غيبوبة

بقلم دنيا الأمل إسماعيل كاتبة وباحثة فلسطينية-باريس

يبدو أنني استغرقت في النوم أكثر مما ينبغي، ومع ذلك لم تكن لديّ رغبة في النهوض. رأيت أشعة الشمس تتسلل إلى الغرفة من النافذة المقابلة، وشممت رائحة الخبز المحمّص وشاي الميرمية تنبعث من المطبخ البائس؛ رائحة أيقظت في مشاعري الذابلة حنينًا إلى أجواء شتوية سابقة. نهضت من فراشي ببطء، حتى لا أوقظ من في الجوار. كانت ابنتي نائمة بعمق إلى جوار بنات عمها، فيما تناثرت حولي الكتب والأوراق وجهاز الحاسوب المحمول وأغراض الاستخدام اليومي للعائلة.

بدا كل شيء على ما يرام في ذلك الصباح الشتوي الدافئ. وصلت إلى المطبخ الغارق في عتمة لا يبددها سوى ضوء الموقد. هناك رأيتها تكمل إعداد الفطور لها ولزوجها، كعادتها كل صباح. ألقيت التحية ومضيت إلى الخارج. كانت العتمة ذاتها تغلّف المكان، فيما كنت أسمع صوت الفناجين والأكواب وهي تنتقل من يد إلى أخرى. كانا يثرثران بحميمية لا تناسب إيقاع الحرب، فتدغدغت في قلبي مشاعر الحنين إلى رجل رحل عني باكرا، وعجزت عن التعافي من غيابه. مشيت خلف روحي وهي تقطع فناء الذكريات ذهابا وإيابا.

أحاول التستر على انكساري، من دون أدوات كافية للتخفي، لكن حزني كان دومًا جاهزًا للاستعمال كلما باغته الحنين بزيارة مفاجئة. ليتني أستطيع إغلاق الباب وإعادة الرتاج إلى مكانه في الوقت المناسب. تأبطت حزني يمينا، وحنيني شمالا، وبينهما ظلت روحي المنكسرة تتأرجح؛ مرة إلى اليمين، ومرة إلى الشمال. بعد أن أنهيا فطورهما، وقفا جنبا إلى جنب، يتهامسان برأسين مائلين وأيد متشابكة. أمعنا النظر في بعضهما حتى كادا أن يتحدا، لولا أن انتبها فجأة إلى وجودي. رأيت ذلك وفي قلبي ابتسامة شجن. تدحرجت حبات المطر على وجنتيهما، كأنها تغسل غراما مستجدا من أزيز الطائرات التي تحتل سماء المدينة. كانا في غيبوبة عشق، تحولت في غمضة عين إلى غيبوبة دائمة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *