الولايات المتحدة وإيران في معركة الزمن

الصبر الاستراتيجي

بقلم د. عبد الرحمن مكاوي-باريس

الصبر الاستراتيجي ليس انتظارا سلبيا، ولا مجرد قدرة على الاحتمال. إنه، في جوهره، فن تحويل الزمن إلى أداة ضغط؛ أن تجعل خصمك يدفع ثمن كل يوم يمر، وأن تراهن على أن ما لا تستطيع حسمه بالقوة اليوم قد تحسمه كلفة الانتظار غدًا. في هذا المعنى، تبدو الولايات المتحدة وإيران وكأنهما تنتميان إلى مدرستين مختلفتين في استخدام الزمن، وإن كانتا تلتقيان في إدراك أهميته. واشنطن تراهن على استنزاف الخصم اقتصاديًا وسياسيًا، بينما تراهن طهران على طول النفس، وتراكم الخبرة، وبناء شبكات النفوذ التي تجعل هزيمتها الكاملة أكثر تعقيدًا وكلفة. إنها ليست معركة صواريخ فقط، بل معركة ساعات: من يستطيع أن ينتظر أكثر؟ ومن ينهار أولًا تحت وطأة الانتظار؟

أولا: الصبر الأمريكي… سلاح الزمن الطويل

القوة الأمريكية لا تحتاج دائما إلى الضربة المباشرة. أحيانا يكون السلاح الأكثر فاعلية هو ألا تضرب أصلا، بل أن تجعل الخصم يعيش تحت ضغط مستمر. منذ الثورة الإيرانية عام 1979، مرت العلاقات الأمريكية الإيرانية بدورات متعاقبة من العقوبات والضغوط والعزلة الاقتصادية. وعلى امتداد عقود، أصبح الاقتصاد الإيراني جزءا أساسيا من ساحة الصراع، إلى جانب البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي والأمن البحري. لكن الخطأ هو النظر إلى العقوبات باعتبارها ضربة واحدة. العقوبات الأمريكية تعمل، في صورتها الأوسع، كعملية استنزاف تراكمية: ترفع تكلفة التجارة، وتقيّد الوصول إلى النظام المالي الدولي، وتضغط على الاستثمار، وتزيد صعوبة الحصول على التكنولوجيا ورؤوس الأموال.

ويؤكد تقرير البنك الدولي عن الاقتصاد الإيراني لعام 2024 أن الاقتصاد الإيراني يعمل في بيئة شديدة التعقيد بفعل العقوبات والتوترات الجيوسياسية، مع انعكاسات على النمو والفقر وعدم المساواة. لكن واشنطن تعرف أيضا حدود هذا السلاح. فالعقوبات لا تكون قاتلة عندما يستطيع الخصم ابتكار منافذ بديلة. وإيران، رغم القيود، طورت خلال السنوات الماضية اقتصادا قائمًا على الالتفاف على جزء من منظومة العقوبات، ووسعت علاقاتها مع قوى مثل الصين وروسيا، وراكمت خبرة واسعة في التعامل مع بيئة اقتصادية مغلقة. وهنا تظهر المفارقة: كلما طال الحصار، تعلم المحاصر كيف يعيش داخله.

لذلك لا يكفي أن تكون العقوبات قوية؛ ينبغي أن تظل قادرة على إغلاق منافذ التنفس. وهذه هي إحدى نقاط الضعف في استراتيجية الزمن الأمريكي: ما يصلح كأداة ضغط خلال عقد قد يفقد جزءًا من فاعليته إذا تحول إلى نظام دائم اعتاد الخصم عليه. التاريخ يقدم مثالا أكثر تعقيدا من مجرد القول إن الاتحاد السوفيتي انهار بسبب خفض أسعار النفط. انهيار الاتحاد السوفياتي كان نتيجة تفاعل عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية ومؤسسية عديدة، وكان انخفاض أسعار النفط في منتصف الثمانينيات أحد عناصر الضغط، لا تفسيرا منفردا للانهيار. الدرس الأهم إذن ليس أن أمريكا تستطيع إسقاط خصومها بمجرد إطالة الانتظار، بل أن القوة الاقتصادية تمنحها قدرة استثنائية على خوض معارك طويلة من دون الاضطرار إلى حسمها عسكريا.

ثانيا: الصبر الإيراني… سلاح الاستنزاف والذاكرة

إذا كان الصبر الأمريكي اقتصاديا بالدرجة الأولى، فإن الصبر الإيراني أكثر ارتباطا بالهوية السياسية والذاكرة التاريخية وبناء النفوذ غير المباشر. إيران لا تحتاج إلى الانتصار في كل مواجهة. يكفيها، في كثير من الأحيان، ألا تسمح لخصمها بتحقيق انتصار نهائي. هذه هي فلسفة الاستنزاف المتبادل. منذ الثمانينيات، بنت طهران شبكة واسعة من العلاقات مع جماعات مسلحة وقوى سياسية في المنطقة، وأصبح هذا النفوذ أحد أهم عناصر استراتيجيتها الأمنية. حزب الله في لبنان مثال بارز على هذا النموذج؛ فبدل أن تعتمد إيران على المواجهة العسكرية المباشرة مع خصومها، استثمرت في بناء قدرات حليفة تمتد جغرافيا إلى خارج حدودها. وبذلك أصبح الصراع أكثر تعقيدا: ضرب إيران لا يعني بالضرورة إنهاء مصادر الضغط الإقليمي، لأن جزءا من تلك المصادر أصبح موزعًا على ساحات متعددة. إنها استراتيجية تقوم على مبدأ بسيط: لا تجعل خصمك يملك ساحة واحدة يستطيع أن يحسم فيها الحرب. ومن هنا، يمكن فهم أحد أهم أسباب قدرة إيران على تحمل الضغوط لعقود. فهي لا تعتمد على القوة العسكرية التقليدية وحدها، بل على شبكة من الأدوات: الصواريخ والطائرات المسيّرة، الحلفاء الإقليميون، الجغرافيا، الطاقة، والموقع الاستراتيجي عند الخليج ومضيق هرمز. لكن لهذه الاستراتيجية ثمنها الداخلي.

ثالثا: عندما ينقلب الزمن على صاحبه

الصبر الاستراتيجي ليس سلاحا مضمونا إلى الأبد. قد يتحول الزمن، بعد سنوات طويلة، من حليف إلى خصم. وهنا تواجه إيران معضلتها الأصعب: كيف تحافظ على مشروعها الإقليمي في الوقت الذي يتغير فيه مجتمعها من الداخل؟ تظهر استطلاعات GAMAAN في 2024 مؤشرات لافتة على اتساع الفجوة بين قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني والنظام السياسي القائم. ففي استطلاع فبراير 2024، قال نحو 75% من المشاركين إنهم سيصوتون بـ«لا» للجمهورية الإسلامية لو أجري استفتاء حر، مقابل 16% قالوا إنهم سيصوتون بـ«نعم». وفي استطلاع يونيو من العام نفسه، أظهرت البيانات أن نحو 70% يعارضون استمرار الجمهورية الإسلامية، فيما تراجع تأييد مبادئ الثورة والمرشد إلى نحو 11%. كما أظهر الاستطلاع أن التوجهات المطالبة بتغيير النظام أو التحول البنيوي أصبحت أكثر حضورا من التأييد للإبقاء على الوضع القائم. هذه الأرقام لا تعني أن سقوط النظام وشيك، ولا أن المجتمع الإيراني يتحدث بصوت واحد. لكنها تكشف شيئ ا أكثر أهمية: الزمن الذي تعتمد عليه الدولة لم يعد يعمل في اتجاه واحد. ففي الخارج، قد تكون إيران أكثر خبرة في إدارة الأزمات. أما في الداخل، فإن الأجيال الجديدة لا تحمل بالضرورة الذاكرة السياسية نفسها التي حملتها الأجيال المؤسسة للجمهورية الإسلامية. وهذه مشكلة كل مشروع سياسي يعتمد طويلا على الذاكرة الثورية: الذاكرة لا تنتقل كاملة من جيل إلى جيل.

رابعا: من يملك الساعة؟

هنا نصل إلى جوهر المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية. واشنطن تمتلك اقتصادًا عالميًا، وعملة دولية، وشبكات تحالف واسعة، وقدرة هائلة على فرض العقوبات وإعادة تشكيل البيئة الاقتصادية التي يتحرك فيها خصومها. وطهران تمتلك في المقابل خبرة أربعة عقود في البقاء تحت الضغط، وجغرافيا استراتيجية، وشبكات نفوذ إقليمية، وقدرة على العمل في المناطق الرمادية بين الحرب والسلام. لذلك لم تعد المسألة: من الأقوى؟ بل أصبحت: من يستطيع تحويل قوته إلى قدرة على الانتظار؟ فالولايات المتحدة قد تكون أقوى اقتصاديا وعسكريا، لكن القوة المطلقة لا تعني بالضرورة القدرة على إنهاء الصراع. وإيران قد تكون أضعف بكثير في ميزان القوة التقليدية، لكنها أثبتت قدرة عالية على منع خصومها من تحويل تفوقهم إلى انتصار نهائي. وهنا يصبح الصبر الاستراتيجي سلاحًا ذا حدين. إذا طال الزمن أكثر مما ينبغي، فقد تتكيف الدولة المحاصرة مع العقوبات، وقد تتآكل فعالية الضغط الخارجي. وفي المقابل، إذا طال الزمن على النظام نفسه، فقد يبدأ الضغط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في تغيير المجتمع من الداخل.

ثلاثة قوانين لمعركة الزمن

القانون الأول: الصبر يحتاج إلى موارد

لا يستطيع الفقير أن يصبر بالطريقة نفسها التي يصبر بها الغني. الولايات المتحدة تمتلك احتياطيات اقتصادية وتحالفات وأسواقًا واسعة تسمح لها بخوض صراعات طويلة. وإيران تمتلك، بدلا من ذلك، قدرة على التكيّف، وموارد طاقة، وشبكات نفوذ، وإرثا أمنيا متراكما.

القانون الثاني: الزمن لا يبقى محايدا

كل جيل جديد يعيد تعريف أولوياته. وما كان مقدسا لجيل قد يصبح عبئًا على جيل آخر. ولذلك فإن الدولة التي تراهن على الزمن يجب أن تسأل دائما: ماذا يفعل الزمن بالمجتمع الذي أحكمه؟

القانون الثالث: الصبر لا ينتصر وحده

الصبر يصبح استراتيجية عندما يقترن بهدف واضح. الانتظار من دون تغيير في موازين القوة ليس استراتيجية؛ إنه تأجيل للمشكلة. ولهذا، فإن الولايات المتحدة وإيران تواجهان المعضلة نفسها، وإن من موقعين مختلفين: كل طرف يريد أن يجعل الزمن يعمل ضده خصمه، لكن الزمن يعمل في الوقت نفسه على تغيير الطرفين.

لا أحد يملك الساعة إلى الأبد

الصراع الأمريكي ـ الإيراني ليس مباراة يمكن حسمها بعدد الطائرات أو الصواريخ وحدها. إنه صراع طويل على القدرة على الاحتمال، وعلى الاقتصاد، وعلى الشرعية، وعلى الذاكرة، وعلى الأجيال القادمة. أمريكا تراهن على أن الضغط المتراكم سيجبر إيران في النهاية على تعديل سلوكها. وإيران تراهن على أن الوقت سيُضعف إرادة خصومها، كما أضعف محاولات سابقة لعزلها وإخضاعها. لكن التاريخ يقدم تحذيرا للطرفين: من يراهن على الزمن يجب أن يتذكر أن الزمن لا يعمل لصالح أحد. فالولايات المتحدة لا تستطيع أن تفترض أن العقوبات ستؤدي حتما إلى انهيار خصمها، وإيران لا تستطيع أن تفترض أن قدرتها على الصمود ستبقى بلا تكلفة إلى ما لا نهاية. قد لا يكون المنتصر هو من يملك القوة الأكبر، بل من يستطيع أن يتحمل تغيّر الزمن نفسه. وهنا تحديدا يصبح الصبر الاستراتيجي أكثر من مجرد انتظار. إنه محاولة للإجابة عن السؤال الأصعب في السياسة الدولية: من يستطيع أن يجعل عقارب الساعة تتحرك في الاتجاه الذي يريده؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *