بوتين يلوح بالعصا في وضح النهار

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك حروب تبدأ بصاروخ. وهناك حروب تبدأ بجملة. والأخطر أن بعض الجمل لا تكون مقدمة للحرب، بل تكون الحرب نفسها وهي ترتدي بدلة الكلام. في هذا الصيف الأوروبي الذي لم يعد يعرف أين تنتهي الأخبار وأين تبدأ الإشارات، ظهرت موسكو من جديد وهي تلوح بعصاها في وضح النهار. تهديدات روسية باستهداف أهداف عسكرية بريطانية، تقارير أميركية تتحدث عن احتمال أن تختبر روسيا صلابة حلف الناتو عبر هجوم محدود، ورئيس أميركي يخرج ليقول إن فلاديمير بوتين لن يهاجم أراضي الحلف. وبين الجملة والجملة تقف أوروبا، مثل رجل يسمع طرقا على باب بيته ليلا ولا يعرف هل الطارق عابر سبيل، أم لص، أم شبح جاء من الحرب. ثم تأتي المفارقة الأكثر إثارة. في اللحظة التي ترتفع فيها حرارة الخطاب الروسي، يصل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى موسكو، في زيارة نادرة أعادت إلى المدينة ذلك الجو الذي يجعل الجواسيس يتحدثون حين يصمت السياسيون، ويصمت السياسيون حين يصبح الكلام مكلفا. وقد أكدت موسكو حصول لقاء بين راتكليف ومسؤولي الاستخبارات الروسية، من دون الكشف عن مضمونه. أما التقارير التي تحدثت عن أن الزيارة تضمنت تحذيرا أميركيا لموسكو من مهاجمة دولة في الناتو، فلم تؤكدها واشنطن أو موسكو رسميا. هنا لا يعود السؤال: هل ستهاجم روسيا الناتو؟ السؤال الأكثر ذكاء هو: لماذا يريد الجميع أن يظل هذا السؤال بلا جواب؟ لأن السياسة الدولية، في لحظات الخطر، لا تعيش على الحقائق وحدها. إنها تعيش على الاحتمالات. والاحتمال، حين يدخل إلى غرفة القرار، يصبح أحيانا أكثر قوة من الحقيقة نفسها.

بوتين لا يحتاج إلى إطلاق النار كي يسمع العالم صوت البندقية

فلاديمير بوتين يعرف شيئا قديما من علوم القوة: أن تجعل خصمك يتخيل الحرب، قد يكون أقل كلفة من خوضها. الرئيس الروسي لا يحتاج بالضرورة إلى أن يقول: سأضرب بولندا، أو ألمانيا، أو فرنسا. يكفي أن يجعل العواصم الأوروبية تسأل نفسها: ماذا لو فعل؟ ماذا لو كانت الضربة محدودة؟ ماذا لو كانت منشأة عسكرية؟ ماذا لو كان صاروخا ضل طريقه؟ ماذا لو كانت عملية تخريب؟ ماذا لو لم يكن هناك دليل مباشر؟ ماذا لو استيقظت أوروبا ذات صباح على حادث لا تستطيع أن تثبت أنه حرب، ولا تستطيع في الوقت نفسه أن تتعامل معه باعتباره مجرد حادث؟ هنا تصبح المنطقة الرمادية أخطر من المنطقة السوداء. فالحرب الحديثة لا تأتي دائما بوجهها الكامل. قد تأتي في هيئة طائرة مسيرة، أو هجوم سيبراني، أو انفجار غامض، أو عملية تخريب، أو ضربة محسوبة بعناية بحيث تترك وراءها ما يكفي من الأدلة للاتهام، وما يكفي من الغموض للإنكار. وهذا هو فن الحرب حين تتعلم كيف ترتدي قناع القانون. لقد شهدت أوروبا في الأشهر الأخيرة تصاعدا في المخاوف من التهديدات الهجينة، بما فيها أعمال التخريب والهجمات السيبرانية والعمليات التي يصعب نسبتها مباشرة إلى دولة بعينها. لذلك فإن السؤال ليس فقط: هل ستعبر الدبابات الحدود؟ السؤال هو: هل تستطيع موسكو أن تختبر حدود الخوف الأوروبي من دون أن تعبر الحدود نفسها؟

لكن ماذا يقول ترامب؟

يقول ترامب: لا تقلقوا. بوتين لن يهاجم أراضي الناتو. الجملة تبدو بسيطة. لكن ترامب، في السياسة الدولية، لا يتحدث دائما كأستاذ في العلاقات الدولية. إنه يتحدث أحيانا كصاحب صفقة، وأحيانا كصاحب مسرح، وأحيانا كرجل يريد أن يخفض حرارة الغرفة قبل أن يحترق الأثاث. قال الرئيس الأميركي إنه لا يعتقد أن بوتين سيهاجم أراضي الناتو، وقلل أيضا من أهمية زيارة راتكليف إلى موسكو، واصفا إياها بأنها شبه روتينية. لكن هنا يجب ألا نرتكب الخطأ الساذج نفسه الذي تقع فيه نشرات الأخبار حين تحول السياسة إلى مسابقة بين من قال ماذا. ترامب لا يقدم لنا بالضرورة تقريرا استخباراتيا. وبوتين لا يقدم لنا بالضرورة اعترافا بنواياه. كلاهما يمارس السياسة. والسياسة ليست غرفة زجاجية. إنها قصر من المرايا.

إلى من ننصت إذن؟

إلى ترامب؟ أم إلى بوتين؟ أم إلى الاستخبارات؟ أم إلى الصمت بين الجمل؟ ربما ينبغي أن ننصت إلى الأربعة. ترامب يقول: لن تقع الحرب. موسكو تقول: لا توجد نية لمهاجمة الناتو، وتتهم الأوروبيين بالعدوانية. الاستخبارات الأميركية تراقب احتمالات مختلفة. والجيش الروسي يواصل الحرب في أوكرانيا، بينما تستمر الضربات والتهديدات المتبادلة. وهنا تظهر الحقيقة الأكثر إزعاجا: قد يكون الجميع صادقين، كل من موقعه، ومع ذلك قد تكون الصورة كلها خطيرة. ترامب قد يكون مقتنعا بأن بوتين لا يريد حربا مباشرة مع الناتو. وبوتين قد يكون مقتنعا بأن الغرب لن يجرؤ على الرد على كل تصعيد. والاستخبارات قد تكون مقتنعة بأن الاحتمال ضعيف، لكنها لا تستطيع أن تقول إنه مستحيل. وهكذا يولد الخطر. ليس من نية الحرب وحدها، بل من سوء تقدير نية الآخر.

المشكلة ليست في أن بوتين يريد الحرب

المشكلة أن أحدا لا يستطيع أن يضمن أنه لا يريد اختبار حدودها. هذه نقطة مختلفة تماما. فروسيا تخوض منذ 2022 حربا واسعة ضد أوكرانيا. واليوم، مع استمرار الضربات داخل أوكرانيا، ومع تصاعد استخدام الأسلحة الغربية بعيدة المدى، تتحول الحدود بين الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الأوروبية الأوسع إلى خط رفيع جدا. وقد هددت موسكو اليوم باستهداف أهداف عسكرية بريطانية داخل أوكرانيا وخارجها ردا على استخدام صواريخ بريطانية، في تصعيد لفظي لا يمكن تجاهله حتى لو لم يتحول إلى عمل عسكري مباشر. وهنا تكمن عبقرية العصا الروسية. إنها لا تضرب دائما. أحيانا تكتفي بأن تضع نفسها على الطاولة.

أوروبا تسمع صوتا آخر

الصوت الآخر هو صوت الحساب. كم صاروخا دفاعيا لدينا؟ كم بطارية دفاع جوي؟ كم يوما تستطيع الصناعة الأوروبية أن تنتج فيه الذخيرة؟ وكم تستطيع الولايات المتحدة أن توفر إذا كانت هي نفسها موزعة بين جبهات متعددة؟ هذه الأسئلة ليست أدبية. إنها أسئلة باردة، لكنها أكثر رعبا من الخطب. وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع ما نقلته وكالة أسوشيتد برس اليوم عن نقص شديد في مخزونات صواريخ باتريوت في أوروبا، بسبب تحويل جزء من القدرات والذخائر إلى الشرق الأوسط، في ظل الحرب مع إيران، وما قد يتركه ذلك من فجوات في الدفاع الجوي الأوروبي. وهنا يظهر وجه آخر للمشهد: قد لا تكون روسيا بحاجة إلى أن تكون أقوى من الناتو. قد يكفيها أن تعرف أن الناتو ليس متأكدا من حجم القوة التي يستطيع استخدامها، ومتى، وأين. فالقوة العسكرية ليست عدد الصواريخ فقط. القوة هي أيضا وضوح القرار.

الناتو يعيش على شيء أكبر من السلاح

الناتو لا يقوم فقط على المادة 5. إنه يقوم على الإيمان بأن المادة 5 ستعمل عندما يحين وقتها. وهذا الإيمان هو الجدار الحقيقي. ولهذا فإن أي خصم ذكي لا يحتاج إلى تحطيم الجدار. يكفي أن يضربه مرة واحدة ليسأل سكان البيت: هل ما زال متينا؟ من هنا تأتي خطورة “الهجوم المحدود”. الهجوم المحدود، إذا وقع، ليس محدودا في نتائجه بالضرورة. لأن الصاروخ قد يكون صغيرا. لكن السؤال الذي يتركه وراءه كبير: هل نرد؟ وإذا رد الناتو، إلى أي مدى؟ وإذا لم يرد، ماذا فهمت موسكو؟ وماذا فهمت وارسو؟ وماذا فهمت براغ؟ وماذا فهمت دول البلطيق؟ في السياسة الدولية، أحيانا لا تكون الكارثة في الرصاصة الأولى. بل في تفسير الرصاصة الأولى.

بوتين يلعب على الحافة

وهذه ليست لعبة جديدة في التاريخ الروسي. القوة الروسية، منذ أيام الإمبراطوريات وحتى الاتحاد السوفيتي، فهمت جيدا أن الجغرافيا يمكن أن تكون سلاحا، وأن العمق الاستراتيجي يمكن أن يتحول إلى عقلية سياسية. لكن روسيا اليوم ليست الاتحاد السوفيتي. والعالم ليس عالم الحرب الباردة. والناتو ليس أوروبا المنهكة التي خرجت من الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك، فإن روسيا تمتلك ترسانة نووية، وقوة عسكرية كبيرة، وقدرة على تحمل كلفة بشرية واقتصادية عالية، وخبرة متراكمة في الحرب التقليدية والهجينة. وهذا يجعلها خصما لا يمكن التعامل معه بمنطق الرغبات. لكن هناك خطأ آخر يجب تجنبه: القوة الروسية لا تعني أن موسكو تريد حربا شاملة مع الناتو. والتهديد الروسي لا يعني تلقائيا أن الهجوم وشيك. والتحذير الاستخباراتي لا يعني أن القرار قد اتخذ. الفرق بين هذه الجمل هو الفرق بين التحليل والهلع.

وترامب؟

ربما يعتقد ترامب أن أفضل طريقة لمنع الحرب هي إقناع الجميع بأنها لن تقع. وهذا منطق مفهوم. لأن الأسواق تخاف. والحلفاء يخافون. والجيوش تخاف. والشعوب تخاف. وأحيانا يكون أول شرط لمنع الحرب ألا تسمح للخوف بأن يصبح هو القائد الأعلى. لكن المشكلة أن الطمأنة إذا تجاوزت حدها تتحول إلى عمى. والتهويل إذا تجاوز حده يتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها. بينهما تقف السياسة الرصينة. لا تصدقوا الطمأنة كاملة، ولا التهديد كاملا هذه ربما هي الإجابة الأكثر نضجا على السؤال. لا نحتاج إلى أن نختار بين ترامب وبوتين. علينا أن نقرأ ترامب من خلال مصالحه. ونقرأ بوتين من خلال مصالحه. ونقرأ الاستخبارات من خلال احتمالاتها. ونقرأ الجيوش من خلال استعداداتها. ونقرأ الصمت من خلال ما يحاول إخفاءه. فالرئيس الأميركي يريد، على الأرجح، منع اتساع الحرب. والرئيس الروسي يريد الحفاظ على مساحة المناورة. والأوروبيون يريدون تجنب الحرب مع الاستعداد لها. وأوكرانيا تريد أن تستمر في القتال من دون أن تصبح وحدها في مواجهة روسيا. كل طرف يكتب جملة مختلفة في الصفحة نفسها. والصفحة اسمها أوروبا.

أخطر شيء في المشهد ليس بوتين

ولا ترامب. بل المسافة بينهما. المسافة التي يمكن أن يدخل إليها سوء الفهم. فقد يظن بوتين أن واشنطن لن ترد. وقد تظن واشنطن أن بوتين لن يجرؤ. وقد يظن الأوروبيون أن الولايات المتحدة ستتدخل. وقد يظن الأميركيون أن الأوروبيين مستعدون لتحمل العبء. ثم يأتي حدث صغير، في مكان صغير، بصاروخ صغير، أو بطائرة مسيرة، أو بانفجار في منشأة عسكرية. وفجأة يصبح التاريخ أكبر من الذين صنعوا الحادث. هذه هي مشكلة الأزمات الكبرى. أنها لا تحتاج دائما إلى رجل مجنون. أحيانا يكفيها خمسة رجال عقلاء، كل واحد منهم يخطئ في حساب عقل الرجل الآخر. فموسكو لا تحتاج إلى أن تضرب الناتو كي تربح شيئا يكفيها أن تجعل الناتو ينفق أكثر. يكفيها أن تجعل أوروبا تعيد حساباتها. يكفيها أن تجعل حكوماتها ترفع ميزانيات الدفاع، وتعيد توزيع مواردها، وتعيش في حالة استعداد دائم. يكفيها أن تجعل المواطن الأوروبي يشعر أن الحرب لم تعد قصة بعيدة في التلفزيون. وهذا في حد ذاته شكل من أشكال القوة. الحرب الحديثة لا تقاس فقط بالأرض التي تحتلها. تقاس أيضا بالخوف الذي تصدره.

ولكن أوروبا ليست بلا عصا

العصا الأوروبية ليست صاروخا واحدا. إنها القدرة على جعل أي اعتداء على دولة في الناتو يتحول إلى خطأ استراتيجي فادح بالنسبة إلى المعتدي. وهنا يجب أن يكون الرد الأوروبي أقل صخبا وأكثر عمقا. ليس المطلوب أن تصرخ أوروبا في وجه موسكو. المطلوب أن تجعل موسكو تعرف، بهدوء شديد، أن الحسابات التي تجعل الحرب مغرية ستصبح بعد الحرب غير مغرية تماما. هذا هو الردع. ليس أن تقول: سنحاربك. بل أن تجعل الآخر يصل بنفسه إلى النتيجة: الحرب لن تكون في مصلحتي. وربما هنا تكمن المفارقة الكبرى الجميع يتحدث عن الحرب. لكن الجميع يعمل، في الوقت نفسه، على ألا تقع الحرب. راتكليف في موسكو. ترامب يطمئن. موسكو تنفي. أوروبا تستعد. أوكرانيا تقاتل. والقنوات السرية تتحرك تحت سطح التصريحات. وهذا يعني أن الدبلوماسية لم تمت. إنها فقط أصبحت تمارس عملها في الظلام. في النهار، نسمع التهديد. وفي الليل، يجلس الرجال الذين يعرفون معنى التهديد إلى الطاولة. وهذه ربما هي طبيعة السياسة في زمن النووي: أن تتكلم بصوت مرتفع أمام الكاميرات، ثم تتحدث بصوت منخفض جدا في الغرف التي لا تصل إليها الكاميرات.

إلى أين الوجهة في النهاية؟

إلى بوتين، حين يهدد؟ نعم، ولكن لا نصدقه بالضرورة. إلى ترامب، حين يطمئن؟ نعم، ولكن لا ننام على كلامه. إلى الاستخبارات؟ نعم، ولكن نتذكر أنها تعمل بالاحتمالات لا بالنبوءات. وإلى أوروبا؟ ينبغي أن ننصت إليها أكثر، لأنها الطرف الذي قد يدفع الثمن إذا أخطأ الآخرون الحساب. أما السؤال الحقيقي فليس: هل سيضرب بوتين الناتو؟ بل: هل يستطيع الناتو أن يجعل بوتين مقتنعا بأن ضربه فكرة خاسرة؟ هنا فقط يبدأ الأمن الحقيقي. فالعالم لا يعيش لأن الأقوياء طيبون. ولا لأن الزعماء عقلاء دائما. العالم يعيش، في لحظاته الأكثر خطورة، لأن كلفة الجنون تكون أحيانا أعلى من قدرة أكثر الناس طموحا على تحمله. وبوتين يعرف ذلك. وترامب يعرف ذلك. والأوروبيون يعرفونه. لكن التاريخ لا يرحم الذين يعرفون الحقيقة ثم يخطئون في توقيت استخدامها. في النهاية، قد لا تكون العصا الروسية هي أخطر ما في المشهد. ولا الطمأنة الأميركية. الأخطر هو ذلك الفراغ الصغير بينهما، حيث يمكن لسوء التقدير أن ينمو مثل شرارة تحت الثلج. هناك، في ذلك الفراغ، لا يعيش السلام. هناك ينتظر احتمال الحرب. والسياسة الحكيمة ليست أن تقول إن الحرب ستقع. ولا أن تقول إنها مستحيلة. بل أن تعمل، قبل أن تستيقظ أوروبا ذات صباح، على ألا تضطر إلى معرفة أيهما كان على حق.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *