«الزرع ما كيكبرش بالهدرة»… سيدي الوزير

ماذا فعلتم بالثقافة حين كانت الثقافة بين أيديكم؟

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

استمعت إلى خطاب السيد محمد المهدي بنسعيد، وزير الثقافة والشباب والتواصل، وهو يدعو المغاربة إلى الإقبال على صناديق الاقتراع ومنح أصواتهم لحزب يطلب ثقتهم. لم أتوقف كثيرا عند الجانب الانتخابي من كلامه، فالسياسة تعرف كيف تصنع مواسمها، وكيف تستدعي الناس إلى ساحاتها في اللحظة التي تراها مناسبة. لكنني توقفت عند شيء آخر، عند تلك المسافة الغامضة التي تفصل بين أن تطلب من الناس أصواتهم، وأن تكون قد أعطيتهم قبل ذلك ما يجعلهم يشعرون بأن أصواتهم تستحق أن تمنح. وهنا خرج السؤال من صندوق الاقتراع ودخل إلى بيت الثقافة. قلت في نفسي: قبل أن تطلبوا من المثقف أن يصوت لكم، هل سألتم الثقافة ما كنتم فاعلين بها؟ وقبل أن تستدعوا الكاتب إلى طاولة السياسة، هل سألتموه ماذا فعلت السياسة بقلمه؟

ليست المسألة خصومة شخصية، ولا رغبة في تصفية حساب مع وزير، ولا محاولة لتحويل الثقافة إلى منصة حزبية مضادة. المسألة أبسط وأعمق: حين توضع حقيبة الثقافة في يد مسؤول لسنوات، يصبح من المشروع أن نسأله في نهاية الطريق ماذا وجد فيها، وماذا ترك، وماذا تغير في حياة الذين يفترض أن تكون الوزارة من أجلهم. فالثقافة لا تختصر في مبنى جميل، ولا في مهرجان مضاء، ولا في معرض تزدحم فيه الأجنحة، ولا في صورة لمسؤول يقف أمام عدسة كاميرا محاطا بالكتب. الثقافة شيء أكثر استعصاء على التصوير. إنها ما يبقى بعد أن تنطفئ الأضواء. إنها الكتاب الذي يصل إلى يد طفل في قرية بعيدة، والمسرح الذي يفتح أبوابه أمام شاب لم يجد بعد مكانا لصوته، والمكتبة التي تمنح مدينة صغيرة نافذة على العالم، والشاعر الذي يجد من يصغي إلى قصيدته، والكاتب الذي لا يشعر أن الكتابة فعل عزلة، والفنان الذي يعرف أن موهبته ليست عبئا عليه.

الثقافة لا تحب الضجيج كثيرا. إنها تعمل في الأعماق، مثل جذور شجرة لا يراها أحد، لكن سقوطها يكشف فجأة كم كانت تحمل من تراب. ولهذا لا أريد أن أسأل الوزير عن عدد المناسبات التي أقيمت، بل عن الأثر الذي تركته. لا أريد أن أسأله كم منصة نصبت، بل كم عقل تحرك. لا أريد أن أسأله كم صورة التقطت، بل كم كتابا وجد قارئا. ولا أريد أن أقيس الثقافة بعدد الأيام التي امتلأت بالاحتفال، بل بعدد السنوات التي استطاعت فيها الدولة أن تبني مشروعا ثقافيا قابلا للحياة بعد رحيل المسؤولين. ومعرض الكتاب، مهما بلغت أهميته وحضوره، لا يمكن أن يكون جوابا وحيدا عن سؤال الثقافة. المعرض لحظة، والثقافة زمن. المعرض واجهة، والثقافة بنيان. المعرض يفتح أبوابه أياما، أما الثقافة الحقيقية فتحتاج إلى أبواب تظل مفتوحة طوال العام. السؤال إذن ليس ماذا يحدث حين يبدأ المعرض، وإنما ماذا يحدث حين ينتهي؟ أين يذهب الكتاب؟ أين يذهب الكاتب؟ أين يذهب القارئ؟ وأين تذهب تلك الطاقة الثقافية التي تتجمع في مكان واحد ثم تتفرق كأنها لم تكن؟

هنا تحديدا ينبغي أن يبدأ التفكير في حصيلة أي وزارة للثقافة. لأن النجاح الثقافي لا يقاس فقط بما يراه الجمهور، بل بما لا يراه أيضا. بالمكتبات التي أنشئت ولم تتحول إلى قاعات صامتة. بالترجمة التي تجعل الأدب المغربي قادرا على عبور اللغات. بالنشر الذي يمنح الكاتب فرصة حقيقية. بالتكوين الذي يصنع فنان الغد. وبالتراث الذي لا يتحول إلى متحف للماضي، بل يصبح مادة حية لصناعة المستقبل. لكن هناك سؤالا آخر، أكثر قربا مني، وأكثر إيلاما أيضا: ماذا فعلت الثقافة المغربية مع مغاربة العالم؟ لقد طرحت، في وقت سابق، سؤالا بسيطا لوزير الثقافة حول إمكانية إنشاء مركز ثقافي مغربي لمغاربة العالم، وخصوصا في باريس. وكان الجواب، كما فهمته، أن جغرافيا مغاربة العالم ليست من اختصاص الوزارة.

تلك العبارة بقيت في ذاكرتي. ليس لأنها عبارة جارحة في ذاتها، وإنما لأنها كشفت لي عن تصور للثقافة يبدو لي ضيقا أمام اتساع التجربة المغربية. فهل للثقافة جغرافيا؟ هل تتوقف حدود الثقافة عند آخر معبر حدودي؟ هل يصبح الكاتب المغربي أقل مغربية حين يكتب من باريس؟ وهل تتغير ذاكرة الشاعر حين يعبر البحر؟ الجغرافيا تستطيع أن تنقل الإنسان من مدينة إلى مدينة، ومن قارة إلى قارة، لكنها عاجزة عن نقل الوطن من الذاكرة. ومغربي العالم ليس مجرد شخص يعيش خارج التراب الوطني. إنه كائن يحمل معه وطنا كاملا: لغته، لهجته، أغانيه، أمثاله، صور طفولته، أسماء أحيائه، رائحة الأسواق، حكايات الجدات، وذاكرة البيوت التي غادرها جسدا ولم يغادرها روحا. إنه وطن يمشي على قدمين. وهنا تصبح الثقافة أكثر من خدمة عمومية. تصبح وسيلة لإبقاء الخيط مشدودا بين الإنسان ومصدر ذاكرته.

ومن الغريب أن نرى دولا كثيرة تعرف قيمة حضورها الثقافي خارج حدودها، بينما نتردد نحن أحيانا في بناء بيت ثقافي مغربي حقيقي في مدن يعيش فيها أبناؤنا. في باريس مثلا، لماذا لا يكون هناك فضاء مغربي كبير، مفتوح للكتاب والمسرح والموسيقى والفنون والترجمة والبحث والنقاش؟ مكان لا يكون مجرد مكتب إداري، بل بيتا حقيقيا للمغرب. بيت يستطيع فيه الطفل المغربي الذي ولد في فرنسا أن يكتشف وطن والديه من خلال الأدب والفن، لا من خلال الحكايات العائلية وحدها. ويمكن فيه للفرنسي أن يكتشف المغرب من خلال مفكريه وفنانيه وكتابته المعاصرة، لا من خلال الصور السياحية وحدها. ذلك هو معنى القوة الناعمة. الدول لا تصدر صورتها في العالم بالسياسة وحدها. أحيانا تفعل ذلك برواية. بقصيدة. بفيلم. بلحن. بمتحف. بكتاب مترجم. وبكاتب يستطيع أن يجعل قارئا في بلد آخر يحب بلدا لم يزره قط.

وهذه هي المفارقة: نحن نحتاج إلى أن نفكر في الثقافة باعتبارها سياسة خارجية من نوع آخر، لا باعتبارها ملحقا احتفاليا بالسياسة. فمغاربة العالم لا يحتاجون من الدولة أن تتذكرهم فقط عندما يتحولون إلى أرقام اقتصادية أو إلى كتلة انتخابية محتملة. إنهم يحتاجون أيضا إلى أن يشعروا بأن الوطن يرى فيهم خزانا ثقافيا هائلا. بين أيديهم لغات متعددة، وتجارب متعددة، وشبكات واسعة، وقدرات إبداعية يمكن أن تجعل الثقافة المغربية أكثر حضورا في العالم. إن المغربي المقيم في باريس قد يكون، من دون منصب رسمي ومن دون ميزانية، سفيرا ثقافيا لبلده إذا وجد المؤسسة التي تفتح له الباب. ومن هنا يصبح السؤال عن الحصيلة أكثر إلحاحا: ماذا تركتم؟ هذه الكلمة أهم من كلمة أنجزتم. فالإنجاز قد يكون مؤقتا. أما الأثر فهو الذي يبقى. الوزير السياسي قد يترك وراءه قانونا أو مشروعا أو مؤسسة. لكن وزير الثقافة يفترض أن يترك شيئا أكثر خفاء وأطول عمرا: ذائقة جديدة، جيلا جديدا من القراء، جسورا جديدة بين المغرب والعالم، ومؤسسات تجعل الثقافة قادرة على الاستمرار حتى بعد أن تتغير الوجوه والكراسي. ذلك هو الامتحان الحقيقي. لأن الثقافة لا تحتاج إلى وزير يتحدث عنها فقط، بل إلى مسؤول يستطيع أن يجعلها تتنفس خارج مكتبه.

وحين أتأمل حال كثير من الكتاب والشعراء والفنانين والباحثين، أتساءل إن كنا قد نجحنا فعلا في بناء ذلك المناخ الذي يجعل الإبداع مهنة محترمة ومسارا ممكنا، أم أننا ما زلنا نطلب من المبدع أن يعيش على شغفه، وكأن الشغف عملة يمكن أن تدفع بها فاتورة الكهرباء. إن الفنان لا يعيش بالتصفيق. والكاتب لا يطبع كتبه بالامتنان. والشاعر لا يأكل من الاستعارات. والمثقف لا يستطيع أن يحول الاعتراف الرمزي إلى ضمان اجتماعي. إن كنّا نريد ثقافة قوية عليها أن تفهم أن الإبداع يحتاج إلى بنية، لا إلى المجاملة. يحتاج إلى مؤسسات عادلة، وإلى تمويل شفاف، وإلى فضاءات، وإلى نشر، وإلى ترجمة، وإلى تكوين، وإلى احترام لاستقلالية العقل الثقافي. وإلا تحول المثقف إلى ضيف دائم على موائد الاحتفال، ثم يعود بعد انتهاء الحفل إلى وحدته.

لهذا فإنني لا أكتب هذه الكلمات من خصومة مع السيد الوزير، وإنما من قلق على الثقافة. فالذي يحب وطنه لا يصفق له دائما. أحيانا يسأله أسئلة مزعجة حتى لا ينام مطمئنا أكثر مما ينبغي. وأنا، كشاعرة وكاتبة وكابنة للمهجر، لا أستطيع أن أفصل بين المغرب الذي أحبه والمغرب الذي أريده. أريده وطنا لا يكتفي بتصدير أبنائه إلى العالم، بل يصنع لهم جسورا ثقافية يعودون عبرها إلى ذاكرتهم. أريده بلدا يعرف أن الثقافة هي إحدى طرق بقاء الدولة فالسياسة تتغير. والحكومات تتعاقب. والوزراء يغادرون مكاتبهم. أما الثقافة فتبقى، إذا وجدت من يحرس جذورها. لهذا، حين يأتي موسم الانتخابات، لا أريد من المثقف أن يكون مجرد رقم في دفتر الأصوات. أريده أن يكون مواطنا يسأل. والسؤال ليس تمردا. السؤال هو أعلى درجات الاحترام.

فإذا طلبتم من الكاتب صوته، سيدي الوزير, اسمعوا أولا ما يقوله. وإذا طلبتم من الشاعر تأييده، اسألوا لماذا يشعر أحيانا أن القصيدة تمشي وحدها في شارع طويل. وإذا طلبتم من الفنان مساندته، اسألوه عن شروط عيشه وعمله. وإذا طلبتم من مغربي العالم أن يشارك في صناعة المستقبل، افتحوا له أبوابا ثقافية حقيقية في المدن التي يعيش فيها. أمّا أمّي خيرة، التي لا تقرأ البيانات الوزارية ولا تحفظ أسماء البرامج، فقد تجلس في آخر الصف، تنظر إلى كل هذا الكلام، ثم تقول بلهجتها التي تختصر أحيانا ما تعجز عنه الخطب: «الزرع ما كيكبرش بالهدرة». ولعلها، في هذه المرة، تكون قد قالت الحقيقة كلها. لأن الثقافة لا تكبر بكثرة الحديث عنها. تكبر حين يشعر الطفل أن الكتاب صديقه. وحين يجد الكاتب من يقرأه. وحين يجد الفنان من يحمي موهبته. وحين يجد المثقف مؤسسة تحترم عقله. وحين يجد المغربي البعيد عن وطنه مكانا يستطيع أن يدخل إليه، فيقول لأبنائه دون حاجة إلى شرح طويل: هنا أيضا المغرب. وهنا، سيدي الوزير، يبدأ السؤال الذي لا أعتقد أن الانتخابات تستطيع أن تهرب منه: ماذا فعلتم بالثقافة حين كانت الثقافة بين أيديكم؟ى

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “«الزرع ما كيكبرش بالهدرة»… سيدي الوزير

  1. الثقافة في تجربة هذه الحكومة هي مجرد سلعة أولا وقبل كل شيء، وضعية معرض الكتاب وسوق الألعاب الرقمية نموذجا. والحال أن الثقافة والمثقف هما الإمكان الأخير لمقاومة سطوة التفاهة في هذا الزمن الرديء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *