بقلم زكية لعروسي
أمشي… وفي جيبي قمر مكسور
لأعلّم به العتمة أن الضوء يمكن أن ينجو من الجرح
كلما وصلت إلى باب قالوا لي:
هنا تنتهي اللغة
فوضعت أذني على الخشب
وسمعت وراءه ثقافة
تخاف من امرأة تدخل إليها بلا إذن
لم أطرق الأبواب…
فأنا جئت لأعلّم اليدَ كيف تكون بابا
رأيت المدن التي عبرتُ تربّي في أزقتها ظلالا
أكبر من سكانها
والبيوت تبدّل وجوهها كل مساء
كي لا تتذكر من سكنها
أما النوافذ فكانت تخلع عيونها عند الغروب
وتترك للريح مهمة النظر
قلتُ للمدن: لن أكون ابنتكِ الصامتة
فأخرجت من حنجرتي نهرا
ومن النهر روحا
ومن الروح خرجت امرأة لم تتعلم بعد
أن تخفض صوتها أمام التاريخ
رأيت الوقت يشرب دمه من كفّ عجوز
ثم رأيت الساعات تُنبت أجنحة من ملح الدموع
وتهاجر إلى الجهات التي لم تخترعها الخرائط
وعندما وجدت أول باب ثقافيّ مغلق
لم أبحث عن مفتاح
كسرت في رأسي فكرة الباب
دخلت…
كان وراءه ألف عام من الأصوات
مرتّبة في خزائن من نحاس
كل صوت يطلب من القادم أن يشبهه
وكل كتاب يحرس قبر الكتاب الذي سبق
ضحكت, وقلت:
أنا لا آتي لأرثكم
أنا آتي لأركّب في لغتكم حركات الحياة
فاهتزت الرفوف
وسقطت من الكتب مفاتيح كثيرة
لكنني لم ألتقط واحدا منها
خرجت من المكتبة
والكتب تمشي خلفي ككائنات فقدت مؤلفيها
في الخارج
كانت الأشجار تكتب جذورها على ظهر البرق
وكان الرعد يفتح أرشيفا سماويا
لا يدخله إلا الذين تعلّموا أن يروا بأعينهم المغمضة
مددت يدي إلى البرق
فاحترقتُ
ومن احتراقي خرجت لغة
لغة لا تسأل: من سمح لكِ؟
بل تسأل: لماذا تحتاج الحرية إلى إذن؟
كل نجمة رأيتها
كانت تخبّئ في قلبها مقبرة لشمس مؤجلة
وكل شمس كانت تحمل تحت رمادها طفلة
لم تتعلم كيف تحترق دون أن تفقد اسمها
أما الريح…فلم تكن هواء
كانت أرملة ضوء
تجمع عظام النهار
وتخيطها بخيط من رائحة البحر
ثم تترك المساء واقفا بلا جسد
والليل؟
لم يكن ظلاما
كان يصنع من السواد مفاتيح
لأبواب لم تُخلق بعد
في تلك الليلة
وقفت أمام باب آخر
قالوا: هذا باب الثقافة
وقالوا: لا تدخل المرأة من هنا
إلا إذا حملت اعترافا بأنّها تحتضر
وضعت كفي على الباب
كان باردا كقبر يحفظ أسماء الموتى
قلت: أنا لا أحتضر, ولم أتأخر
فقط, أتيت من جهة أخرى
ثم أغمضت عيني
وتذكرت أن الأنبياء لم يحملوا خرائط
وأن المتصوفة لم يجدوا الله
حين اتبعوا الطريق
بل حين صار الطريق هو الذي يبحث عنهم
فتحت عيني
لم يعد الباب موجودا
كان الجدار نفسه قد صار قصيدة
عبرت
وفي الجهة الأخرى
لم أجد جمهورا
ولا ناقدا يحمل ميزانا لقياس النجاة
وجدت طفلة تجلس وحدها
وتصنع من أنفاس الغائبين سفنا ورقية
سألتها: إلى أين؟
قالت: إلى المكان الذي لا تزال اللغة فيه
تتذكر أنها كانت وحيا قبل أن تصبح ثقافة
فجلست إلى جوارها
وصنعنا سفينة من حرفين
وأبحرنا في محيط لم يكن له ماء
هناك رأيت وجهي
يهاجر بين المرايا
كما لو أن ملامحي طيور مؤقتة
تستأجر الجسد
ثم تتركه للمعنى
قلت للكون:
كم رأسا تُخبّئ تحت هذا الفراغ؟
فضحك
فتساقطت من ضحكته تيجان اليقين
عندها عرفت:
متى يكون الباب أكذوبة
غبت
فلم أجد الموت
وجدت ممرا ضيقا
في آخره طفلة ترفع رأسها إليّ
وتقول: أخيرا وصلتِ
قلت: إلى أين؟
قالت: إلى أولئكِ
ثم أعطتني قمري المكسور
كان قد اكتمل
علّقته فوق باب مغلق
وكتبت تحته: هنا يبدأ الطريق
ومنذ ذلك اليوم
كلما أُغلق باب في وجه امرأة
شققت في لغة الرواية نافذة
وكلّما قالوا لها: هذا المكان ليس لكِ
وسّعت المكان
وكلّما حاولوا أن يجعلوا الثقافة
مقبرة للصّوت
دخلت إليها حيّة أُرزق
وخرجت منها بموت جديد للأبواب
لأنني لم آت إلى الشّعر
كي أجد مكانا بين اللاتي سبقنني
أتيتُ لأترك في الطريق
مكانا لمن لم تولد بعد
ولأنّ القيامة، كما عرفت أخيرا
ليست نهاية العالم
بل اللّحظة التي يتذكر فيها الظل
أنّ له اسما
وتتذكّر المرأة
أنّ الباب الذي أغلق في وجهها
كان منذ البداية فمُها
