البابا في ساحة الكونكورد: نداء الوحدة في وجه «الإرهاب» الجديد

بقلم ماركو باراطو, مراسل الورقاء من الفاتيكان-إيطاليا

ليست ساحة الكونكورد في باريس مجرد فضاء جغرافي تختاره المصادفة لاحتضان قداس بابوي. فالأماكن، كما الأحداث الكبرى، تحمل ذاكرتها وتتكلم بلغتها الخاصة. وحين يختار البابا لاون الرابع عشر هذه الساحة تحديداً، فإنه لا يحتفل بالقداس في قلب العاصمة الفرنسية فحسب، بل يقيم، في أحد أكثر المواقع حمولةً رمزية في التاريخ الأوروبي، رسالة تتجاوز حدود الطقس الديني لتلامس سؤالاً سياسيا وإنسانيا عميقا: كيف يمكن لمجتمع ممزق أن يستعيد معنى التوافق؟ لقد حملت ساحة الكونكورد اسمها في سياق تاريخي كان يبحث عن مصالحة الفرنسيين بعد واحدة من أكثر المراحل دموية في تاريخهم. وفي المكان نفسه الذي شهد ذات يوم منطق الانتقام الثوري، يصبح حضور البابا اليوم استدعاءً لمعنى مختلف تماماً: المصالحة بدل الثأر، والحوار بدل الإقصاء، والإنسان بدل الأيديولوجيا. ومن هنا تكمن قوة الرمز. فالبابا لاون الرابع عشر، حين يرفع صوته من قلب باريس، لا يخاطب الكاثوليك وحدهم. إن رسالته، المستندة إلى شعاره «In Illo uno unum» – «في الواحد، نحن واحد»، تحمل بعداً إنسانياً يتجاوز الحدود المذهبية. إنها دعوة إلى اكتشاف ما يجمع البشر قبل البحث عما يفرقهم، وإلى استعادة فكرة باتت تبدو غريبة في زمن الاستقطاب: أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن التعدد لا يستلزم التفكك.

فرنسا أمام مرآة الانقسام

فرنسا اليوم ليست فرنسا التي عرفها القرن العشرون. إنها دولة تعيش على وقع توترات اجتماعية وثقافية وسياسية عميقة، تتقاطع فيها أزمة الهوية مع أزمة الثقة بالمؤسسات، وتتداخل فيها المخاوف الاقتصادية مع الهواجس الأمنية والثقافية. لقد أصبح النقاش العام أكثر حدّة، وأقل استعداداً للاستماع. وتحولت السياسة، في كثير من الأحيان، من فن إدارة الاختلاف إلى صناعة الخصومة. لم يعد الخصم السياسي منافساً يجب إقناعه، بل أصبح في الخطاب المتطرف عدوا ينبغي إسقاطه وإهانته وتشويه صورته. وهنا تكمن إحدى أخطر أزمات الديمقراطية المعاصرة. فالديمقراطية لا تموت فقط عندما تُلغى الانتخابات أو تُقمع الحريات. إنها تبدأ بالانهيار أيضا عندما يفقد المجتمع القدرة على رؤية الآخر باعتباره مواطنا، وعندما يتحول الاختلاف في الرأي إلى تهمة، والانتماء إلى هوية إلى ذريعة للإقصاء. وفي هذا السياق، يصبح اختيار ساحة الكونكورد أكثر من مجرد اختيار مكاني. إنه استحضار لذاكرة تاريخية تقول للفرنسيين وللعالم: لقد عرفتم إلى أين يمكن أن يقودكم منطق الكراهية عندما يتحول الاختلاف إلى حرب.

من مقصلة الثورة إلى مقصلة الشاشة

لا يمكن بالطبع مقارنة عالم اليوم بأهوال الثورة الفرنسية بصورة حرفية. لكن التاريخ يقدم أحيانا تشابهات رمزية تستحق التأمل. في زمن الثورة، كانت المحاكم الثورية والمقصلة أدوات لإرهاب الخصوم وإسكاتهم. أما اليوم، فقد ظهرت أدوات أخرى أكثر سرعة وانتشاراً وأقل كلفة: شاشات الهواتف، شبكات التواصل الاجتماعي، بعض المنابر الإعلامية، وحملات التشهير الرقمية. لقد أصبحت السمعة الإنسانية قابلة للإعدام في ساعات. يكفي أن تُقتطع كلمة من سياقها، أو أن تنتشر صورة، أو أن يطلق أحدهم اتهاماً بلا دليل، حتى يجد الإنسان نفسه أمام محكمة جماهيرية لا تمنحه حق الدفاع ولا تنتظر الحقيقة. وفي هذه البيئة، يمكن أن تتحول الجماهير الرقمية إلى ما يشبه المحاكم الثورية الجديدة، حيث يصبح الغضب أسرع من التحقيق، والحكم أسرع من الحقيقة. إنها مقصلة بلا شفرة، لكنها قادرة على تدمير الإنسان اجتماعيا ومهنيا ونفسيا. وهذا هو «الإرهاب الجديد» الذي ينبغي على الديمقراطيات الحديثة أن تتعلم مواجهته: إرهاب الكلمة حين تتحول إلى أداة لإلغاء الآخر، وإرهاب الجماعة حين تستخدم قوتها العددية لإسكات الفرد، وإرهاب الاستقطاب حين يصبح المجتمع عاجزا عن رؤية أي منطقة وسطى بين الخيانة والولاء، وبين الصواب والخطأ.

حين تصبح الهوية وقودا للسياسة

الأخطر من ذلك أن الهويات الدينية والثقافية والوطنية باتت تُستعمل أحيانا وقودا للصراع السياسي. فبدلا من أن تكون الهوية جسرا بين الإنسان وتاريخه، تتحول إلى سلاح في المعركة الانتخابية. وبدلا من أن تكون العقيدة مجالا للإيمان والضمير، تصبح في الخطاب الشعبوي أداة لتقسيم المجتمع إلى «نحن» و«هم». وهنا تتقاطع مخاطر العنصرية ومعاداة السامية والإسلاموفوبيا وكل أشكال الكراهية. فهذه الظواهر، رغم اختلاف مصادرها وأشكالها، تلتقي في شيء واحد: نزع إنسانية الآخر. وعندما يفقد الإنسان إنسانيته في نظر خصمه، يصبح إقصاؤه أمرا سهلا، ثم يصبح تحقيره أمرا مشروعا، ثم يصبح الاعتداء عليه قابلاً للتبرير. من هنا تأتي أهمية رسالة البابا. فالدعوة إلى المصالحة ليست شعارا روحيا ناعما في مواجهة واقع سياسي قاس. إنها، في جوهرها، موقف سياسي وأخلاقي شديد الصرامة: رفض تحويل الإنسان إلى مجرد هوية، ورفض اختزال المواطن في دينه أو أصله أو موقفه السياسي.

الكونكورد: رسالة إلى فرنسا وإلى أوروبا

في ساحة تحمل اسم «الوفاق»، يأتي البابا ليذكّر بأن الوفاق ليس ضعفا، وأن التسامح ليس استسلاما، وأن الحوار لا يعني التخلي عن المبادئ. الوفاق الحقيقي لا يعني أن يتفق الجميع على كل شيء. بل يعني أن يختلفوا دون أن يتحول اختلافهم إلى كراهية، وأن يتنافسوا دون أن يتحول التنافس إلى تدمير، وأن يدافع كل طرف عن قناعاته دون أن ينكر على الآخر حقه في الوجود. وهذا هو التحدي الحقيقي أمام فرنسا اليوم. ففرنسا ليست بحاجة إلى مزيد من الأصوات التي تصرخ. إنها بحاجة إلى أصوات تستطيع أن تُصغي. ليست بحاجة إلى سياسيين يضاعفون الخوف من أجل الحصول على الأصوات، بل إلى رجال دولة يملكون الشجاعة الكافية لقول الحقيقة حتى عندما لا تكون شعبية. إن استعادة «الكونكورد» ليست عودة إلى الماضي، بل محاولة لاستعادة المستقبل.

رسالة تتجاوز الكنيسة

قد يختلف المرء مع الكنيسة، أو مع البابا، أو مع الدين نفسه، وهذا حق أصيل في مجتمع ديمقراطي. لكن قيمة الرسالة لا ينبغي أن تُقاس فقط بمنطلقها الديني. فحين يُدعى الإنسان إلى رفض الكراهية، وإلى احترام المختلف، وإلى مقاومة العنصرية، وإلى الدفاع عن كرامة الإنسان، فإن هذه الدعوة يمكن أن يلتقي حولها المؤمن وغير المؤمن، والمتدين والعلماني، والمحافظ والتقدمي. لهذا فإن قداس ساحة الكونكورد يمكن أن يكون أكثر من مناسبة دينية. يمكن أن يكون لحظة تأمل جماعية في مصير مجتمع يوشك أن ينسى أن الاختلاف جزء من طبيعته، لا تهديد لوجوده. إن فرنسا، بتاريخها الطويل وثورتها وجمهوريتها وفلسفتها السياسية، تعرف أكثر من غيرها ثمن الانقسام عندما يبلغ مداه الأقصى. وهي تعرف أيضا أن الحرية التي لا يحميها احترام الإنسان يمكن أن تتحول إلى فوضى، وأن المساواة التي لا تسندها الأخوة يمكن أن تتحول إلى صراع، وأن الجمهورية التي تفقد القدرة على جمع مواطنيها حول أرضية مشتركة تصبح فريسة سهلة للتطرف.

ولهذا، فإن الرسالة الأعمق التي يمكن أن تحملها ساحة الكونكورد اليوم هي ببساطة: لا تجعلوا من اختلافكم حربا. فأمام فرنسا خياران: أن تستسلم لمنطق الاستقطاب، حيث يصبح كل طرف سجنا للآخر، أو أن تعيد اكتشاف معنى الكلمة التي تحملها الساحة في اسمها: الوفاق. وفي زمن أصبحت فيه الكلمات قادرة على إشعال الحرائق في لحظات، قد يكون أعظم موقف سياسي هو أن نقول بوضوح: لا للكراهية، لا للتشهير، لا للعنصرية، لا لمعاداة السامية، لا للإسلاموفوبيا، ولا لأي أيديولوجيا تجعل من الإنسان عدوا لمجرد أنه مختلف. في ساحة الكونكورد، لا يواجه البابا الماضي وحده. إنه يخاطب الحاضر. وربما يضع أمام فرنسا، وأمام أوروبا كلها، السؤال الأصعب: هل نستطيع أن نختلف دون أن نكره، وأن نتعدد دون أن نتفتت، وأن ننتصر للإنسان قبل أن ننتصر لمعسكرنا؟ ذلك هو المعنى السياسي والإنساني الأعمق للكونكورد.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *