بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة لحظات في السياسة لا تحتاج إلى حرب كي تكشف هشاشة العالم. يكفي أن يجلس سبعة مرشحين فوق منصة واحدة، وتوضع أمامهم كلمة واحدة: الدين. عندها، فجأة، يصبح الاقتصاد مسرحا للسحر، وتتحول الأرقام إلى حمام زاجل، وتخرج من جيوب السياسيين عصي غامضة قادرة، بحسب صاحب كل عصا، على إصلاح ما أفسده الزمن، ومحو ما تراكم من المليارات، وإعادة الدولة إلى شبابها من دون أن يدفع أحد ثمن هذا الشباب. في ملعب رولان غاروس، حيث اعتاد الجمهور أن يتابع الكرة وهي تعبر الشبكة، كانت هناك كرة أخرى أكثر ثقلا تتحرك بين المرشحين: كرة الدين العام. والفارق أن كرة التنس تعود دائما إلى الملعب، أما الدين، حين يقذف به السياسي في الهواء، فلا يعود عادة بالطريقة نفسها. كان ذلك الخميس أقرب إلى افتتاح مبكر لموسم الصيد الانتخابي. سبعة مرشحين، سبع رؤى لفرنسا، وكم هائل من الوعود التي بدت أحيانا كأنها خرجت من مختبر للكيمياء السياسية، حيث يمكن تحويل العجز إلى فائض، والإنفاق إلى اقتصاد، والضريبة إلى لا شيء، والدين إلى ورقة يمكن ببساطة إشعالها. في السياسة، هناك دائما من يبيع المستقبل بالتقسيط. وهناك من يعد بإلغاء الفاتورة. وهناك من يقف في المنتصف، يحمل آلة حاسبة بوجه شاعر، ويطلب من الجميع أن يصدقوا أن الحساب يمكن أن يكون مسألة إرادة. لكن المشكلة ليست في أن السياسيين يعدون. المشكلة تبدأ حين تصبح الوعود أكثر واقعية من الواقع نفسه.
العصا السحرية الأولى: أن نحرق الدين
كان جان لوك ميلانشون قد دخل المناظرة وفي يده العبارة التي أثارت العاصفة قبل بدايتها: اقتراح التخلص من نحو 600 مليار يورو من الدين الفرنسي الذي تحمله البنوك المركزية، وفي مقدمتها بنك فرنسا. فكرة تبدو، في ظاهرها، مثل فتح باب سري في جدار الحسابات العامة. لكن إدوار فيليب لم ير في الجدار بابا، بل هاوية. وحين واجهه محذرا من أن فرنسا قد تصبح، في حال العبث بثقتها المالية، كمن يقطع بنفسه الورقة التي كتب عليها اسمه، كان النقاش قد انتقل من الاقتصاد إلى شيء أكثر بدائية وأعمق: الثقة. فالدولة ليست فقط ما تملكه من أموال. الدولة أيضا هي قدرتها على إقناع الآخرين بأن توقيعها سيظل صالحا غدا. الدين ليس رقما في دفتر محاسبة. إنه ذاكرة المستقبل. كل مليار اقترضته الدولة هو، بطريقة ما، رسالة تركتها للأجيال المقبلة داخل زجاجة وألقتها في بحر الزمن. والسؤال ليس فقط: من سيدفع؟ السؤال الأكثر قسوة هو: ماذا لو جاء يوم لا يريد فيه أحد أن يقرضك؟ هنا يصبح الدين شبيها بالظل. يمكنك أن تطفئ المصباح، لكنك لا تستطيع إقناع الظل بأنه لم يكن موجودا.
السحر الانتخابي
الانتخابات تحب الأرقام الكبيرة لأنها تشبه الألعاب النارية. 125 مليار يورو من التوفير هنا. 600 مليار من الدين هناك. خفض الإنفاق. رفع الضرائب. إلغاء الإصلاح. إعادة النظر في سن التقاعد. تغيير قواعد الهجرة. إعادة توزيع الثروة. كل مرشح يدخل إلى المعركة ومعه مفتاح مختلف للخزنة الفرنسية. لكن أحدا لا يشرح بما يكفي شكل الخزنة من الداخل. وهنا تكمن براعة السياسة الانتخابية. إنها لا تكذب دائما. أحيانا تفعل شيئا أكثر ذكاء: تقول نصف الحقيقة وتترك للنصف الآخر أن يموت في الظلام. يمكنك أن تتحدث عن خفض الإنفاق دون أن تشرح بدقة من سيخسر. ويمكنك أن تتحدث عن زيادة الإيرادات دون أن تقول من سيدفع. ويمكنك أن تعد بنظام تقاعد أكثر عدلا دون أن تشرح كيف ستدفع أمة تتقدم في العمر فاتورة هذا العدل. ويمكنك أن تقول إن فرنسا تحتاج إلى العمل أكثر، أو أقل، أو بطريقة مختلفة، لكن السؤال الذي يظل واقفا مثل حارس على الباب هو: من سيدفع ثمن السنوات التي لم يعد فيها الحساب قابلا للمجاملة؟
سباق على إرث ماكرون
لم يكن من قبيل المصادفة أن يتحول إدوار فيليب وغابرييل أتال إلى هدفين مفضلين خلال المناظرة. فهما يحملان على كتفيهما جزءا من إرث السنوات الماكرونية، وبالتالي لا يملكان رفاهية الوقوف في الصفوف الخلفية. مارين لوبان وضعت في وجههما رقم الدين. مارين تونديلي تحدثت عن تراجع الصناعة. ورافائيل غلوكسمان سخر من فكرة أن وجود الرجلين معا قد يكون مفيدا للدفاع عن حصيلة لا تكفيها كتف واحدة. السياسة هنا تمارس لعبتها القديمة: إذا لم تستطع إسقاط الحجة، حاول إسقاط صاحبها تحت وزن الماضي. كل رئيس حكومة سابق يحمل معه حقيبة غير مرئية. داخلها القرارات التي اتخذها، والأزمات التي واجهها، والديون التي تراكمت، والاحتجاجات التي اندلعت، والوعود التي لم تجد طريقها إلى الواقع. وفي الانتخابات، تفتح هذه الحقائب فجأة أمام الجمهور. لا أحد يسأل فقط: ماذا ستفعل؟ بل يسأل أيضا: ماذا فعلتم حين كانت مفاتيح الدولة في أيديكم؟
التقاعد… حين يصبح العمر ورقة انتخابية
ثم جاءت المعركة القديمة التي لا تموت: التقاعد. ميلانشون ومارين تونديلي يريدان إلغاء إصلاح ماكرون. غلوكسمان يريد إصلاحا، لكنه يريده عادلا، لأن الناس لا ينهكون بالطريقة نفسها. برونو ريتايو يريد ربط سن التقاعد بمتوسط العمر المتوقع. أما أتال فيدفع باتجاه إدخال قدر أكبر من الرسملة في النظام. كل واحد يحمل ساعته الخاصة. لكن الساعة الوطنية واحدة. وهذه هي المعضلة. يمكن للسياسي أن يعيد ضبط ساعته، لكنه لا يستطيع إعادة ضبط الزمن نفسه. فرنسا تتقدم في العمر. والاقتصاد يحتاج إلى تمويل. والدولة تريد الإنفاق. والناخب يريد الحماية. والعامل يريد التقاعد. والشاب يريد أن يعرف هل سيكون هناك شيء متبق عندما يصل إلى سن التقاعد. وفي مكان ما بين هذه المطالب المتعارضة، تجلس الآلة الحاسبة، وحيدة، بلا حزب ولا ميكروفون.
ثم هطل المطر
حتى السماء دخلت على الخط. هطلت الأمطار فوق رولان غاروس، فضحك إدوار فيليب وأشار إلى غياب فرانسوا هولاند، وكأن المطر نفسه قرر أن يستعيد ذاكرة سياسية فرنسية. كانت لحظة ساخرة، لكنها بدت أيضا كأنها استعارة جاهزة عن السياسة الفرنسية. كلما بدأ السياسيون الحديث عن المستقبل، هطل شيء من الماضي فوق رؤوسهم. مطر الدين. مطر البطالة. مطر الضرائب. مطر التقاعد. مطر الوعود. وكان غابرييل أتال أسرع إلى تحويل المطر إلى سهم سياسي ضد خصومه في اليسار، في إشارة إلى تخزين المياه بالنسبة إلى المزارعين. هكذا تعمل المناظرات. حتى الغيمة يمكن أن تصبح برنامجا انتخابيا.
مارين لوبان والبحث عن مفتاح الاقتصاد
مارين لوبان دخلت المناظرة وهي تحمل معها محاولة طويلة لإعادة بناء العلاقة بين اليمين المتطرف وعالم الأعمال. وعدت بخطة توفير تصل إلى 125 مليار يورو قبل النقاش الميزاني. لكن رافائيل غلوكسمان سارع إلى مهاجمة ما اعتبره اختزالا لمشكلات الدين في الهجرة وأوروبا، محذرا من أن الاقتصاد الفرنسي قد يحتاج إلى هجرة للعمل. وهنا ظهرت إحدى أكثر مفارقات الانتخابات الفرنسية قسوة. الجميع يريد اقتصادا قويا. لكن كلما بحث الاقتصاد عن العمال، اصطدمت حاجته بجدار السياسة. الجميع يريد فرنسا منتجة. لكن الإنتاج يحتاج إلى مصانع، والمصانع تحتاج إلى عمال، والعمال يحتاجون إلى أجور، والأجور تحتاج إلى اقتصاد قادر على تحملها. والاقتصاد، في النهاية، لا يعرف الأيديولوجيا. المصنع لا يسأل العامل عن حزبه حين يحتاج إلى يديه. والآلة لا تقرأ برامج الانتخابات قبل أن تتوقف.
المشكلة ليست في العصي… بل في الساحر
المشكلة الحقيقية في هذه الانتخابات ليست أن المرشحين يملكون وصفات مختلفة. بل أن كل واحد منهم يريد أن يقنع الفرنسيين بأن هناك وصفة واحدة يمكن أن تحل عقدة صنعتها عقود كاملة. لكن الدين العام ليس فأرا يمكن إخراجه من قبعة الساحر. ولا التقاعد وحشا يمكن قتله بسيف خطاب انتخابي. ولا الصناعة الفرنسية شجرة ذابلة يمكن إحياؤها بكلمة. ولا الهجرة رقما يمكن حذفه من جدول الحسابات ثم انتظار الاقتصاد كي يصفق. الدول لا تعالج أزماتها بالسحر. تعالجها بالوقت، وبالعمل، وبالإصلاحات التي لا تحظى عادة بالتصفيق. هو الجزء الذي لا تحبه الانتخابات. فالناخب يحب من يقول له إن الغد سيكون أفضل. لكنه لا يحب دائما أن يسمع لماذا سيكون الوصول إلى الغد مكلفا. السياسي يعرف ذلك. لذلك يضع على الطاولة مرآة كبيرة، ويطلب من الناخب أن ينظر إليها. وفي المرآة يرى الناخب فرنسا التي يريدها. أما الفاتورة، فيبقيها الساحر داخل جيبه.
فرنسا لا تحتاج إلى ساحر
قد تكون المناظرة قد كشفت شيئا أعمق من البرامج نفسها. كشفت أن فرنسا تدخل الانتخابات وهي تبحث، قبل الرئيس، عن تفسير. كيف وصلت إلى هذا الدين؟ لماذا فقدت الصناعة جزءا من قوتها؟ كيف تمول دولة اجتماعية بهذا الحجم؟ كيف تعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات؟ كيف تصلح التقاعد من دون أن تجعل نصف البلاد يشعر بأنه ضحية؟ كيف تستعيد النمو من دون أن تبيع المستقبل؟ هذه ليست أسئلة حملة انتخابية فقط. إنها أسئلة دولة. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يفعله المرشح ليس أن يخطئ في رقم. بل أن يجعل الناس يعتقدون أن المشكلات الكبرى يمكن حلها بإرادة خطابية. فالديمقراطية لا تحتاج إلى من يعدها بأن الدين سيختفي. تحتاج إلى من يشرح لماذا ظهر، ومن استفاد منه، ومن سيدفع ثمنه، وكيف يمكن إيقاف تمدده من دون تدمير ما تبقى من الثقة.
الانتخابات ليست مباراة تنس
في رولان غاروس، إذا خرجت الكرة خارج الخط، ينتهي النقاش. في الاقتصاد لا توجد خطوط بيضاء. يمكن أن تتجاوز الدولة حدود العجز، ثم تستمر. يمكن أن يرتفع الدين، ثم يستمر. يمكن أن تتأخر الإصلاحات، ثم تستمر الحياة. لكن هناك لحظة غامضة، لا يعلن عنها الحكم، يصبح فيها الاستمرار نفسه أكثر كلفة من التغيير. وهنا تكمن خطورة السنوات المقبلة.المرشحون يتحدثون عن فرنسا التي يريدونها. لكن السؤال الذي يجب أن يلاحقهم هو: أي فرنسا تستطيع أن تدفع ثمن فرنسا التي تعدون بها؟ ذلك هو السؤال الذي لا تملك له العصا السحرية جوابا. وربما كان هذا هو الدرس الحقيقي للمناظرة. ليس من يستطيع أن يرفع صوته أكثر. ولا من يملك العبارة الأكثر لمعانا. ولا من يستطيع أن يرمي خصمه بأكبر رقم. بل من يجرؤ على أن يقول للفرنسيين الحقيقة التي لا يحبها أحد: لا توجد دولة مجانية. لا يوجد مستقبل بلا فاتورة. ولا يمكن محو الدين بإشعال الورقة. فالسياسة ليست فنا في اختفاء الأرقام. السياسة، في لحظتها النادرة والصعبة، هي فن النظر إلى الرقم حتى النهاية. وربما لهذا السبب، حين غادر المرشحون ملعب رولان غاروس، بقيت الكرة الحقيقية في مكانها. لم تكن على العشب. كانت في خزينة فرنسا. وكانت أثقل بكثير من أن يحملها ساحر واحد.
📲 Partager sur WhatsApp