعمل بالطريقة نفسها التي تعمل بها حاملات الطائرات. السفينة تستطيع أن تبحر بأمر. أما السوق فلا. السوق كائن أكثر غموضا من الدولة. يمكن للدولة أن تعلن قرارا في العاشرة صباحا، لكن السوق قد يجيبها في الثانية عشرة بارتفاع الأسعار، وفي المساء بانهيار الثقة، وفي اليوم التالي بقرار استثماري اتخذ في مكان لم يسمع أحد فيه صوت المدفع. لهذا تبدو معركة هرمز، في عمقها، معركة على شيء لا يمكن احتلاله بسهولة: التوقع. من يسيطر على توقعات العالم يملك جزءا من الاقتصاد. ومن يستطيع أن يجعل الأسواق تتوقع الحرب، يملك أداة حرب حتى قبل أن تقع الحرب.

وهنا يصبح ترامب أمام مفارقة تاريخية. الرجل الذي بنى جزءا كبيرا من خطابه على فكرة أن أمريكا يجب أن تستعيد السيطرة، يجد نفسه أمام عالم لا تكفي فيه السيطرة العسكرية وحدها. يمكنك أن تملك أقوى جيش. لكن لا يمكنك أن تأمر ناقلة نفط بالخوف أو أن تمنع شركة تأمين من رفع أقساطها أو أن تجبر سوقا عالمية على التصرف بعقل سياسي واحد. القوة الأمريكية عظيمة. لكن عظمة القوة ليست هي نفسها القدرة على التحكم في نتائجها. وهذه واحدة من أكثر الحقائق قسوة في السياسة. كلما ازدادت القوة، ازدادت مسؤولية السيطرة على الفوضى التي يمكن أن تنتج عنها. إن أمريكا لا تواجه إيران فقط. إنها تواجه شبكة من النتائج غير المقصودة. وهذا هو الوحش الحقيقي في السياسة الحديثة: ليس العدو الذي تعرفه، بل النتائج التي لا تستطيع توقعها. مضيق هرمز، من هذه الزاوية، يشبه شقا صغيرا في زجاج العالم. لا يبدو خطيرا في البداية. لكن الضغط يتوزع منه في كل الاتجاهات. إذا ارتفعت كلفة الطاقة، اهتزت الصناعة. إذا اهتزت الصناعة، ارتفعت الأسعار. إذا ارتفعت الأسعار، ضاقت خيارات الحكومات. إذا ضاقت الخيارات، ازداد الغضب الاجتماعي. وإذا ازداد الغضب، عادت السياسة إلى البحث عن عدو.

وهكذا يمكن أن يبدأ كل شيء من بضعة أميال بحرية، ثم ينتهي في صندوق اقتراع، أو في بنك مركزي، أو في غرفة طوارئ مالية. هذه هي عبقرية الجغرافيا. إنها تجعل المكان الصغير أكبر من الخريطة. وقد يكون هذا هو الدرس الذي لا تريد القوى الكبرى سماعه: العالم لا يختنق عندما تنقطع الإمدادات فقط، بل عندما تنقطع القدرة على التفاهم. إن فتح ممر مؤقت بين إيران وعمان قد يكون خطوة عملية. لكن السؤال الأعمق ليس كيف تعبر السفن. السؤال: هل يستطيع النظام الدولي نفسه أن يعبر؟ هل تستطيع واشنطن وطهران الانتقال من منطق «من يتراجع أولا» إلى منطق «كيف نمنع الجميع من الغرق»؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين السياسة والاستعراض. في السياسة، قد تنتصر إذا لم يخسر خصمك بالكامل. أما في الاستعراض، فلا يكون النصر نصرا إلا إذا رأى الجمهور هزيمة الطرف الآخر. وهذه هي المشكلة. لأن الجغرافيا لا تعرف التصفيق. والبحر لا يهتم بمن ربح المؤتمر الصحفي. والسوق لا يقرأ الخطابات السياسية بعين المؤرخ، بل بعين الصراف.

لقد دخل العالم مرحلة لا تكفي فيها العضلات وحدها. مرحلة تستطيع فيها دولة أن تملك السلاح، لكنها تحتاج إلى خصم كي تستخدمه، وتحتاج إلى وسيط كي تتفاوض معه، وتحتاج إلى سوق كي تمول اقتصادها، وتحتاج إلى بحر مفتوح كي تحافظ على تدفق تجارتها. إنها مفارقة القوة الحديثة: القوة نفسها أصبحت محتاجة إلى شبكة من الضعف المتبادل. ولهذا ربما يكون هرمز أكثر من مضيق. إنه اختبار. اختبار لترامب، ولطهران، ولواشنطن، وللنظام الدولي كله. اختبار لمعرفة ما إذا كان العالم ما زال قادرا على صناعة حلول، أم أنه لا يجيد سوى إدارة الأزمات بعد أن تتحول إلى حرائق. فالازمة الحقيقية ليست أن هرمز مغلق. الأزمة أن العالم وصل إلى مرحلة يحتاج فيها فتح هرمز إلى أكثر من فتح البحر. يحتاج إلى فتح السياسة نفسها. وإذا بقيت السياسة مغلقة، فلن يكون هناك ممر دائم، مهما كان عرض الممر. لأن أخطر المضائق ليست تلك التي تفصل بين ضفتين. أخطر المضائق هي التي تظهر داخل عقول الدول.

هناك، حيث يتحول الكبرياء إلى استراتيجية، والخوف إلى سياسة، والاقتصاد إلى رهينة، يصبح العالم كله سفينة ضخمة تبحث عن ممر في ليل بلا منارة. وقد يكون ترامب الآن أمام السؤال الذي لا تستطيع القوة وحدها الإجابة عنه: ماذا تفعل عندما يكون العالم بحاجة إلى أمريكا قوية، لكن العالم نفسه لم يعد يحتمل أن تتصرف القوة وكأنها تستطيع أن تكون وحدها؟عند هذه النقطة لا يعود هرمز مجرد أزمة في الشرق الأوسط. يصبح صورة للمستقبل. مستقبل تختلط فيه الحرب بسعر النفط، والسيادة بالتجارة، والممر البحري بالعقوبات، والدبلوماسية بالأسواق. وفي هذا المستقبل، قد لا تكون المعركة على من يملك البحر. بل على من يملك القدرة على جعل البحر عاديا مرة أخرى. وهذا، في النهاية، هو الانتصار الوحيد الذي يستحق اسمه. أن يعود البحر بحرا. وأن يعود الاقتصاد اقتصادا. وأن تعود السياسة فنا لمنع الكارثة، لا فنا لتأجيلها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *