حين تطلق الظلال النار على القلعة

جباروت، وسبعون ألف اسم، وحرب الظلال

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك أخبار تدخل العقل من بابه الأمامي. وهناك أخبار لا تدخل من الأبواب. تتسلل من شقوق الذاكرة، تمشي في الممرات المظلمة للأسئلة، وتترك وراءها شيئا يشبه رائحة المطر فوق حجر قديم: لا ترى العاصفة، لكنك تعرف أن السماء تغيرت. قضية جباروت من هذا النوع. في 24 غشت، خرجت إلى فضاء تلغرام قوائم قيل إنها تضم نحو سبعين ألف اسم من المنتسبين إلى أجهزة الأمن والاستخبارات المغربية، مرفقة ببيانات شخصية ووظيفية شديدة الحساسية. وقدمت المجموعة نفسها الرواية الأكثر إثارة: أنها اخترقت قلب المنظومة الأمنية المغربية، وأنها تملك ما هو أبعد من الأسماء، بل ما يمكن أن يتحول إلى خرائط سرية للرجال والمهام والشبكات. ومنذ اللحظة الأولى، بدا كأن الرقم نفسه يحمل قناعا أكبر من الحقيقة.

سبعون ألفا. رقم يمشي أمام الدليل. رقم يفتح الأبواب قبل أن تصل إليه المفاتيح. رقم يقول للقارئ، قبل أن يبدأ التحقيق: انظر إلى الحجم، ثم صدق. لكن في حروب المعلومات، الرقم الكبير قد يكون أحيانا جزءا من السلاح. وقد تكون المسألة أقل بساطة من «اختراق سبعين ألف عنصر أمني». بل ربما يكون هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نبدأ منه: هل جرى اختراق الدولة؟ أم جرت محاولة لصناعة صورة تجعل العالم يعتقد أن الدولة اخترقت؟ الفارق بين السؤالين هو الفارق بين جريمة رقمية وحرب على الوعي. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

المغرب ليس ملفا على خادم

هذه أول حقيقة ينبغي ألا تضيع وسط صخب الجداول والأرقام. المغرب ليس قاعدة بيانات. ليس خادما في غرفة باردة. ليس مجموعة أسماء يمكن أن تتناثر على شاشة ثم ينتهي الأمر. المغرب ذاكرة. وطن. مؤسسات. تاريخ طويل من بناء الدولة في منطقة لم تكن السماء فيها دائما صافية. ولهذا فإن استهداف البيانات المرتبطة برجال الأمن ليس مجرد مسألة تقنية. وراء كل اسم رجل له بيت. وراء كل وظيفة عائلة. وراء كل رقم إنسان قد لا يكون له أي علاقة بالقرار السياسي الذي يحاول مسربو البيانات أن يجعلوه محور المعركة. وهنا تصبح الوطنية أكثر عمقا من التصفيق. الوطنية ليست أن نقول إن الدولة لا تخطئ. وليست أن نحول كل سؤال إلى خيانة. وليست أيضا أن نسمح لكل من يريد ضرب صورة المغرب بأن يستعمل أخطاء المؤسسات أو ثغراتها المحتملة سلما إلى قلب الوطن. الوطنية الحقيقية هي أن تدافع عن الدولة من دون أن تعميك الدولة عن الحقيقة. وأن تدافع عن الحقيقة من دون أن تسمح لمن يكره المغرب بأن يحول الحقيقة الناقصة إلى سكين.

سبعون ألف اسم… أم سبعون ألف سؤال؟

المشكلة في الرقم أنه يبدو كاملا حتى عندما يكون ناقصا. سبعون ألف اسم لا تعني سبعين ألف جاسوس. وهذا ليس تفصيلا لغويا. إنه جوهر القضية. صحيفة لوموند نفسها، وهي تنقل عن مصادرها تفاصيل القوائم، تقول إن أصالتها الكاملة لا يمكن إثباتها، وإن طبيعة المعلومات توحي بمصدر من قبيل خدمة أو برنامج للرواتب، كما تشير إلى أن أحدث سنة توظيف ظاهرة في البيانات تعود إلى 2020، بما يوحي بقدم جزء مهم منها، فضلا عن وجود أشخاص متوفين ضمن القوائم. وهذا يفتح الباب أمام الاحتمال الأكثر غرابة: قد تكون البيانات حقيقية، لكن الرواية المبنية عليها ليست صحيحة بالضرورة. قد تكون الأسماء حقيقية. وقد تكون بعض الأرقام حقيقية. وقد تكون بعض الوظائف حقيقية. لكن ذلك لا يعني أن المصدر هو قاعدة بيانات استخباراتية سرية. ولا يعني أن كل شخص ورد اسمه كان عميلا سريا. ولا يعني أن السبعة عشر أو العشرين أو الثلاثين حقلا في جدول واحد خرجت من الجهاز نفسه وفي اللحظة نفسها. فالمعلومة حين تنتزع من سياقها تفقد نصف معناها. وحين تجمع مع معلومات من مصادر أخرى قد تتحول إلى قصة جديدة تماما. وهنا تكمن واحدة من أكثر حيل العصر الرقمي غرابة: أن لا تكذب. يكفي أن تقول نصف الحقيقة، ثم تترك الجمهور يبني النصف الآخر.

الاختراق الذي لم يثبت… والاختراق الذي حدث فعلا

حتى الآن، لا تسمح المعطيات المتاحة بالجزم بأن قواعد البيانات الأمنية التابعة لـ DGSN وDGST قد اخترقت مباشرة. السلطات الأمنية المغربية نفت ذلك بشكل قاطع، وقالت إن البيانات المتداولة لا تنتج عن اختراق لأنظمتها، وإنها تعود إلى بيانات قديمة مرتبطة بمصادر أخرى. وفي الاتجاه المقابل، خلص تحقيق Médias24 إلى أن الملفات تبدو أقرب إلى تجميع لبيانات سبق اختراقها، ولا سيما بيانات مرتبطة بموظفين في DGSN، في عملية يمكن وصفها بإعادة تغليف البيانات القديمة ومنحها حياة سياسية جديدة. لكن لوموند تطرح مسارا مختلفا تماما، فتقول، استنادا إلى معلوماتها، إن العملية يقف وراءها خمسة عناصر سابقين في DGST، أربعة ضباط ومفوض شرطة، يقيمون في أوروبا، وإنهم يوجهون رسائل سياسية ضد قيادة الأجهزة الأمنية. بين الروايات الثلاث توجد هوة. وهذه الهوة لا ينبغي ردمها بالخيال. لأن أخطر شيء يمكن أن يحدث في مثل هذه القضايا هو أن يصبح التحليل أسرع من الدليل. نحن لا نعرف بعد، بالقدر الذي يسمح بحكم نهائي، هل نحن أمام اختراق مباشر، أم إعادة تركيب لبيانات قديمة، أم عملية هجينة تجمع بيانات من أكثر من مصدر، أم عملية يقف وراءها أشخاص يعرفون المؤسسة من الداخل واستغلوا مواد متفرقة لصناعة ضربة سياسية. لكننا نعرف شيئا آخر. نعرف أن هناك محاولة لانتزاع البيانات من معناها الأصلي وإعطائها معنى جديدا. وهذا في حد ذاته سلاح.

لأن الحرب الجديدة لا تحتاج إلى احتلال القلعة

في الماضي، كان على العدو أن يقتحم القلعة. اليوم يكفيه أحيانا أن يجعل سكان القلعة يعتقدون أن أبوابها مفتوحة. وهذه نقطة لا ينبغي الاستخفاف بها. الدولة الحديثة لا تقوم فقط على القوة. تقوم أيضا على الهيبة. والهيبة ليست غرورا. هي جزء من الردع. حين يعتقد خصم الدولة أن أجهزتها تعرف أكثر مما تقول، وأنها قادرة على حماية مصادرها، وأن منظومتها الداخلية محكمة، فإن جزءا من القوة يكون قد تحقق قبل أن يبدأ الاشتباك. أما حين تنشر فجأة عشرات الآلاف من الأسماء تحت عنوان «اختراق الأمن والاستخبارات»، فإن الضرر السياسي قد يقع حتى لو كان الاختراق التقني أقل كثيرا من الرواية. هنا يصبح الهدف ليس سرقة المعلومات فقط. بل سرقة صورة الدولة عن نفسها. وهذه أخطر. لأن الخادم يمكن إصلاحه. أما الصورة، إذا تحطمت، فتحتاج إلى سنوات كي يعاد بناؤها.

من يستفيد؟

هنا السؤال الذي يستحق أن يبقى معلقا في الهواء. من المستفيد؟ ليس من الضروري أن يكون الجواب هو «الجهة التي ضغطت زر النشر».ة فالسياسة الحديثة أكثر تعقيدا من ذلك. قد يكون هناك من جمع البيانات. وقد يكون هناك من أعاد ترتيبها. وقد يكون هناك من كتب الرواية السياسية. وقد يكون هناك من ضخها في الإعلام. وقد يكون هناك من ينتظر فقط أن تتسع النار لكي يستعملها في معركة أخرى. وفي هذه الحالة، لا نكون أمام مؤامرة واحدة بالضرورة. قد نكون أمام تقاطع مصالح. وهذا أخطر أحيانا من المؤامرة. لأن المؤامرة تحتاج إلى غرفة. أما تقاطع المصالح فلا يحتاج حتى إلى باب.

من يريد أن يرى المغرب مكشوفا؟

لا ينبغي أن نضع أصابع الاتهام على خرائط جاهزة. لكن ينبغي أن نفهم البيئة التي تتحرك فيها هذه القضية. المغرب ليس دولة هامشية في الملفات الأمنية. إنه حاضر في مكافحة الإرهاب، والهجرة، وحماية الحدود، والتعاون الاستخباراتي مع أوروبا، وخصوصا مع إسبانيا وفرنسا. ولذلك فإن أي تسريب يضرب صورة مؤسساته الأمنية يمكن أن يجد جمهورا سياسيا خارج حدوده. وهنا تصبح أوروبا أكثر من جغرافيا. تصبح مسرحا. وتصبح Ceuta أكثر من اسم على الخريطة. وتصبح الهجرة أكثر من أرقام. وتصبح العلاقة المغربية الإسبانية خلفية يمكن أن تستعمل فيها البيانات كوقود سياسي. وهذه ليست نظرية مؤامرة. بل حقيقة بسيطة في عالم الجغرافيا السياسية: حين تكون دولة ما فاعلا أمنيا مهما، تصبح صورتها الأمنية جزءا من التوازنات الإقليمية. ومن يريد إضعاف نفوذها قد لا يحتاج إلى إسقاط مؤسسة. قد يكفيه أن يجعل الشك يسير أمامها بخطوة.

وهنا تظهر غرابة جباروت

اسم «جباروت» نفسه يعني القوة والجبروت. وفي هذا شيء من السخرية السوداء. فالاسم الذي يعلن القوة، يستخدم سلاحا لا يعتمد على القوة وحدها، بل على التشكيك في قوة الخصم. كأن الظل نفسه قرر أن ينتحل هيئة العملاق. لكن الظلال، مهما كبرت على الجدار، لا تصبح جبالا. وهذا ما ينبغي أن نتذكره ونحن نقرأ كل هذه الادعاءات. هناك فرق بين صورة العملاق وحجم العملاق. وبين صوت الرعد وحجم العاصفة. وبين أن تقول جهة ما «اخترقنا الدولة» وبين أن تثبت تقنيا أنك دخلت إلى قواعدها الداخلية. المشهد الرقمي يحب الخلط بين الاثنين. الصحافة الجادة لا ينبغي أن تفعل.

ولكن ماذا لو كان خلف العملية رجال يعرفون المؤسسة؟

هنا تصبح القضية أكثر حساسية. لأن الخصم الخارجي يرى الجدار. أما من عمل في الداخل فقد يعرف أين توجد الشقوق. الموظف السابق يحمل معه شيئا لا تستطيع أقوى كلمات المرور مصادرته: المعرفة. يعرف اللغة. يعرف المصطلحات. يعرف العلاقات. يعرف العادات. يعرف أين تتكدس الملفات. ويعرف أي معلومة تبدو عادية في المكتب، لكنها تصبح خارج المكتب قطعة من خريطة. ولهذا فإن الرواية التي نشرتها لوموند، إذا ثبتت عناصرها، لا تكون مجرد خبر عن خمسة أشخاص. تصبح مؤشرا إلى مشكلة أعمق: ماذا يحدث حين تتحول المعرفة التي راكمها شخص داخل مؤسسة وطنية إلى سلاح بعد خروجه منها؟ حين تتحول الذاكرة الوظيفية إلى منفى رقمي؟ وحين يصبح تلغرام غرفة صدى لا تحتاج إلى جدران؟ لكن يجب أن نحتفظ بكلمة واحدة: إذا ثبتت. فالدولة لا تبنى على «ربما»، والصحافة الجادة لا ينبغي أن تحول الاحتمال إلى يقين.

الخطر ليس في الإسم

الخطر الحقيقي ليس أن تعرف اسم رجل أمن. الخطر أن تعرف شبكة العلاقات التي تربط الاسم بموقعه ووظيفته وتاريخه ومؤسسته. الإسم نقطة. أما الشبكة فهي خريطة. والخريطة أخطر من النقطة. ولهذا فإن البيانات الشخصية في عالم اليوم تشبه مسحوقا شديد الحساسية. قد يبدو كل غرام منه بلا خطر. لكن حين تجتمع الكميات في مكان واحد، تصبح المادة شيئا آخر. وهنا لا يعود السؤال: هل هذه البيانات سرية؟ بل: ما الذي يمكن فعله بها بعد جمعها؟

الدرس الذي جاء من التسريبات السابقة

لقد شهدت السنوات الماضية تسريبات لبيانات مواطنين ومؤسسات في بيئات مختلفة، ومنها حالات مرتبطة بفرنسا وإداراتها ومؤسساتها. والدرس واحد: لم تعد البيانات تعيش في بيت واحد. شركة تأمين تعرف شيئا. هيئة اجتماعية تعرف شيئا آخر. مؤسسة مالية تعرف شيئا ثالثا. إدارة للموارد البشرية تعرف شيئا رابعا. ثم يأتي شخص ما، في لحظة معينة، فيجمع الفسيفساء. وفجأة يظهر وجه لم يكن موجودا في أي قطعة منفردة. وهنا تكمن هشاشة العصر الرقمي. الدولة قد تحمي خزنتها. لكن هل تعرف أين توجد نسخ مفاتيح الخزنة؟ قد تحصن البيت. لكن هل تعرف أين ترك الخدم آثار الأقدام؟ قد تغلق الباب. لكن هل تعرف كم نافذة تركت مفتوحة في مبان بعيدة؟ هذا هو الأمن السيبراني الحقيقي. ليس حماية الخادم فقط. بل حماية الذاكرة.

المغرب لا يحتاج إلى أن يكون معصوما

هذه ربما أهم نقطة وطنية في القضية كلها. الدفاع عن المغرب لا يعني القول إن المغرب لا يمكن اختراقه. فلا توجد دولة محصنة تماما. ولا توجد مؤسسة لا تخطئ. ولا يوجد نظام رقمي لا يمكن أن تظهر فيه ثغرة. القوة ليست في إنكار الضعف. القوة في القدرة على اكتشافه قبل أن يتحول إلى كارثة. ولهذا فإن الدفاع عن المؤسسات الأمنية المغربية يجب أن يكون دفاعا ذكيا، لا دفاعا عاطفيا. إذا لم يحدث الاختراق، فلتكشف الأدلة التقنية ذلك. إذا كانت البيانات قديمة، فلتحدد مصادرها. إذا كانت قد جمعت من مؤسسات مدنية، فليكن السؤال: كيف وصلت إلى هناك؟ إذا كانت هناك ثغرات، فلتعالج. إذا كان هناك موظفون سابقون استغلوا معرفة داخلية، فليكن التحقيق قادرا على تحديد ذلك. وإذا كانت الرواية كلها عملية تضليل، فلتكشف هندستها. الدولة القوية لا تخاف من التحقيق. الدولة القوية هي التي تجعل التحقيق جزءا من قوتها.

لا تجعلوا المغرب يدافع عن نفسه داخل المرآة

هناك حروب لا يريد فيها الخصم أن يهزمك. يريدك فقط أن تنشغل بالدفاع عن صورتك. وهذه من أخبث الحروب. لأنه في اللحظة التي يصبح فيها الوطن منشغلا بالسؤال: ماذا يقول الآخرون عنا؟ يكون قد سلم جزءا من زمام وعيه إلى الآخرين. المغرب يجب ألا يعيش داخل مرآة يصنعها خصومه. ولا يجب أن يسمح لمن يريد الإساءة إليه بأن يحدد له الأسئلة والإجابات معا. المغرب يعرف مشاكله. ويعرف نقاط قوته. ويعرف أن بناء الدولة ليس قصيدة مكتملة القافية. إنه عمل يومي. فيه نجاح وفشل. فيه إصلاح وتأخر. فيه مؤسسات تحتاج إلى التطوير، وأخرى تحتاج إلى الحماية، وأخرى تحتاج إلى مساءلة. لكن هذا كله لا يلغي الحقيقة الأكبر: أن الدولة المغربية، بمؤسساتها، أكبر من تسريب. وأعمق من قائمة أسماء.ة وأبعد من حملة على تلغرام.

ومن يريد السوء للمغرب؟

قد يكون هذا هو السؤال الذي يختبئ خلف كل الأسئلة. لكن الإجابة الذكية ليست أن نوزع الاتهامات. بل أن نراقب الأثر. من يريد السوء للمغرب هو كل من يريد تحويل حادثة تقنية إلى انهيار سياسي. وكل من يريد تحويل خلاف محتمل إلى حرب داخل الدولة. وكل من يريد تحويل بيانات أفراد إلى تشهير جماعي. وكل من يريد أن يجعل المواطن يصدق أن مؤسساته لا تستطيع حمايته. وكل من يريد أن يجعل المغرب يقضي وقته في الرد على صور يرسمها الآخرون. وقد يكون هناك أيضا من لا يريد للمغرب «السوء» بالمعنى المباشر، لكنه يريد مكسبا من ضعفه النسبي في لحظة معينة. وهنا السياسة أكثر دهاء من الأخلاق. ليس كل مستفيد عدوا. وليس كل عدو مستفيدا. لكن كل دولة عاقلة تراقب من يربح حين تخسر هي.

بين الصدفة والمؤامرة توجد السياسة

لا أحب كلمة صدفة في السياسة. ولا أحب كلمة مؤامرة حين تستخدم مكان الدليل. الصدفة مريحة. والمؤامرة مريحة أيضا. الأولى تعفيك من البحث. والثانية تعفيك من التفكير. أما الواقع فهو أكثر غرابة. قد تجتمع بيانات قديمة مع اختراق سابق. وقد تلتقي خصومة شخصية مع منصة نشر. وقد يأتي توقيت سياسي مناسب. وقد تجد القصة وسيلة إعلامية تبحث عن عنوان كبير. وقد يدخل طرف ثالث ليعيد تفسيرها. ثم تتحول كل هذه العناصر إلى نهر واحد. لا يحتاج الأمر دائما إلى عشرة رجال يجلسون حول طاولة مظلمة. يكفي أحيانا أن تتقاطع مصالح كثيرة. وهذا هو الوجه المخيف للسياسة الحديثة: أنها قادرة على صناعة نتيجة تبدو كأنها مؤامرة كاملة، بينما لم يحتج أحد إلى أن يخطط لكل شيء.

ليست المعركة على السبعين ألف اسم

هذه هي الخلاصة. المعركة ليست على سبعين ألف اسم. ولا على جدول. ولا على تلغرام. المعركة على المعنى. على من يحق له أن يقول: هذا اختراق. وهذا ليس اختراقا. هذا رجل أمن. وهذا موظف إداري. هذه قاعدة سرية. وهذه بيانات قديمة. هذا دليل. وهذا تضليل. ومن يملك حق وضع هذه التعريفات، يملك جزءا من السلطة.ة وهنا تصبح حرب المعلومات أخطر من حرب الوثائق. فالوثيقة يمكن أن تكون صحيحة أو مزورة. أما الرواية، فهي قادرة على ابتلاع الإثنين. يمكن أن تجعل الحقيقة تبدو كذبا. والكذبة تبدو حقيقة. والقديم يبدو جديدا. والهامشي يبدو مركزيا. والثغرة الصغيرة تبدو كأنها انهيار للبيت كله. وهذا هو السبب الذي يجعل المغرب مطالبا اليوم ليس فقط بحماية قواعد بياناته، بل بحماية حقه في تعريف الوقائع.

المغرب الذي لا تهزه الظلال

قد ينجح شخص في تسريب اسم. وقد ينجح في نشر جدول. ينجح في صناعة ضجة. وقد ينجح في جعل آلاف الناس يفتحون هواتفهم في اللحظة نفسها. لكن بين الضجة والحقيقة مسافة. وبين البيانات والوطن مسافة أكبر. المغرب ليس في حاجة إلى أن يثبت أنه لا يخطئ. بل إلى أن يثبت أنه يتعلم. ولا يحتاج إلى أن يقنع العالم بأن مؤسساته لا يمكن أن تمس. بل إلى أن يثبت أن أي خلل، مهما كان مصدره، يمكن اكتشافه واحتواؤه وتصحيحه. ولا يحتاج إلى أن يخاف من السؤال. بل إلى أن يجعل السؤال جزءا من قوته. فالقلعة القوية ليست التي لا تصل إليها الرياح. القلعة القوية هي التي تعرف كيف تقف حين تعصف الرياح. والدولة القوية ليست التي لا تتعرض للتسريب. بل التي تستطيع، حين تتعرض له، أن تفصل الحقيقة عن السفسطة، والخلل عن الادعاء، والعدو عن الخصم، والوثيقة عن الرواية.

أما الذين يريدون للمغرب السوء، أيا كانت مواقعهم ومصالحهم، فليس أخطر ما يمكن أن يواجهوا به صراخا. بل مغربا يقظا. هادئا. واثقا. يعرف أن له أخطاءه فيعالجها. ويعرف أن له خصوما فيراقبهم. ويعرف أن له مؤسسات فيحميها. ويعرف أن له مواطنين فيصونهم. ويعرف أن له اسما في العالم، فلا يسمح لأحد بأن يكتبه نيابة عنه. لقد دخلنا زمنا لم تعد فيه الجيوش وحدها تعبر الحدود. الملفات تعبرها. والصور تعبرها. والأسماء تعبرها. والروايات تعبرها أسرع من كل شيء. ولهذا فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط على من يملك المعلومة. بل على من يملك عقل المعلومة. ومن يملك تفسيرها. ومن يستطيع أن يقول، وسط هذا الطوفان: هذا صحيح. هذا قديم. هذا محتمل. هذا مضلل. وهنا الوطن أكبر من كل ذلك. لأن المغرب، في نهاية المطاف، ليس قلعة تخاف من الظلال. المغرب بلد يعرف أن الظل لا يظهر إلا لأن هناك ضوءا. وكلما اشتدت الظلال حول القلعة، كان السؤال الأهم ليس: كم كبر الظل؟ بل: هل ما زال الضوء في الداخل مشتعلا؟ والجواب الذي ينبغي أن يصنعه المغرب، لا أن يقوله فقط، هو نعم. نعم، مع يقظة. نعم، مع تحقيق. نعم، مع إصلاح. نعم، مع حماية للمؤسسات والأفراد. ونعم، مع وطنية هادئة لا تحتاج إلى أن تكسر المرآة كي تثبت أن وجهها لم يتغير. فالتاريخ لا يحفظ الدول التي لم تتعرض للعواصف. يحفظ الدول التي خرجت من العاصفة وهي تعرف نفسها أكثر.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “حين تطلق الظلال النار على القلعة

  1. في هذا الزمن الرديء يخبو الإعلام لتطفو الدعاية على سطح مشروخ. ذلك أن المادة التي تشتغل عليها الدعاية هي الكذب ، وكم من كذبة كانت وراء اندلاع حرب مدمرة. والغرائب أن الأذن قد افتقدت حاسة التمييز، الى درجة افتقاد الغربال، لتتعشعش في البلاهة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *