السطر الأخير ليس نهاية القصيدة

بقلم زكية لعروسي

قيل لي: خارج السطر أنت…
فلم أخرج
كررت حروفي
وضممتها إلى صدري
كما يضم الغريق آخر قطعة من خشب سفينة

قلت لحركاتي: لوّحي…
لا تتركي للسّكون
أن يضع يده على فمي
ارفعي الضّمة فوق رأسي
كقمر لا يعرف الأفول
وافتحي الفتحة نافذة في جدار العاصفة


ومدّي الكسرة تحت قدمي
كطريق سري إلى جهة الصفاء
أما السكون…فلا تثقي به
إنّه لصّ هادئ يدخل إلى القلب
من باب لا يسمع
ثم يسرق رغبة النبض

فناديت حروفي: لا تنامي
كوني مسامير في نعش العدم
كوني صواعق تتعلم الكتابة على جلد الليل
كوني شقوقا في جبهة الصخر
كي يعرف الحجر
أن الصلابة ليست نهاية الطريق
بل أول اعتراف بالماء

قالوا: لقد تعبت
قلت: نعم…
لكن التعب مقعد صغير
أجلس عليه قليلا
ثم أكمل

قالوا: انكسر ظهرك
قلت: ليكن
فالظهر الذي ينحني تحت ثقل السماء
يتعلم كيف يحملها

قالوا: أُغلقت الأبواب
قلت: سأتعلم كيف أفتح الجدران
ِقالوا: انطفأت.
فأشعلت أصابعي
ومشيت
كان الليل طويلا
حتّى أنّ النجوم بدت كأنها مسامير
في تابوت السماء

لكنّني لم أستلق
فالليل مهما اتسع
لن يبتلع الفجر

إلا إذا صُدِّق

خبأت شمسا صغيرة تحت لساني
وأخرجتها كلّما قالوا: انطفأتِ
ِوكلما قالوا: انتهيت…
كتبت: بدأت
وكلما قالوا: سقطت…
كتبت: لا مكان لعلامات الوقف

وكلما قالوا:
لم يبق منك شيء…
رفعت حرفا واحدا
من تحت أنقاض روحي
وقلت: هذه أنا
ثم مشيت.
..

لم يكن الطريق طريقا
كان وحشا طويلا
بأسنان من حديد
يأكل خطاي وخطى العابرين
فأطعمتُه خوفي
ومضيت…

كانت الريح تصفع وجهي
كأنّها تريد أن تمحو ملامحي
فتركت لها وجهي
وأخذت منها الاتجاه

وكانت الأبواب تغلق واحدا بعد آخر
فقلت: سأدخل من النافذة
وإذا أغلقت النوافذ…سأدخل من الضوء
وإذا أطفئ الضوء…سأدخل من الذاكرة
وإذا محوا الذاكرة…سأدخل من الحلم
وإذا قتلوا الحلم…سأكون أنا

قلت لحروفي مرة أخرى: لوّحي…
فرفعت الألف رأسها
كراية لا تستأذن الريح

وانتصبت اللّام وحيدة
على حدود الخراب
وركضت الراء خارج الكلمة
كفرس أفلت من آخر معركة
أما الياء…فانحنت قليلا
لتلتقط شيئا سقط مني
وأنا أقاوم

وعندما اكتملت الكلمة
لم تكن كلمة
كانت بابا فتحتُه
فوجدت خلفه كل النسخ التي حاولوا دفنها مني
وجدت الطفلة التي قيل لها: لن تصلي
والشابة التي قيل لها: تراجعي
والمرأة التي قيل لها: اصمتي

فقلت لهم جميعا:
أنا لا أريد حياة بلا جدران تسقط
ولا أريد طريقا لا يَختبِر قدمي
ولا أريد سماء منخفضة بما يكفي
كي لا تضطر روحي إلى التحليق

أريد الطريق الذي يوجع
والباب الذي يقاوم
والحلم الذي يحتاج
إلى أكثر من عمر
كي يولد

وكلما ظنّوا دفني
تركت في الأرض بذرة
وفوق قبر روحي نافذة

وكلما قالوا: هذا آخر السطر…
ابتسمت…
فأنا أعرف الآن
أنّ السطر الأخير
ليس نهاية القصيدة
إنّه المكان الذي يبدأ فيه الحرف
بتمزيق الصفحة

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *